English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الأجر العادل شرط التنمية المستدامة
القسم : الأخبار

| |
2017-05-04 12:49:59


ندوة

الأجر العادل والحماية الاجتماعية اساس التنمية المستدامة

جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"

3 مايو 2017

 

 

الأجر العادل شرط التنمية المستدامة

اعداد: محمد مساعد

رئيس المكتب العمالي بجمعية وعد

 

مقدمة

تشكل الاجور والرواتب عنصرا رئيسيا في هياكل الاقتصاد الوطني في أي مجتمع، باعتبارها مسألة متصلة اتصالا مباشرا بعملية تحريك الاقتصاد المحلي من حيث القدرة الشرائية للمستهلك، كما تشكل عنصرا هاما في الاستقرار الاجتماعي والسلم الاهلي.

ويعرف الأجر بأنه المقابل المالي لقوة العمل التي يقدمها العامل ويكفيه ليعيش بعزة وكرامة. ويتكون من أجر أساسي مضافا اليه العلاوات المستحقة التي يقررها العقد المبرم بين العامل وصاحب العمل، او مقابل المخاطر التي يتعرض لها في اداء عمله. ان هذا التعريف مرتبط بكرامة العامل، ويفترض ان يكون أجرا عادلا في بيئة وظروف العمل اللائق الذي يحافظ على حقوق الانسان من العوز والفقر. لذلك سلكت الكثير من الدول المتقدمة والنامية تحديد حد ادنى للأجر وفق دراسات وقراءات مستفيضة لمستويات المعيشة، تهدف بذلك الى تحقيق قيم مضافة في اقتصادياتها الوطنية وتمنحها القدرة التنافسية بتحسين الانتاجية وزيادتها، ولهذا سلكت تلك الدول طرق اعادة هيكلة اقتصادياتها بما يتماشى ومتطلبات المنافسة من تقنية وتحديث وتدريب مستمر للعمالة.

والأجور هي أحدى عوامل الاقتصاد وتشكل اهمية معيشية للمواطن، تتأثر بالعديد من العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأخرى كارتفاع اسعار المواد الاساسية والكمالية، فكلما ارتفعت الاسعار كلما انخفضت القيمة الحقيقية للأجر. وكذلك التضخم النقدي او المستورد، فكلما كانت السياسة النقدية للدولة تقوم على اساس ضخ كميات اكبر من العملة الوطنية في الاسواق دون تغطية موازية، كلما ادى ذلك الى انخفاض قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأخرى، وبالتالي انخفاض القيمة الفعلية للأجر. والأمر ذاته بالنسبة للتضخم الناتج عن الاستيراد من الخارج من دول لديها تضخم في الاسعار التي تقود الى ارتفاع قيمة السلع المستوردة، مما يعني انخفاض القيمة الحقيقية للأجور وانزياح نسبة من العاملين الى خط الفقر وتحته.

وسعيا لتأطير أجور عادلة تحاكي التنمية المستدامة ومواجهة العولمة المتوحشة، أصدرت الامم المتحدة في العام 1996 قرارا يتضمن في مادته الأولى "إن الحق في التنمية هو حق من حقوق الإنسان"، وورد في المادة 25 من الاعلان العالمي لحقوق الإنسان: "لكل شخص الحق في مستوى  من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته، بحيث يتضمن التغذية والملبس والمسكن والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية اللازمة".

أولا: الحد الادنى للأجور والعمل اللائق

وفي ضوء هذا التعريف، وتعريفات عديدة ذات صلة، تبرز اهمية تحديد حد ادنى للأجور يحقق للمواطن والمقيم حدا مقبولا من التنمية الاجتماعية والاقتصادية والحياة الكريمة التي تحفظ انسانيته. وهذه ليست فكرة مستحدثة في البحرين،فقد سبق وان اشار الباحث الاقتصادي البحريني د.عبدالله الصادق الى جوانب تاريخية لمسألة الحد الادنى للأجور في ورقة عمل قدمها في حلقة نقاشية نظمها الاتحاد العام لعمال البحرين نهاية فبراير 2002، اشار فيها الى ان مسألة الحد الادنى للأجور تعود الى العام 1965، عندما صدر عن رئيس مالية البحرين امرا حكوميا يقضي بألا يقل الأجر الذي يدفعه صاحب العمل الى العامل غير الفني عن ثماني روبيات لليوم الواحد، وفي عام 1970 صدر عن سمو رئيس مجلس الدولة القرار رقم (9) لسنة 1970 متضمنا ألا يقل الحد الادنى للأجر الذي يدفعه صاحب العمل للعامل او الموظف غير الفني عن 900 فلس لليوم الواحد، بزيادة قدرها 12.5 بالمئة عن الامر السابق وبمتوسط زيادة سنوية يقدر بنحو 2.5 بالمئة عن 1965. وقد جاء هذا التحديد بناءا على دراسة عن مستوى الأجور في ذلك الوقت. كما جاء قانون العمل في القطاع الاهلي متضمنا نصا حول الحد الأدنى للأجر يحدده مجلس الوزراء. وفي 1979 اقترحت وزارة العمل والشئون الاجتماعية ان يكون الاجر للعامل العادي غير الفني (90) دينارا شهريا شاملا تكاليف السكن والكهرباء والماء والرعاية الصحية اذا التزم صاحب العمل بتوفيرها، وعلى ألا يقل الاجر الشهري للعامل عن (50) دينارا شهريا. وهذا يحاكي أجر العامل الاجنبي.

وهناك علاقة ترابطية بين الحد الأدنى للأجور وبين العمل اللائق والتنمية المستدامة، وهذه جميعها بحاجة الى اصلاح هيكلي للاقتصاد البحريني: هل يستمر في استقبال العمالة الوافدة رخيصة الأجر التي تشكل اليوم اغلبية سكانية تهدد الواقع الديمغرافي والنسيج المجتمعي؟ أو يتم إعادة هيكلة الاقتصاد وإصلاحه وتعديل الديمغرافيا ليصبح المواطن اغلبية سكانية، وأفضلية في سوق العمل بعلمه وتدريبه. وهذا يحتاج الى اعادة النظر في السياسة الاقتصادية المعتمدة حاليا على العمالة الرخيصة المهاجرة الامر الذي أخرج العمالة المحلية من دائرة المنافسة في ظل فوضى السوق.

ولمواجهة ضغوطات العولمة والشركات العابرة للقارات وحفاظا على حقوق العمال،اعتمدت منظمة العمل الدولية في العام 1998 اعلان المبادئ والحقوق الاساسية في العمل الذي يلزم جميع الدول الاعضاء بتعزيز وإعمال قيمهِ الأساسية بشأن الحرية النقابية، والقضاء على العمل الجبري والإلزامي، والقضاء الفعلي على عمل الاطفال وإزالة التمييز في الاستخدام. ويهدف الإعلان إلى ضمان ألا ينحدر اي فرد دون الحد الادنى للمستوى الذي تشكله الحقوق والمبادئ الاساسية في العمل. وفي السياق ذاته، تعتبر فرص العمل ضرورية لشروط العمل اللائق، التي تعني الحرية واحترام كرامة الانسان. فالعمل اللائق يتطلب أجرا عادلا مقابل الجهد البدني والذهني الذي يقوم به العامل، ويتطلب التزاما سياسيا بتنفيذ سياسات سليمة ذات بعد حقيقي في تطبيق العدالة الاجتماعية في سوق العمل. ان الدولة تحتاج الى تدعيم قدرتها للاضطلاع بمسئوليتها بالتعاون الوثيق مع شركائها الاجتماعيين بما يحقق الاهداف من هيكلة الاقتصاد وتشريع حد ادنى للأجور.

إن الحديث عن الحد الادنى للأجر في دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي ان ينظر لها كوحدة واحدة، حيث ترتبط اسواق العمل في هذه الدول ببعضها في طبيعة الاقتصاد الريعي القائم على عائدات المواد الخام (النفط) بشكل رئيسي في موازناتها، فضلا عن ان الحكومات هي المحرك للنشاط الاقتصادي في مختلف قطاعاته وهي المشرف على اداءه واللاعب الرئيسي الاكبر فيه. لذلك فإن سوق العمل البحرينية مرتبطة ارتباطا وثيقا بأسواق العمل في مجلس التعاون الخليجي، والحديث عن تحديد حد ادنى للأجر في البحرين وحدها لايمكن ان يكتب له النجاح بسبب تشابه الاقتصاديات حد التماثل.

ثانيا: الأجر العادل

في حالة البحرين، لا تزال الاجور تتعرض لضغوط كبيرة لأسباب تتعلق بتدهور اسعار النفط الذي يشكل اكثر من 85 بالمئة من عائدات الموازنة العامة، ولجوء الحكومة الى اقصر الطرق برفع الدعم عن المواد الاساسية والمحروقات والكهرباء، وزيادة الرسوم والتفكير الجدي في فرض الضرائب والتي ستبدأ بفرض ضريبة القيمة المضافة بالاتفاق مع باقي دول مجلس التعاون الخليجي وذلك مطلع العام المقبل 2018. الحكومة تحاول من خلال هذه الاجراءات اطفاء العجز المستمر في الموازنة والذي بلغ في العام الماضي مليار ونصف المليار دينار بحريني، بينما بدأالدين العام يلامس العشرة مليارات دينار، عدا عن فائدة الدين العام التي تقترب من 400 مليون دينار.

هنا تبرز ضرورة اعادة النظر في السياسة الاقتصادية بجدية، وإعادة هيكلة الاقتصاد وعدم الاعتماد على مصدر وحيد للدخل والمتمثل في الثروة الطبيعية،النفط الخام، والبدء في وضع استراتيجيات حقيقية بالاعتماد على العمالة المدربة والمتعلمة والتي يشكل المواطنون عمودها الفقري، والحد من جلب العمالة الوافدة التي تستنزف تحويلاتها السنوية مبالغ كبيرة قياسا لحجم الاقتصاد البحريني، حيث تشير الاحصائيات الى تحويل مليار دينار بحريني في العام المضي 2016، في الوقت الذي احتلت فيه العمالة الوافدة اكثر من 63 الف فرصة عمل جديدة وفرها الاقتصاد الوطني في العام الماضي مقابل فقط 969 فرصة عمل ذهبت للبحرينيين، وفق تصريحات المسئولين في وزارة العمل البحرينية، الأمر الذي ينذر بخطورة على الاقتصاد الوطني وعلى الاستقرار الاجتماعي في المستقبل القريب، سواء على مستوى الأجور المتآكلة فعلا، او تدني نسبة العمالة المحلية في سوق العمل وطرد العمالة المواطنة من دائرة المنافسة في ظل تدفق العمالة الرخيصة الوافدة. وهنا نشير الى نسب البطالة التي ترتفع بصمت في ظل هذه الضغوط المتشكلة بسبب ترك سوق العمل تتحكم فيها مراكز القوى إضافة الى معادلات اقتصاد السوق المفتوحة منافساتها على مصراعيها، ما يعني مضاعفة نسب البطالة الى المستويات الخطرة لتتجاوز، بأضعاف، ما تعلن عنه وزارة العمل.وحسب اخر الاحصائيات التي كشفها وزير العمل والشئون الاجتماعية، فإن اجمالي العمالة في البحرين في العام الماضي تصل الى 787 الف و190 عاملمنهم 630 ألف عاملا مقابل 566 ألف و785 عاملا في 2015، في الوقت الذي زادت فيه العمالة الوطنية بمقدار 969 عاملا، حيث ارتفعت من 101 الف و198 عامل في 2015 الى 102 الف و 167 عامل في العام 2016. وفي ظل تجميد التوظيف الحكومي المعلن عنه من قبل ديوان الخدمة المدنية، فإن نسبة البطالة زادت، ودائما وفق الارقام والتصريحات الرسمية. علما ان بين العمال الوافدين قرابة 120 ألف عامل غير مؤمن عليهم.

وحول الاجور المتدنية، أوضح التقرير الاحصائي للربع الأول من العام الجاري 2017 للهيئة العامة للتأمين الاجتماعي عن مفارقات مقلقة. فقد بلغ عدد البحرينيين (ذكور وإناث) ممن تقل رواتبهم الشهرية عن 200 دينار في القطاعين العام والخاص بلغ 3,396 اي بنسبة 2% من مجموع المؤمن عليهم والبالغ 144,728. أما من تتراوح رواتبهم بين 200 و 399 دينار فقد بلغ عددهم 42,820 اي ما نسبته 30%. ومن تبلغ رواتبهم بين 400 و 599 دينار 31,316 اي ما نسبته 22%. واذا جمعنا الارقام اعلاه نجد ان 77,532 اي ما نسبته 54% من البحرينيين متوسط رواتبهم الشهرية تقل عن 400 دينار. 

لا توجد دراسة رسمية حديثة لتحديد خط الفقر في البحرين، لكن في تصريح  لوزيرة التنمية الاجتماعية فاطمة البلوشي في 2011 ذكرت ان خط الفقر هو 377 دينار لأسرة  مكونة من 5 افراد (المصدر جريدة الأيام العدد 8004 - 10 مارس 2011)، والحقيقة لا نعرف من اين اتت الوزيرة السابقة بهذا الرقم، فالوقائع تفيد بأنه اكبر من ذلك بكثير. وبعد ان بدأت الحكومة في تطبيق سياسة  رفع الدعم نهاية 2015، تضاعفت الاعباء على الاسرة البحرينية، وأصبح الحد الادنى للأجر اكبر بكثير مما يوضع من ارقام على عواهنها.

تجدر الاشارة هنا الى ان المعونات المالية المقدمة من الحكومة للأسر البحرينية تصل الى المواطنين الذين يتسلمون أجورا قدرها 1000 دينار، اي ان هذا الاجر لا يستطيع وحده ان يغطي تكاليف معيشة الاسرة البحرينية وفق سياسة الدعم المعلنة، الامر الذي يفرض وضع دراسات جدية وبحوث علمية لتقييم الاجور انطلاقا من فلسفة الاجر العادل المتصل بالعدالة الاجتماعية.

ثالثا: مجلس اعلى للأجور

في ضوء ما تقدم وما تفرضه المعطيات الطاغية، فإن تشكيل مجلس اعلى للأجور يعتبر ضرورة في هذا الظرف الذي يواجهه الاقتصاد الوطني. مجلس يمكن ان يتشكل من اطراف الانتاج الثلاثة: الحكومة والقطاع الخاص والجانب العماليومختصين مستقلين، مهمته قراءة حصيفة مستندة الى دراسات علمية مستقلة عن واقع مستوى الاجور في البحرين. هذا الوضع لا يتم إلا اذا كان هناك قراراسياسيا جديا من أعلى المستويات لمعالجة وإصلاح الاقتصاد الوطني وتوجهات سوق العمل التي يشكل استمرارها على هذا الوضع كارثة حقيقية على العمالة المحلية. ان قرارات جريئة تتخذ اليوم افضل من قرارات تاتي متأخرة جدا وبعد فوات الاوان. ان المهمة الرئيسية للمجلس الاعلى للأجور تتمثل في تحديد الحد الادنى للأجر المرتبط بتحقيق الاجر العادل والعدالة الاجتماعية بما يضع الاقتصاد الوطني على السكة الصحيحة للتنمية المستدامة.   

الخلاصة:

خلال العقود الماضية، تطورت المفاهيم الخاصة بالنمو والتنمية الاقتصادية وبالأجور، وتوصلت الهيئات الاممية الى مفاهيم جديدة تربط بين النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة وضرورة ايجاد عدالة اجتماعية تتوافق معها هذه المفاهيم المتصلة اتصالا وثيقا مع حقوق الانسان التي يكون العمل اللائق والأجر العادل من عناصرها الرئيسية.

ان الاجر العادل لا يجيئ في ظل فوضى السوق وغياب الاستراتيجيات الوطنية لمواجهة البطالة والفقر والمرض والحد الادنى للأجر، وفي ظل تدفق العمالة الوافدة حتى تفشت البطالة في صفوفها، وتضخمت العمالة السائبة لتفرض على الحكومة اصدار قرارات لدمجها في سوق العمل وتوطينها على حساب العامل البحريني الذي لا يمكنه المنافسة في سوق به مؤسسات تعمل في عالم مفتوح ولا تحدده قوانين جازمة لصالح العمالة المحلية.

ان العدالة الاجتماعية لها شروط ينبغي ان تتوافر في خلق مجتمع مستقر يسير نحو التنمية المستدامة، ومن أهم هذه الشروط توفر ضمانات حقيقية للمساواة وعدم التمييز وتكافؤ الفرص، والتوزيع العادل للثروة وللموارد والاعباء، والضمان الاجتماعي والعدالة بين الاجيال بالحفاظ على الثروات الطبيعية وتخصيص حصصا للاجيال القادمة. 

 

6

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro