English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الديمقراطية وعلاقتها بالسلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي
القسم : الأخبار

| |
رضي الموسوي 2017-09-21 16:26:46




 

 

 

مقدمة:

 

 

قبل أربع سنوات، وعلى هامش مؤتمر حزب اليسار الفرنسي، سألني صحافي في إحدى القنوات الفرنسية عن رأيي في فكرة "اليورو الاجتماعي" التي أقترحها زعيم الحزب جان لوك ميلونشان في المؤتمر، ليكون بديلا عن عملة اليورو المتداولة، بهدف الحد من تداعيات الازمة المالية التي همشت فئات مجتمعية عريضة في دول الاتحاد الاوروبي. اجبت بسؤال مضاد: لماذا لا تسأل الالمان والطليان واليونانيين فهم أدري؟

 

لم يكن الصحافي ينتظر سؤالا مقابل سؤاله، انما اراد رأيا. قلت في عموميات: إذا كان اليورو الاجتماعي سيحد من الأزمة المالية التي تعصف بأوروبا، وقادت الى افلاس اليونان ومصادرة قرارها السيادي لصالح الاتحاد الاوروبي والدائنين الآخرين، وإذا كان سيعيد أجور موظفي القطاع العام في البرتغال الى مستواها قبل الازمة وسيسهم في تقليص نسبة البطالة في فرنسا وسيخفض نسبة الفقر في دول اليورو، فإن خطوة كهذه مهمة وينبغي تشجيعها. لكن الفكرة لم تجد صداها، وقد تكون احدى الافكار غير المألوفة التي برزت في دول الاتحاد الاوروبي لمواجهة سقوط احجار الدومينو والتي بدأت بدول الجنوب الاوروبي كاليونان وقبرص والبرتغال.

 

لكن ما علاقة هذا بالديمقراطية وعلاقة هذه بالسلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي؟

 

 

لا يمكن فصل عملية التشريع عن الحياة اليومية للمواطن، ذلك ان من الاهداف الرئيسية للتشريع مد مظلة العدالة الى كل الفئات الاجتماعية، وشيوع دولة المواطنة المتساوية وتكافؤ الفرص في التعليم والتطبيب والعمل والسكن واحترام حقوق الانسان ليعيش بحرية وكرامة. وحين يفقد الناخب/ المواطن هذه الاساسيات أو بعضها، فأنه يلجأ عبر صناديق الاقتراع ومبدأ التداول السلمي للسلطة، إلى تغيير من انتخبهم وخيبوا آماله بعدم القيام بمهامهم كما يجب.

 

إثر الازمة المالية العالمية التي خيمت على الاقتصاد العالمي في سبتمبر 2008، برزت الكثير من التنظيرات والاجتهادات لمواجهة الازمة. وفي دول الاتحاد الاوروبي تزايدت الافكار لمواجهة أزمة قد تعصف بالعملة الموحدة وتوصل الكثير من بلدانها الى انكماش اقتصادي وركود وكساد.. ثم الوقوع في براثن الديون الاسطورية. وقد أثرت الازمة في مفاصل البلدان الاوروبية وخصوصا منطقة اليورو، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وبدا يتصاعد الحديث عن تأثير الازمة سلبا على الاستقرار الاجتماعي والسلم الاهلي.

 

قد تكون اليونان النموذج الصارخ لكيفية تعاطي النخب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني مع الهزة الكبرى التي تعرضت لها البلاد، وتمكنت مؤسسات الدولة وتشريعاتها من ضبط ايقاع الصراع ليكون سلميا في خطه العام. أثينا التي انطلق منها أول تعريف للديمقراطية بأنها "حكم الشعب نفسه بنفسه"، بدأ شعبها بخوض معركة ضد بيع مؤسسات القطاع العام للدائنين في الاتحاد الاوروبي (البنك المركزي الاوروبي) والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي. لقد اضطربت النخبة الحاكمة، وتغيرت المعادلات السياسية وخارطة التحالفات حتى وصل الى السلطة حزب من اقصى اليسار هو حزب سيريزا بزعامة الكسيس تسيبراس الذي وصل الى السلطة بمساعدة من النقابات العمالية والمهنية بعد أن فقدت ثقتها بالأحزاب التقليدية التي تداولت السلطة طوال العقود الماضية.

 

فعلت الازمة المالية فعلتها في اليونان، وبدا السطو على صناديق التقاعد وتجميد الأجور، ما أحدث صدمة في المجتمع، الذي كان يحلم بالرخاء عندما قرر الدخول منطقة اليورو عام 2001. هذا الامر قاد الى اضطرابات كبرى خصوصا في العاصمة اثينا وضواحيها، وسقط العديد من القتلى والجرحى، وتعرضت الحكومة لضغوطات من الاتحاد الاوروبي لبيع مؤسسات القطاع العام وخصخصتها تلبية لمتطلبات الدائنين، الذين يطالبون هذا البلد بنحو 350 مليار يورو حتى نهاية 2016، تشكل نسبة تصل الى 175 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وفوائد تصل الى قرابة 20 مليار يورو سنويا. الضغوطات لم تتوقف مع عدم قدرة الحكومة على دفع اقساط الديون، فأقدمت الحكومة على اجراءات تقشفية متصاعدة مع زيادة نسبة عجز الموازنة لتصل الى 13 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. تعثر الاقتصاد قاد الى زيادة نسبة البطالة لقرابة 30 بالمئة والى زيادة الذين يعيشون عند مستوى خط الفقر وتحته، فيما وصل التهرب الضريبي مستويات قياسية تبلغ ما يزيد على 30 مليار يورو سنويا.

 

يعزي خبراء الاقتصاد والسياسة أزمة اليونان الى مجموعة من الاسباب، أهمها:

 

1-    "الفساد السياسي والقضائي وعدم الشفافية في المبادلات المالية والتجارية والاستثمارية العامة والخاصة، بحيث تشابك العامل السياسي بالعامل الاقتصادي، وطوع كبار رجال الاعمال الطبقة السياسية الحاكمة في خدمة مصالحهم المالية.

 

2-    ارتفاع نسبة الانفاق على برامج التسلح الى 6.5 % من حجم الناتج المحلي.

3-     التهرب الضريبي، وهي مشكلة تعاني منها اليونان منذ تأسيس الدولة. حيث أن قوانين الضرائب في دول الاتحاد الاوروبي تحدد ضريبة الدخل من 10 الى 15 % فيما تتراوح نسبتها في اليونان 35 الى 40 %. فعدم اعتماد نظام ضرائبي موحد في دول الاتحاد الاوروبي كان أحد الأسباب الجوهرية للتهرب الضرائبي.

4-     سوء إدارة موازنات الدولة والفساد المتعدد الأبعاد، من رشوة وتهرب ضريبي، وعمولات غير مشروعة، وارتفاع عدد الموظفين في القطاع العام، وانخفاض الانتاجية.

5-     سوء ادارة المصارف اليونانية، وتفشي الفساد فيها عن طريق منح ديون الى رجال الاعمال والقطاع الخاص من دون استيفاء شروط منحها.

6-     الارتفاع القياسي لنسبة البطالة عن العمل منذ اندلاع الازمة

7-     ازمة النظام التقاعدي، وزيادة عدد المتقاعدين، بنسبة بلغت 27.34 % من أصل عدد السكان، وفقا لإحصاء عام 2011، أي ما يعادل 3 من أصل عشرة مواطنين. وتشير بيانات نظام دفع المعاشات التقاعدية الى ان عددهم يبلغ 2.5 مليون متقاعدا".

 

 

لا شك ان اليونان وقعت في مصيدة الدين العام، ولا يمكن الخروج منها إلا بحل سياسي جريء. ويعتقد العديد من المحللين بأنه حتى ولو نجحت في تنفيذ برنامج الخصخصة وبيع الاملاك العامة، فلن تفلح في العودة الى الاسواق المالية في المستقبل القريب، لا بل كل ما تفعله في الوقت الحاضر سيؤدي الى اعلانها التوقف عن تسديد ديونها العامة. (صحيفة مال الاقتصادية- وفاء بنت فهد- مستشارة التخطيط الاستراتيجي).

 

كيف وصلت اليونان التي انبثقت منها التعريفات الاولى للديمقراطية الى هذا المستوى من الفساد السياسي والمالي والإداري، وتحولت الى دولة فاشلة يمكن ان تعلن افلاسها في أي واحدة من الازمات المقبلة وتخرج من منطقة اليورو إذا ما زاد الضغط على حكومتها من قبل الدائنين؟

 

لكن الاكيد أن اليونانيين مارسوا حقهم الطبيعي في اختيار حكومتهم فبدلوها أكثر من مرة، ودخلت البلاد في انتخابات مبكرة، تداولت فيها الاحزاب السلطة سلميا، بعيدا عن الانقلابات على الدستور والقوانين المنظمة، الامر الذي وضع الصراع الاجتماعي في اطاره السلمي رغم الاضطرابات وانزياح فئات الى مستويات الفقر وضمور الطبقى الوسطى. ورغم ذلك لم تنجو اثينا من حافة الافلاس، ذلك ان عوامل كثيرة تتدخل في ابقائها على هذا الوضع، منها داخلية تتعلق بجذور الدولة العميقة ومكامن قوتها وتغلغلها في كل المفاصل بما فيها السلطة التشريعية، وبعضها خارجية ذات صلة بالاتحاد الاوروبي والاقتصاد العالمي.

 

 

****

 

نموذج مضاد

 

في المقابل، ثمة النموذج المصري في العام 1977 ابان حكم الرئيس المقتول انور السادات، وكيف تعاطى مع انتفاضة الخبز التي تفجرت يومي 18 و19 يناير من ذلك العام، وشملت العديد من المدن المصرية تقريبا. وكانت انطلاقتها بسبب تواطئ مجلس الشعب مع الحكومة لتمرير الموازنة العامة بعد ان قررت الحكومة رفع الدعم عن السلع الاساسية. في 17 يناير، اي قبل يوم من انفجار الانتفاضة، قدم نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية آنذاك الدكتور عبدالمنعم القيسوني خطابا أمام مجلس الشعب أعلن فيه إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية اللازمة. وعلى إثر هذا الإجراء خرجت الناس للشوارع في اليومين التاليين، حتى استجابت الحكومة وتراجعت عن زيادة الأسعار. في هذه الانتفاضة قتلت اجهزة الامن عشرات من المتظاهرين الذين احتجوا على رفع الأسعار، وجرحت اضعافهم وفتحت السجون لآلاف منهم المحامين والأطباء ومدرسي الجامعات والمدارس، فضلا عن العمال والمواطنين الاخرين. وقد أطلق عليها أسم "ثورة الحرامية" وخرج الإعلام الرسمي يتحدث عن "مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم" وتم القبض على عدد كبير من النشطاء السياسيين من اليساريين قبل أن تصدر المحكمة حكمها بتبرئتهم. ورغم انه اسماها "ثورة حرامية"، إلا ان حكومة السادات أُجبرت على التراجع عن زيادة اسعار أكثر من ثلاثين سلعة رئيسية. لكن الاحتقان استمر مع فرض قانون الطوارئ ونزول الجيش لإنهاء الاحتجاجات وتضخم اعداد الذين في السجون، حتى بعد ان تم قتل السادات يوم 6 اكتوبر 1981، على يد خالد الاسلامبولي الذي خرج عن عرض المنصة ووجه رصاصاته للسادات وتم الاعلان عن وفاته في مساء نفس اليوم.

 

في دفاعه عن خمسة من المعتقلين السياسيين الذين تم حبسهم في 1977، فند المحامي المعروف احمد نبيل الهلالي التهم الموجهة للمتهمين وأكد "أن نعت اي فكر بأنه مستورد هو امتهان للإنسان، لأنه امتهان لفكره، والفكر أثمن ما يملكه الانسان لأنه يميزه عن الحيوان.. ان الفكر الانساني لا جنسية له.. انه ملك الانسان في كل مكان"..

ويقول في مكان آخر من مرافعته التي نشرها في كتاب "دفاعا عن الحريات الديمقراطية": من المضحك حقا.. وشر البلية ما يضحك.. ان تكون سياسة الدولة المعلنة هي الانفتاح.. وان تفتح ابواب بلادنا على مصراعيها امام كل انواع السلع المستوردة.. ثم يراد غلقها في وجه الفكر الإنساني والثقافة الانسانية بحجة انها مستوردة (..) كما أن مواد الاتهام المطلوب تطبيقها على المتهمين في هذه القضية مواد مستوردة".

 

نشير الى ان المحامي أحمد زيد الهلالي الذي ترافع في قضايا كثيرة على خلفية حملات الاعتقال التعسفي التي شنها نظام السادات منذ ما بعد حرب اكتوبر وبدء التطبيع مع الكيان الصهيوني وصولا الى زيارة رأس النظام للكنيست الصهيوني.. هذا المحامي قد ضاق السادات به درعا وأودعه السجن مع موكليه.

 

لا يختلف الامر في تونس ابان حكم المخلوع بن علي، حيث أودعت المحامية راضية النصراوي، زوجة المناضل حمه الهمامي السجن (حمه هو الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية في تونس في الوقت الراهن)، لأنها تدافع عن القيادات الطلابية التي اعتقلها نظام بن علي ووجه لهم اتهامات بالانضمام الى حزب العمال الشيوعي الذي كان يتزعمه زوجها حمه، وبأنهم يدعون للكراهية. كان العام 1998، عاما حافلا بكل الموبقات التي مارسها نظام بن علي، حتى انه زور تواريخ اعتقال القيادات الطلابية بحيث سجلتها النيابة بعد اسبوع من تاريخ الاعتقال الحقيقي، ذلك ان الفارق الزمني كان الطلبة يتعرضون للتعذيب البشع بما فيه التحرش ومحاولة الاغتصاب، وفق ما جاء في افادة احدى قيادات الاتحاد الطلابي ايمان درويش التي قالت ان اجهزة الامن وضعتها في غرفة وجاء احدهم وهددها بالاغتصاب اذا رفضت الاعتراف بانها من حزب العمال الشيوعي، لكنه اقدم على فعلته الشنعاء، حسب ما وثقه الصديق العزيز هيثم مناع في كتابه "مزاعم دولة القانون في تونس".

 

قاد وضع الاستبداد في تونس إلى تأسيس المجلس الوطني من اجل الحريات في تونس في ديسمبر 1998، والذي أكد بيانه التأسيسي على انه "تبين من تجارب الامم قاطبة، ان الحرية ليست خاتمة التقدم بل اول شروطه وأنبل انجازاته كما اتضح بما لم يعد مجال لجدل، انه لا وجود لشعب حقق اهدافه في العدالة والتنمية والكرامة والسيادة والرقي وهو سليب الحرية. وهكذا لا يوجد في عصرنا هذا، شعب لم يجعل الحرية له هدفا ووسيلة".

 

شكل الاستبداد والقمع ومصادرة الرأي والرأي الاخر وغياب الديمقراطية وانتهاك كرامة المواطن العربي، حافزا ومقدمات عميقة للانتفاضات التي شهدتها البلدان العربية وخصوصا بلدان الربيع العربي في تونس ومصر وغيرها. فقد كانت انتفاضة 18 و19 يناير 1977 في مصر وما تلاها من تحركات شعبية، مقدمات ضرورية لثورة 25 يناير 2011، كما كان حجم القمع والاستبداد في تونس طوال العقود الاربعة الماضية مقدمات لثورة الياسمين في تونس في ديسمبر 2010.

 

 

***

 

 

الفرق بين الخضات الاجتماعية في كل من مصر وتونس، 1977 و1998، وبين ما حدث في اليونان والبرتغال وأسبانيا، هو فرق واضح وجلي. كانت الاسس الديمقراطية واحترام حقوق الانسان ولو في حدها الأدنى، هي السمة التي تعاملت فيها الاجهزة الامنية في الدول الأوروبية، حيث سيادة القانون واحترام حقوق الانسان والتقاليد الديمقراطية المحترمة من قبل الجميع. وبخلاف ذلك كان التعاطي في مصر السادات وتونس بن علي هو احتقار الدستور الذي يجرم التعذيب ويعاقب من يقوم به، والدوس على القانون انطلاقا من نهج ان الاجهزة هي القانون والقانون هي، فتمنع من السفر وتعذب وتقتل وتوجه اتهامات الخيانة لمعارضيها الذين لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم.

 

كانت اسبانيا فرانكو دكتاتورية، وكانت اثينا منتصف سبعينات القرن الماضي تحت جزمات الجيش، لكن الشروع في العملية الديمقراطية بشكلها الصحيح واستنباط الدروس من التجارب المرة ادت الى الوصول الى تحول الصراع من دموي يساق فيه المناضلين الى السجون والزنازن المعتمة، الى سلمي حضاري يقوم على التعددية السياسية ويتمسك بحق الاخر في الاختلاف ويحافظ على السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي.

 

  

**

 

 

في النظرية

 

يثير المفكر الدكتور محمد عابد الجابري اسئلة جدلية حول مسألة التمثيل الشعبي بالطريقة التي درجت عليها الديمقراطيات العريقة، أي عبر صناديق الاقتراع. فهو يرى في التعريف الاول للديمقراطية محلا للتشكيك في امكانية تطبيقه على ارض الواقع، وهو محق في ذلك، فلا يمكن ان يصوت الشعب كله على قانون المرور أو قانون الذمة المالية أو قانون تجريم التمييز بكافة أشكاله؟ ولابد من ممثلين للشعب كي يقوموا بهذه المهمة. إلا ان الجابري يشير الى أن فكرة "الشعب" تقابلها فكرة الدولة. وكلمة "حكم" لا يتحدد معناها الا إذا كان هناك طرفان: أحدهما حاكم والآخر محكوم. ففي عصر الرومان والقرون الوسطى، تعني الديمقراطية مجتمع غير منقسم الى أسياد وعبيد، أو الى نبلاء وأشراف، من جهة، ورق وأقنان من جهة أخرى. وفي العصر الراهن ارتبطت الديمقراطية بفكرة الانتخاب.. أي منح حق الانتخاب لكل افراد الامة المؤهلين، الذي يراه الجابري نوعا من الديمقراطية وليس كلها. فالانتخاب الحقيقي يجب أن يبنى على أسس ديمقراطية، أي على أساس المساواة في الامكانيات والوسائل، وبغير ذلك، فأن الانتخاب سيفضي الى حكام من فصيلة واحدة أو طبقة واحدة. ان الحرية السياسية والحرية الاقتصادية حق، ولكن لمن يملك التمتع به في ظل تفاوت هائل بين فئات المجتمع، وفق ما يذهب اليه الجابري، الذي يذهب بعيدا ليؤكد على ان القضية ليست قضية انتخاب، وإنما قضية صراع.

 

لكن الجابري الذي ينتقد نظام الانتخابات بسبب عدم تكافؤ الفرص الاقتصادية والسياسية للمتنافسين، فأنه يؤكد على أن لا مخرج إلا بقيام الكتلة التاريخية المبنية "على المصلحة الموضوعية الواحدة التي تحرك، في العمق ومن العمق، جميع التيارات التي تنجح في جعل اصدائها تتردد بين صفوف الشعب: المصلحة الموضوعية التي تعبر عنها شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الاقليات.. وحقوق الاغلبية أيضا".

 

وباعتبار الديمقراطية سلوكا حضاريا يحمي المجتمع من الانزلاق الى مستنقع العنف، فإن دعاة تهريب الاستحقاق الديمقراطي تحت شعار ان "الشعب لم ينضج بعد"، فهو قول "ينسى او يتناسى بان نضج الشعب للديمقراطية لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال ممارسة الديمقراطية"، كما يؤكد الجابري، الذي يخلص الى ان الديمقراطية ضرورة "وان التعبير الديمقراطي الحر والاعتراف بالاختلاف والتغاير وتداول السلطة.. الخ، هي الشروط الضرورية التي تضمن تصريف الحركة والصراع في الوطن العربي تصريفا سلميا بناء".

 

***

 

 

خلاصة:

 

 

في مطلع ثمانيات القرن الماضي، نظم مركز دراسات الوحدة العربية ندوة فكرية كبرى قدم فيها أكثر من عشرين باحثا ومتخصصا بحوثا قيمة وصدرت تحت عنوان "ازمة الديمقراطية في الوطن العربي". قدم الدكتور سعد الدين ابراهيم لهذا الكتاب، وأشار الى ان المركز قام سنة 1978 بدراسة ميدانية طموحة لقياس اتجاهات الرأي العام العربي نحو عدد من المسائل وأهمها الوحدة العربية. شملت الدراسة نحو ثمانية آلاف مواطنا عربيا من عشرة اقطار ومن مختلف الاعمار. احتوت الدراسة على سؤال عن المشكلات الكبرى في الوطن العربي، وكانت النتيجة كالتالي:

 

1-  مشكلة الخلافات والانقسامات العربية

2-  المشكلة الفلسطينية

3-  التخلف والهيمنة الاجنبية والتفاوت في الثروات

4-  مشكلة الديمقراطية.

 

بعد اربعين عاما، يبدو ان المشاكل الرئيسية الاربع التي شغلت بال العرب، لا تزال قائمة ولم تحل واحدة منها، بل ان الانقسامات تفاقمت، والقضية الفلسطينية تأخرت في اجندات النظم الرسمية ولم تعد تذكر، والتخلف والهيمنة الاجنبية قد ساهمت في تبعثر الثروات وزادت الحروب البينية، بينما تراجعت الديمقراطية كثيرا، حيث تم تخيير المواطن أما الامن أو الحرية والديمقراطية، في حين ان أي مجتمع يبتغي التقدم وتحقيق استراتيجيات التنمية الإنسانية، لا يمكن ان ينعم بالأمن بمفهومه الشامل دون أن ينعم بالحرية والديمقراطية والتعددية السياسية. لقد غابت الرؤية الاستراتيجية، وضمر الابداع بسبب الاستبداد وغادرت العقول البلدان العربية الى دول تحترم الفكر والعلم في الدول الغربية، ذلك ان النظم سارت على نهج تجويع شعوبها وممارسة الاستبداد ضدها. وحتى الدساتير العربية التي فرضت على المواطن العربي، لم يتم احترامها من قبل الانظمة الرسمية التي اصدرت حزم من القوانين مهمتها خصي ما هو جميل في تلك الدساتير.

 

ان فهم التغيرات التي تحصل في العالم سواء على مستوى العلم والتكنولوجيا وثورة الاتصالات التي حولت العالم الى قرية صغيرة.. كلها ضرورات لمن يريد الشروع في عملية التنمية المستدامة، وأولها احترام الفكر والرأي الآخر، وليس التسويق للاستبداد بيافطات مكشوفة اهدافها في ابقاء الحكم الفردي وإبقاء المجتمعات العربية حبيسة الماضي. على النظم العربية ان تفهم طبيعة هذه التغيرات ومواكبتها بدلا من الهروب من مواجهة الواقع الذي لا يمكن شراء بالمال ولا يجير بمفاهيم قالها أحد المسئولين العرب الكبار لأحد المفكرين: عليكم ان تختاروا بين إثنتين: ديمقراطية الفقر أو فقر الديمقراطية. ونحن نقول نريد الحرية والديمقراطية والأمن والسلام.

 

وشكرا لحسن انصاتكم

 

 

*القى الورقة الاستاذ رضي الموسوي الأمين العام السابق لجمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد في ندوة التيار الوطني الديمقراطي حول الديمقراطية ومقوماتها بمقر وعد في أم الحصم بتاريخ ٢٠سبتمبر ٢٠١٧.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro