English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

سلطة اللاعنف
القسم : سياسي

| |
عبدالله جناحي 2017-08-27 01:04:24




 

أمام فشل الحروب والعنف والقمع والإرهاب في حل الأزمات سواء في داخل المجتمع الواحد أو في  الأقاليم كالعراق وسوريا واليمن وليبيا وأفغانستان وحتى بعض الدول في أوروبا الشرقية التي عانت مآسي الحروب الأهلية.

 

كل هذه التجارب المؤلمة تفرض علينا طرح السؤال: كيف تستطيع الشعوب مع حكوماتها المستبدة أن تحقق انتصارات ملموسة دون دماء وتدمير وحقد، وإعادة الماضي الطائفي البغيض ليكون سيد الموقف والعقل الجمعي في هذه المجتمعات؟

إنه أسلوب اللاعنف هو الحل الأمثل!!

 

تقدم كارونا مانتينا أستاذ مشارك للعلوم السياسية في جامعة ييل شرحاً جميلاً لأسلوب اللاعنف في مقال منشور بمجلة الثقافية العالمية الصادرة من المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب بدولة الكويت. ونحاول في هذا  المقال إبراز أهم مضامين المقال المهم.

 

للعلم فقد أطلق المهاتما غاندي منذ أكثر من قرن إسم "ساتياغراها" (saty – agraha) للعمل الخالي من العنف، والتي يمكن ترجمتها تقريباً "التشبث بالحقيقة"

 

لقد كان غاندي أول من استكشف ومارس على الساحة العالمية عمليات المقاطعة الجماهيرية والإضرابات والاعتصامات الجماعية اللاعنفية، وحقق نتائج تاريخية من خلالها، ومعظم تحركات الربيع العربي استخدمت تكتيكات التعطل الخالية من العنف، وقد تأثر الناشطون المدافعون عن البيئة والفساد واللاجئين وحقوق المهاجرين والإقصاء العنصري والعنف بهذه الأساليب والاحتجاجات الخالية من العنف.

 

وفي كتاب "هذه انتفاضة" This Is an uprising- 2016، يشرح الآليات التي تستطيع من خلالها الأساليب السياسية اللاعنفية أن تفرض تغييراً سياسياً حول أكثر القضايا استعصاءً في يومنا هذا.

 

 

تراجع الاهتمام بمبدأ اللاعنف:

 

في سنوات استمرار الحكم الإستبدادي في العالم تراجعت القناعات بجدوى وجاذبية الممارسات السياسية اللاعنفية، حيث تم التشكيك في فعاليتها واعتبارها ضعفاً واستسلاماً للمستبدين، وإنها أساليب خجولة وبطيئة وإن نتائجها إصلاحات محدودة فقط.

 

غير أن جاذبية استخدام القوة والعنف الطاغيان في وقتنا الراهن، وعنف الدولة والتكنولوجيا العسكرية الفتاكة، والإرهاب العالمي والحروب غير المتكافئة، كلها تبدو الآن إنهزامية وفاشلة في أحسن الأحوال، وهذا يعني في المحصلة النهائية بأن كل هذا العنف لن يحقق أهدافه المنشودة والمزعومة، وهذا ما يبشر بأن اللاعنف سيتحقق في  نهاية المطاف.

 

اللاعنف عند غاندي ولوثر كينغ كان أسلوب صعب وطريق مليئة بخيبات الأمل والإنتكاسات، وكان نجاحه يتطلب الصبر والتصميم، وكان للإبتعاد عن العنف هو الوسيلة الأنجع والأكثر أماناً لتحقيق ذلك.

 

ولم يكن هذا النهج يوحي بالخضوع على الإطلاق، بل كان يتطلب الجرأة المنضبطة والشجاعة الأخلاقية لمواجهة متطلبات العمل السياسي.

 

صحيح بأن الوسائل اللاعنفية تراجعت في ستينات القرن الماضي حيث هيمنت التيارات الراديكالية حول العالم من خلال الصراع المسلح والتحرر الوطني، خصوصاً ضد الاستعمار في فيتنام والجزائر، وتم الإعجاب حينها بمالكوم إكس، وجيفارا، وفرانز فانون، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وهذا ما أوضحه كتاب "غاندي في الغرب، المهاتما وصعود الاحتجاج الراديكالي".

 

غير أن بعد استخدام الكثير من المجتمعات أساليب العنف أو القريبة من العنف، وفشلها كلها تقريباً تمت إعادة التقييم وتبلور التمييز بين اللاعنف المبدئي واللاعنف الإستراتيجي.

 

وبدأت الحركات السياسية أو الشعبية تنظر إلى اللاعنف بوصفه تكتيكاً مفيداً بدلاً من كونه عقيدة واضحة المعالم. أي بدأت بعض الحركات تنظر لأسلوب اللاعنف كتكتيك ولا يتطلب إيماناً أخلاقياً في ذلك. وقد شرح كتاب (سياسة العمل اللاعنفي) "1973" أمثلة عن هذا التحول نحو اللاعنف الإستراتيجي، حيث تبنى اليسار الجديد وتيارات القوة السوداء والمناهضة للحروب هذا النهج، وأعتبروا نهج اللاعنف المبدئي لغاندي ولوثر كينغ قد عفى عليه الزمن.

 

غير أن هذا التيار الإستراتيجي في اللاعنف فشل أمام عودة اللاعنف المبدئي من جديد من خلال "سلطة الشعب" في الفلبين، والنضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والثورات المخملية في أوروبا الشرقية.

 

 

لماذا عودة الجاذبية لمبدأ اللاعنف؟

 

 

المبدأ الأساس للحركات اللاعنفية هو تجنبهم للتمرد المسلح، وقد شرح كتاب "العالم الذي لا يقهر" (2003م) ذلك، حيث شرح بالتفصيل بأن كافة تاريخ العنف والقوة العسكرية في حل النزاعات السياسية لم يحققا أي انتصار إنساني في مرحلة ما بعد فيتنام والجزائر كنماذج لنجاح العنف الثوري.

 

ولكن وبوجود أسلحة نووية وأسلحة الدمار الشامل .. ألخ. أصبح الخيار الخالي من العنف هو الخيار الحقيقي الوحيد بالنسبة للمطالبين بالحقوق. وهنا بدأ الرجوع لمبادئ غاندي حول اللاعنف المبدئي.

 

لقد قال غاندي في مبدئه هذا (الساتياغراها) "يستند هذا المبدأ غير القابل للتغيير، وهو أن حكم الشعب ممكن فقط في حال وافق هذا الشعب، سواء بوعي أم من دون وعي على أن يُحكم"، ويرى غاندي إنه من الممكن زعزعة أركان أي نظام عبر سحب الموافقة على نطاق واسع، وهذا هو منطق " عدم التعاون"، إذ إنه عبر إضعاف مصادر الدعم الحكومي، وتضخيم السخط، يؤدي عدم التعاون إلى تقويض سلطة الدولة.

 

بإختصار، تعمل الوسائل السياسية الخالية من العنف بتنظيم السلطة الجماعية وتعزيز الإرادة والموافقة الشعبية، وهي نتيجة طبيعية للديمقراطية.

 

 

ما الفرق بين اللاعنف الحالي واللاعنف عند غاندي ولوثر؟

 

في تمجيد اللاعنف بوصفه قوة جماعية ديمقراطية في وقتنا الراهن أثناء ثورات الربيع العربي، نلاحظ غياب بعض الملامح الرئيسة للإحتجاج السلمي بالشكل الذي مارسه غاندي ولوثر كينغ، فهما يؤمنان أن قوة "المعاناة" أو "الإنضباط" أمران جوهريان بالنسبة لللاعنف. فقد كان غاندي ولوثر يشعران بالقلق من الإحتجاج الجماعي غير العنيف ظاهرياً قد تتمخض عنه أشكالاً من الإكراه والترهيب. غير أن المعاناة تتمتع بسلطة معنوية أو يمكن أن تؤثر في الخصوم والحلفاء المحتملين بشكل أكثر فعالية من استخدام القوة الغاشمة أو المواجهة المباشرة. فبدلاً من تخويف هؤلاء الخصوم أو اتسخدام أسلوب الإرغام المباشر ضدهم، فإن المعاناة تهدف لإقناعهم وهدايتهم، وينطوي الإقناع على منطق إستراتيجي خاص به، فهو يعمل على إثارة دهشة العدو وتقويضه والتغلب عليه، والإقناع عند غاندي ولوثر ليس مهمة سهلة بل معقدة. فحدود النقاش العقلاني في السياسة مرتبطة بعواطف ونفسيات ومعتقدات الناس وإنحيازاتهم لهوياتهم ولـ "الأنا"، ولذلك تأتي أهمية العاطفة للإقناع من خلال تأثير المعاناة في هداية الخصم وفتح أذنيه اللتين تكونان مغلقتين أمام صوت العقل. أي إذا كنت تريد تحقيق شيء مهم حقاً، فإنه يجب عليك إلا تكتفي بإرضاء العقل فقط، بل يجدر بك أن تحرك القلب أيضاً، فمناشدة العقل تتجه أكثر نحو الرأس، اما النفاذ إلى القلب فإنه يأتي من المعاناة، وهذا يتيح الفهم الداخلي لدى الإنسان. فالمعاناة تستطيع أن تضعف المواقف المتصلبة، فهي تتمتع بقدرة غير عادية على الوصول إلى قلب الخصم. وتعد مسيرة الملح (ساتياغراها الملح التي أطلقها غاندي عام 1930م، وحملة (برمنغهام) التي قادها لوثر كينغ عام 1963م من أكثر الأحداث شهرة في تاريخ اللاعنف، حيث تم توظيف "المعاناة" بشكل خلق أصداء كبيرة. في هاتين الحركتين كانت المعاناة مرتبطة بشكل وثيق بالإنضباط الذي مارسه المتظاهرون في مواجهة الاستفزاز والإعتداء من قبل الشرطة.

 

هذا الإنضباط شكلاً ونظاماً تحولا إلى طريقتين صارمتين في العمل اللاعنفي، حيث وضع غاندي ولوثر كينغ مجموعة كبيرة من القوانين بالنسبة للنشطاء السلميين، حول كيفية اللبس، المشي، التحدث أثناء المسيرات السلمية والإضرابات والاعتصامات وعمليات المقاطعة، وعلى كل مشارك أن يؤدي القسم أو التعهد بالإلتزام بهذه القوانين ليتمكن من المشاركة التي يتحمل فيها الفرد تكاليف وأعباء الإحتجاج بأنفسهم من ضرب وقمع واعتقال والقتل أيضاً دون الرد على ذلك بالعنف!!!

 

 

كيف ممكن نفتح آذان الخصوم على معاناة الشعب؟

 

كما يقول غاندي، أن اللاعنف وإبراز المعاناة ممكن أن نفتح آذان الخصوم وأن ننفذ إلى قلوبهم. فقد شرح عالم اللاهوت "راينهولد ينبور" فلسفة غاندي في كتاب "الإنسان الأخلاقي والمجتمع اللا أخلاقي" (1932م) واعتمد لوثر كينغ على هذا الكتاب كثيراً، وملخص أفكار ينبور الواقعي السياسي أن النزاع السياسي متجذر في الصراع من أجل النفوذ والسلطة، وهو يولد المنافسة السياسية وبالتالي مشاعر الإستياء والأنانية التي بدورها تعمل على تأجيج تلك المنافسة، ويتخذ الناس موقفاً شخصياً جداً من الإنتقادات التي توجه لمعتقداتهم السياسية حيث يعتبرونها بمنزلة إهانات وإتهامات ظالمة. وبالمقابل فإن حركات التمرد في هذا الصراع تعاني من ضعف، فمن جهة عليها محاربة الخصوم المتمتعين بموارد ومواقع أفضل، كما عليها مواجهة العداء نتيجة لانتقادها للحصانة والشرعية لهؤلاء الخصوم، فضلاً عن التهمة الجاهزة التي يوصم بها المحتجون، وهي أنهم مجرمون وفوضويون ومحرضون على العنف.

 

ويرى ينبور بأن من شأن اللاعنف المنضبط أن يعرقل هذه التحديات الطبيعية في الصراع السياسي، وذلك من خلال ضغط الأطراف المحايدة التي يولد الاحتجاج لديها شعوراً بالإنزعاج والضيق، ولكن مع استمرار اللاعنف المصاحب بالمعاناة والإنضباط من الممكن تليين المواقف المتعنتة للخصوم، وضغط الحلفاء المحتملين على هؤلاء الخصوم. ويؤكد ينبور على طرح غاندي بأن اللاعنف يتطلب قمع الشعور بالإستياء والغضب لإحداث التأثير السياسي المطلوب.

 

وإن غاندي يرى بأن الغضب هو رد فعل مبرر على القمع، لكنه ليس من الحكمة أخلاقياً وسياسياً أن يتم جعل الإستياء والغضب يثير أنانية الخصوم وعداوتهم، وتنفير المراقبين المحايدين.

 

لقد كشف تاريخ سياسة اللاعنف والعمل الجماعي المنسق والمنضبط بمرونة قدرتها على إحداث التحول، كما أظهر أن القوة وحدها لا تستطيع إستنهاض الموافقة الشعبية، فضلاً عن أنه لا يمكن التعويل عليها في تأمين النصر السياسي، ولذلك فإن العمل الجماعي اللاعنفي يتمتع بفعالية خاصة ضد الحكومات الإستبدادية.

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro