English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

سياسة ترامب وانعكاساتها على دول المنطقة
القسم : سياسي 2

| |
رضي الموسوي 2017-05-17 23:55:04


 

مقدمة:

 

شعر المواطنون الخليجيون بإهانة كبيرة وهم يشاهدون شريط فيديو للرئيس الامريكي دونالد ترامب يتحدث فيه عن الخليج باعتباره بقرة حلوب عليه أن يدفع حصته من الدين العام الامريكي البالغ 20 تريليون دولار، حسب ترامب. هذا الفيديو انتشر كالنار في الهشيم في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي قبيل بدء زيارة الرئيس الامريكي للمملكة العربية السعودية المقررة يوم 22 مايو الجاري، يلتقي خلالها العاهل السعودي ومسئولين في الدولة، كما يعقد قمة مع زعماء دول مجلس التعاون الخليجي، وقمة مع زعماء مختارين في العالم العربي والإسلامي. وقد اعتبر مسئولون في الولايات المتحدة والسعودية ان زيارة ترامب تعتبر "زيارة تاريخية بكل المقاييس"، وفق وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، ووزير الامن الداخلي الامريكي جون كيلي الذي وصف السعودية بأنها دولة "صديقة ومستقرة وراسخة، تحت قيادة الملك سلمان بن عبد العزيز"، وشدّد في مقابلة صحافية مع جريدة عكاظ السعوديةنشرت قبل يومين "على قوة العلاقات الأمريكية السعودية، واستحالة تفريط الولايات المتحدة في مصالحها الاقتصادية الكبيرة والحيوية مع المملكة". وأكد على ان "قواعد اللعبة تغيرت بعد زيارة ولي ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان".

 

وقد جاء في البيان الصادر عن اجتماع الرئيس الامريكي بولي ولي العهد السعودي التي تمت في 13 مارس الماضي، ان الرياض سوف تستثمر بشكل مباشر وغير مباشر 200 مليار دولار في مجالات الطاقة والصناعة والبنية التحتية الامريكيةوفي حقل التكنولوجيا خلال اربع سنوات. وبعد ذلك رشحت انباء عن صفقة لشراء اسلحة بقيمة 100 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل قيمة صفقات التسلح خلال السنوات العشر المقبلة الى 300 مليار دولار. رئيس لجنة العلاقات السعودية الامريكية (سابراك) سلمان الانصاري قال في تصريح لمحطة (سي.إن.إن) الأمريكية، ان القاعدة القديمة التي حكمت علاقات البلدين والتي قامت على "النفط مقابل الأمن" قد أصبحت من الماضي (..) وإن القاعدة الجديدة الان هي: التجارة والأمن للتجارة والأمن". وذكرت (سي ان ان) ان السعودية التزمت بنحو 45 مليار دولار في صندوق استثمار بقيمة 100 مليار دولار أطلق بالاشتراك مع سوفت بنك الياباني. ونوه الانصاري الى ان السعودية هي اكبر شريك تجاري للولايات المتحدة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وان البلدين "سيعملان على انشاء اكبر مجمع في العالم لإنتاجالالمونيوم بتكلفة 10 مليارات دولار، واكبر مجمع بتروكيماويات في العالم بقيمة تفوق 20 مليار دولار من خلال ارامكو وصدارة"، وقال أن ارامكو ستمتلك بالكامل في مايو الجاري اكبر مصفاة للنفط في امريكا تقع في تكساس. وأكد على ان نتائج الاجتماع بين ترامب والأمير محمد بن سلمان سوف "توقف جنون إيران". هذا القول يتناغم مع ما صرح به وزير الامن الداخلي الامريكي الذي هدد ايران بأنها إن لم ترتقي الى مستوى متطلبات المجتمع الدولي فان العقوبات ستوقع عليها، وان الاتفاق النووي قد يكون في مهب الريح. الصحف الامريكية ذكرت بأن المباحثات بين الرجلين تركزت على ايران والإرهاب، بينما قال مدير المؤسسة العربية للأبحاث في واشنطن علي شهابي ان ولي ولي العهد السعودي جاء الى واشنطن "لإحياء العلاقة التاريخية بين البلدين والتي استمرت لأكثر من 50 عاما، وهو في الحقيقة يسعى الى رفع تلك العلاقة لمستوى أكبر، وخاصة فيما يتعلق بمحاربة الارهاب والوقوف ضد سياسة ايران العدائية". بالمقابل ترى الخبيرة في العلاقات الامريكية السعودية انجريد نارنجو "توفير فرص العمل من خلال الاستثمارات..الرئيس ترامب يريد نتائج وإحصائيات مهمة بالنسبة له..هذا منطقي للغاية بالنسبة لإستراتيجية التنوع السعودي للاستثمار في الخارج وخاصة في الولايات المتحدة".  

كما قام ولي عهد امارة ابوظبي الشيخ محمد بن زايد ال نهيانيوم 15 مايو الجاري بزيارة لواشنطن التقى فيها الرئيس الامريكي الذي وصف الشيخ محمد بن زايد بأنه "يحب أمريكا"، وقد سبق الزيارة اعلان الخارجية الامريكية عن بيعها صواريخ للإمارات بقيمة ملياري دولار. وسارع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان يوم 16 مايو الجاري بزيارة للولايات المتحدة الامريكية التقى فيها الرئيس ترامب، لترميم العلاقات الامريكية التركية التي تعيش في حالة جزر بسبب دعم واشنطن للأكرادالذين يقاتلون تنظيم داعش في الشمال السوري، لكن انقره تعتبرهم ارهابيين يهددون أمنها، وترفض اقامة دولة كردية على حدودها مع سوريا. كما تطالب انقرة واشنطن بتسليم الداعيةفتح الله غولن المتهم بقيادة محاولة انقلاب فاشلة الصيف الماضي. وقام 60 عضوا من اعضاء الكونغرس الجمهوريين والديمقراطيين بإرسال خطابا غاضبا الى الرئيس ترامب ووزير خارجيته ريكس تيلرسون ضمنوه تحذيرات تتعلق بحرية الرأي والتعبير التي تراجعت في تركيا بعد المحاولة الانقلابية، مذكرين تركيا بالدور المهم الذي كانت تلعبه في الاستقرار في الشرق الاوسط والبلقان ابان الحرب الباردة وتنفيذ السياسة الامريكية ودورها في حلف الناتو الذي دخلته في العام 1950. واتهم الخطاب الحكومة التركية بالقضاء على حرية التعبير من خلال المحاكم وفي تقييد المعارضة عن طريق أساليب غير ديمقراطية تنتهك بشكلٍ صارخ كافة مبادئ حرية التعبير، حيث أصبح الجميع يخاف من المستقبل داخل تركيا بعد حبس آلاف المواطنين.

 

لكن منطقة الخليج تعتبر واحدة من مناطق أخرى في العالم تشكل اولوية للإدارة الأمريكية، ذلك ان منطقة الشرق الاوسط تشكل الامتداد الطبيعي للمصالح الامريكية في الخليج، في حين تشكل كل من آسيا وأوروبا مناطق للنفوذ الامريكي ومصالحه. في هذه الورقة نحاول تسليط الضوء على البرنامج الانتخابي "الشعبوي" للرئيس ترامب والذي قاده للبيت الأبيض والتعرف على شعار ترامب الانتخابي "لنجعل امريكا عظيمة مجددا"، وما تقوم به الإدارة الامريكية من خطوات للجم تصاعد الدين العام الذي بلغ مستويات مقلقة تؤثر في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وينذر بعواقب وخيمة. كما سنعرج على العلاقات الامريكية الصينية التي تبدو انها تعيش في حالة ليست على ما يرام رغم ضخامتها. ومن ثم سنركز على العلاقات الامريكية الخليجية في عهد الرئيس دونالد ترامب.

 

أولا: لماذا رفع ترامب شعار "لنجعل امريكا عظيمة مجددا"؟

 

عندما صدرت نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية، وفاز الرئيس ذي البرنامج الشعبوي دونالد ترامب على منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون، اصبح الرئيس الجديد امام استحقاق تنفيذ برنامجه الانتخابي المثير للجدل حتى في صفوف الحزب الجمهوري الذي ترشح بأسمه، ويمكن تكثيف هذا البرنامج في عدة نقاط هي:

 

1.طرد المهاجرين واقامة جدار عازل مع المكسيك

 

يعتزم ترامب بناء جدار بطول 1600 كليومتر على طول الحدود المكسيكية لوقف تدفق المهاجرين بتمويل كامل من المكسيك، لكنه وبعد فوزه لم يعد يعتبر بناء الجدار أولوية، كما تردد في تنفيذ وعوده بطرد أكثر من مليوني مهاجر "من ذوي السجلات الاجرامية"، حسب وصفه، بيد انه اصدر أولى اوامره الرئاسية بمنع مواطني ست دول عربية وإيران من دخول الاراضي الأمريكية لكنه واجه المؤسسة القضائية التي تحدته وافشلت اوامره الى حين.

 

2.انعزالية الاقتصاد وخفض الضرائب

 

يعتزم دونالد ترامب إعلان نيته لإعادة التفاوض بشأن اتفاق أمريكا الشمالية للتجارة الحرة وانسحاب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ. وعلى الرغم من التوترات مع حزبه، تعهد ترامب بالعمل مع الكونجرس لتقديم خطة اقتصادية من شأنها خلق 25 مليون فرصة عمل على مدار عشر سنوات، وذلك من خلال خفض الضرائب الكبيرة على الطبقة المتوسطة والشركات. وقد سجلت نسبة البطالة انخفاضا ملحوظا عندما تقلصت من نسبة 4.6 بالمئة في شهر نوفمبر 2016 وتراجع عدد العاطلين بمعدل 387 ألف ليصل عددهم ل 7.4 مليون شخص، الى نسبة 4.4 بالمئة في ابريل الماضي. 

 

3.مكافحة الارهاب والسماح بالتعذيب

ذهب ترامب بعيدا في هذا البند. فتحت شعار مكافحة الإرهاب،دعا الى السماح بتعذيب المتهمين به، بل وطالب بقتل أسر الإرهابيين بذريعة ردع الجهاديين المحتملين. 

 

4.السياسية الخارجية: تدفيع الحلفاء ثمن حماية امريكا لهم

 

دعا ترامب حلفاء امريكا بأن يدفعوا المزيد من الأموال من أجل أمنهم الخاص، وهدد بالخروج من حلف الناتو. كما وجه جام غضبه الى منطقة الخليج وقال انها منطقة ينبغي عليها دفع الاموال مقابل حمايتها، وقد بدأ في هذا مباشرة بعد انتخابه. وبالنسبة لتنظيم داعش، فقد كان واعيا لحجم الدور الروسي في سوريا، فأكد على التعاون معها في الحرب التقليدية والالكترونية والمالية والأيدلوجية. لكنه أكد أيضا على اولويته المتمثلة في القضاء على ما اسماه "الاتفاق الكارثي" مع إيران بشأن برنامجها النووي.

 

5.نهاية مكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري

 

تعهد الرئيس الجديد بالعمل على الغاء اتفاقية باريس حول المناخ ووكالة حماية البيئة، وقال انه سيتوقف عن دفع مليارات الدولارات إلى الأمم المتحدة لبرامج مكافحة تغير المناخ. كما سيرفع القيود المفروضة على إنتاج الوقود الاحفوري.

هذه العناصر جاءت بالاضافة الى بنود اصلاح التعليم والتخلص من برنامج اوباما الصحي ومنع الاجهاض وغيرها من القضايا الانتخابية المتكررة. 

 

ثانيا: اعباء الدين الفيدرالي

 

إن شعار "جعل أميركا عظيمة مجدداً"، الذي رفعه ترامب يعيد الى الاذهان صورة أليكساندر هاميلتون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة ووزير خزانتها الأول (١٧٨٩-١٧٩٥)، والذي تبنى شعار "العظمة الوطنية" لبناء الولايات المتحدة الناشئة بعد نيلها الاستقلال من بريطانيا. وقد كان هاميلتون من أوائل الذين وضعوا أسس النظرية القومية في الاقتصاد، فهندس الاقتصاد الأميركي على أسس حمائية، وشدَّدَ على وجود حكومة مركزية قوية تتحكم بسياسات البنك المركزي، وتدعم الشركات وتشجع الصناعات المحلية، وتستثمر في البنية التحتية، وتفرض تعريفات جمركية عالية على المصنعات المستوردة لحماية المنتج الأميركي من المنافسة الأجنبية، وفق الدكتور طارق دعنا استاذ الاقتصاد السياسي الدولي في جامعة بيرزيت، والذي يشير ايضا الى ارتكاز رؤية هاملتون على بناء اقتصاد حمائي كأساس لبناء الدولة الأميركية، بينما يسعى ترامب إلى "ضرورة إعادة بناء الاقتصاد الأميركي واسترجاع عظمتها السياسية". هذا القول يؤصل الى مقولة "القرن الأمريكي" حسب بول كينيدي في كتابه الاعداد للقرن الواحد والعشرين الذي كتبه نهاية ثمانينات القرن الماضي، ويشير فيه الى ان الخبراء وجماعات الضغط يخوضون جدلا حاميا حول الانتصار في الحرب الباردة، بينما يذهب بعض النقاد للكشف عن المشاكل مثل الديون، الانحطاط الاجتماعي والتربوي، انخفاض متوسط مستوى الحياة، تآكل موقع الصدارة الذي تحتله الولايات المتحدة اقتصاديا، والتواجد العسكري في الخارج الذي تجاوز المعقول الى حد بعيد. لقد اشار بول كينيدي الى مسالة التواجد العسكري على مستوى عالمي ولفت الى وجود تساؤلات كبرى حول سحب القوات الامريكية من اوروبا، فيما شكك استراتيجيون في فائدة القوة العسكرية أصلا، كون الولايات المتحدة لا تواجه خطر الاسلحة النووية، بل اخطار البيئة وفقدان القدرة التنافسية على الصعيد الاقتصادي.

 

يؤكد كينيدي الذي الف كتاب "صعود القوى العظمى وسقوطها"، على انه "لن تتمكن القوة الكبرى من الحفاظ على موقعها الى ما لانهاية اذا كان اقتصادها يعيش انحطاطا نسبيا". ويبدو ان كينيدي يتنبأ بمصاعب جمة للاقتصاد الامريكي قد تقود أمريكا الى التراجع عن الصدارة. فالدين العام الامريكي بلغ مستويات كبيرة ببلوغه في اكتوبر الماضي 19.867 تريليون دولار، حسب وزارة الخزانة الامريكية، ومن المتوقع له ان يصل الى 21.5 تريليون دولار في شهر سبتمبر المقبل، حيث يشكل هذا الدين ما نسبته 106 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي البالغ اكثر من 18 تريليون دولار بقليل، بينما كانت نسبته في العام 1916، أي قبل مائة عام، 7 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وكان الدين العام حينها لا يتجاوز 3.6 بالمئة. 

 

نشير الى ان الصين تمتلك 1.5 تريليون دولار من سندات الخزينة الامريكية، وهو مبلغ فلكي بكل المقاييس، بينما يميل الميزان التجاري بين الولايات المتحدة والصين لصالح الاخيرة، حيث يبلغ العجز في هذا المجال 347 مليار دولار سنويالصالح بكين، من اصل 500 مليار دولار هو عجز امريكا التجاري مع العالم. ربما هذا يفسر الوضع المتوتر بين واشنطن وبكين، يضاف لها النزاع في بحر الصين، اذ تعتبر بكين ان هذا البحر مياه اقليمية صينية، بينما تصر الولايات المتحدة على انه مياه دولية وذلك لكي يكون لها موطئ قدم قريبا من حلفائها الاسيويين. واذا ما أضيفت الاتهامات التي توجهها واشنطن للصين بأنها تلعب في سعر صرف العملة الصينية (اليوان)، وانها سبب فقدان 2.5 مليون وظيفة في الولايات المتحدة بين عامي 2001 و2011، فإن تعقيدات العلاقة بين البلدين لن تحل بسياسة حمائية من قبل الولايات المتحدة، ولا بدعوة ترامب للشركات العاملة في الخارج الامريكي بالعودة مقابل تخفيض الضرائب عليها الى 10 بالمئة.

 

إن بناء الجدران والأسوار العازلة بعد عقدين ونصف من العولمة التي كان عنصر ارتكازها منظمة التجارة العالمية التي وقعت في المغرب عام 1995، والتي هدفت الى فتح الأسواق وتحرير التجارة العالمية، يعني إعادة تركيب الخارطة الجيوسياسية والاقتصادية للعالم، فهل بمقدور الرئيس الامريكي إعادة صياغة هذه الخريطة وفق ما بشر به في برنامجه الانتخابي؟

 

كما شعار "امريكا عظيمة مرة أخرى"، قد تم رفعه أيضا بعيد التوقيع على تأسيس منظمة التجارة العالمية. حينها قال نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، آل غور: "نريد توسيع الطبقة الوسطى في العالم". بمعنى آخر: نريد بيع منتجاتنا وليس منتجات الصين ودول العالم الثالث. لكن الطبقة الوسطى لم تتوسع، في البلدان العربية على الأقل، بل تآكلت في اكثر الدول التي تتمتع بثروات طبيعية واقتصاد ريعي، ومنها دول مجلس التعاون الخليجي. وبالتزامن، في منتصف التسعينات، طرح سؤال مركزي في الولايات المتحدة الامريكية: كيف تستمر امريكا في قيادة العالم والسيطرة عليه في القرن الواحد والعشرين؟

 

ثالثا: العلاقات الامريكية الخليجية

 

تعود العلاقات الامريكية الخليجية إلى أكثر من سبعين عاماعندما التقى الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت عام 1945 ووقعا على اتفاقية بين البلدين تتعهد فيها الولايات المتحدة الامريكية حماية السعودية مقابل النفط والدعم السياسي. لكن الوجود الامريكي سبق هذا اللقاء بعيد اكتشاف النفط في البحرين عام 1932، ووصول شركة "ستاندرد أويل" النفطية. وقد تطورت العلاقات باضطراد، فكانت السعودية ودول المجلس الاخرى تصدر النفط الخام للولايات المتحدة طوال العقود الماضية، رغم تراجع استيراد امريكا للنفط الخليجي وخصوصا السعودي الذي تراجع تصديره لأمريكا في الاونة الاخيرة الى مليون برميل يوما، لأسباب عديدة منها انتاج كميات كبيرة من النفط الصخري، وزيادة توجه السعودية للتصدير الى اسيا وخصوصا الصين.لكن المصالح الاستراتيجية ضاربة في العمق، حيث تتمتع المنطقة باحتياطي نفطي يبلغ 54 بالمئة من احتياطي النفط العالمي، ولا يمكن للولايات المتحدة التخلي عن وجودها في المياه الخليجية الدافئة.

 

وفي حقل التجارة يبلغ حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي قرابة 196 مليار دولار في العام 2014، تشكل الواردات السعودية منها نحو 55 بالمئة. وتتواجد في بلدان مجلس التعاون الخليجي مئات الشركات الامريكية التي تعمل في حقول الطاقة والتكنولوجيا والبنى التحتية، كما يتواجد في الخليج آلاف من الجنود الامريكان موزعين في 18 قاعدة عسكرية برية وجوية وبحرية.

 

لقد مرت العلاقات الخليجية الامريكية بفترة ارباك قبيل وبعد التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني، إذ تباينت المواقف بين الادارة الامريكية التي يقودها انذاك باراك اوباما وبين اغلب دول مجلس التعاون الخليجي التي وجدت في التوصل الى اتفاق مع طهران انتصارا للتشدد الايراني. وبعد مجيء ترامب الى سدة الرئاسة تقاربت المواقف ازاء الملف النووي الايراني، حيث يرى ترامب ضرورة الغاء الاتفاق ومعاقبة ايران على تدخلها في الشئون الداخلية ودعمها للارهاب، وفق الادارة الامريكية.

 

ماذا تريد الادارة الامريكية من الخليج؟

 

تبحث الادارة الامريكية الجديدة عن مئات المليارات من الدولارات لإطفاء عجوزاتها في الموازنة العامة ولتقليص الدين العام المنفلت من عقاله والذي أصبح من الصعب السيطرة عليه. وحيث ان الدول الخليجية تتمتع باحتياطيات نقدية، فإن ادارة ترامب سوف تطلب من دول التعاون وخصوصا الاكثر غنا باستثمار اموالها في الولايات المتحدة، لتحقيق عدة اهداف اهمها توفير فرص العمل وايجاد المبالغ اللازمة لتسديد الديون وإصلاح البنى التحتية والتعليم والصحة. وقد صرح رأس الادارة الامريكية ان قيام القوات الامريكية بحماية أي بلد تتطلب منه دفع الاموال اللازمة لهذه الحماية.

 

في الجانب الآخر وحيث تشتعل المنطقة بحروب تدميرية، فإن اعادة اعمار سوريا والعراق واليمن بعد توقف الحرب يحتاج الى مئات المليارات من الدولارات للقيام بهذه المهمات، ولاشك ان نصيب الاسد سيذهب للشركات الامريكية وفق معادلة توازن القوة. وحسب رئيس الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب جوزيف طربيه، تصل تكلفة اعادة اعمار الدول الاربع التي تعاني من الحروب: سوريا، اليمن العراق وليبيا، الى تريليون دولار.

 

التطبيع مع الكيان الصهيوني

 

في القمم الثلاث التي سيعقدها الرئيس الأمريكي سيكون موضوع التطبيع مع الكيان الصهيوني حاضرا وبقوة، مقابل تجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس والجلوس الى طاولة المفاوضات بين قادة الكيان والسلطة الفلسطينية. كما قد يطرح ترامب مسالة يهودية الدولة والقدس عاصمة ابدية للكيان. وهذا ما يفسر دعوة بعض الزعماء العرب وزعماء الدول الاسلامية لعقد قمة مع ترامب.

 

رابعا: الخلاصة

 

إن مجيء ترامب رئيسا لأمريكا لم يكن صدفة، فثمة حاجة لمواجهة الارث المتعاظم من المشاكل والأزمات التي بدأت تضعف الموقع القيادي لأمريكا في العالم، حيث لايزال الاقتصاد الامريكي هو الاكبر عالميا رغم الوهن والمرض، ويأتي بعده مباشرة الاقتصاد الصيني المتوثب للصدارة المتوقع نيلهابعد عقود قليلة. ولمواجهة هذه الحالة، لم يتردد الرئيس ترامب من الافصاح عن بعض الازمات التي تؤرق ادارته في وجه الحلفاء، فقد خلط كلفة التواجد العسكري في الخارج بحجم الدين الفيدرالي الذي ورثه من رؤساء سابقين وقذف بالمنتج الجديد في وجه الدول الاخرى وقال لها ان الدين العام الامريكي 20 تريليون، وان على دول الخليج ان تدفع حصتها، في اساءة صارخة لدول مجلس التعاون. ويبدو ان الرئيس الامريكي بدأ في فتح الدفاتر القديمة بفواتيرها، عندما ارسل البيت الابيض 1500 طائرة ونحو نصف مليون جندي لمواجهة القوات العراقية التي احتلت الكويت في صيف 1990، بيد ان فواتير حرب الخليج الثانية قد تم دفعها بالكامل.

 

لاشك ان توجهات الادارة الامريكية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي تتركز في اثارة المزيد من الهلع والخوف من الحاضر والمستقبل، وبعض من التصريحات الامريكية تحمل تهديدات مبطنة للمنطقة، ما يشكل حالة استنزاف مستمرة تضاف لما تعانيه دول المنطقة من عجوزات في الموازنات العامة وديون عامة وبدء ارتفاع نسب البطالة وتآكل مستوى الاجور وضمور الطبقة الوسطى وتزايد مشكلة الاسكان وتحديث البنى التحتية التي تتعرض للضغط بسبب العمالة الوافدة المتزايدة بصورة غيرت الملامح الديمغرافية لبلداننا.

 

ان الحصول على الامن مسألة ضرورية ولا جدال فيها، وهذه تأتي من التلاحم الداخلي بين مكونات المجتمعات الخليجية والسير نحو الوحدة الخليجية بطريقة عصرية قادرة على مواكبة التحديات وإشاعة السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي بالانفتاح على الداخل الخليجي ومناقشة المشاكل مع مواطنيه من أجل وضع الحلول الجامعة وتأسيس دولة العدالة والمساواة ومغادرة عقلية الغنيمة واستبدالها بعقلية الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي من شانها حماية بلداننا ومجتمعاتنا من أي تدخلات خارجية.

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro