English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ندوة التيار الديمقراطي: الاعنف طريقنا للتغير - ورقة اللاعنف والتغيير
القسم : الأخبار

| |
2017-10-04 23:58:13




 

التيار الوطني الديمقراطي

ندوة "اللاعنف طريقنا للتغيير"

جمعية العمل الوطني الديمقراطي "وعد"

4 أكتوبر 2017

 

اللاعنف والتغيير

 إعداد: سامي سيادي

عضو المكتب السياسي بجمعية "وعد"

 

إبان معركة استقلال الهند، وفي إحدى المفاصل، هجمت الشرطة الهندية على قرية ونكلت بأهلها ونهبت أموالهم واختطفت نسائهم، ففر ما تبقى منهم من الشرطة مبررين ذلك بإمتثالهم لتعليمات زعيم حركة الاستقلال المهاتما غاندي بممارسة وسلوك اللاعنف. وقد علق غاندي على هذه الحادثة بالقول: "أردت أن أراهم يقفون كالترس بين الأعظم قوة وبين الأكثر ضعفاً... والحق أنه دليل بعضٍ من شجاعة أن يدافع الناس عن مقتنياتهم بحد السيف، ويصونوا كرامتهم"، ويشدد الزعيم الهندي على الفصل بين اللاعنف واللاعنف المطلق فيقول: "إني أفضل ألف مرة أن أخاطر فألجأ إلى العنف على أن أرى عرقاً بأسره يتعرض للإبادة (..) بما أننا لسنا أرواحاً طاهرة، فإن اللاعنف المطلق نظري تماماً".

 

قبل الشروع في الحديث عن اللاعنف، من المهم التعرف على مفهوم نقيضه.. العنف بصفة عامة، ويعرف بأنه "الغلظة والفظاظة في الأقوال أو الحركات". وهو "انتهاك ممتلكات الآخرين والتعدي على أرزاقهم وحرياتهم". أما التعريف السياسي فهو "استخدام القوة بهدف الإستيلاء على السلطة أو الإنعطاف بها نحو أهداف غير مشروع". ولاشك أن المنطقة العربية تزخر بالعنف في كل درجاته بما فيها الإرهاب وإرهاب الدولة، حيث تموج البلدان العربية، وبسبب فشل برامج التنمية واستشراء الفساد، بمنسوب عالٍ من عنف العديد من السلطات وكذلك عنف بعض الحركات التي تنتهج الإرهاب كما هو الحال مع تنظيم داعش والقاعدة والنصرة والتنظيمات التي إمتهنت العنف الإرهاب وسيلة للوصول إلى أهدافها.

 

أما اللاعنف فيمكن تكثيف تعريفه بأنه "وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وترفض التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الإعتراف بالآخر وترمي إلى ترجيح كفة الحق والعدالة ". ويعرف أيضاً بأنه "شكل من التحرك السياسي يتميز بغياب كل تصرف عنيف".

 

وفي خضم هذه التعريفات المتعددة لمبدأ اللاعنف بدءاً من الموسوعة السياسية، شملت تعريفه بأنه "وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي"، فإن أكثر الصراعات على مر التاريخ التي برزت واعتمدت اللاعنف، هي حملة عدم التعاون التي قادها المهاتما غاندي زعيم استقلال الهند والتي يحتفي العالم في كل عام في الثاني من أكتوبر باليوم الدولي لللاعنف الذي يتصادف مع مولد هذا الزعيم، في الجهة الأخرى يأتي في صدر الحديث زعيم النضال من أجل الحقوق المدنية مارتن لوثر كينج من تلك النماذج النضالية وتأتي أهمية المبدأ والحديث في مسار التغيير والإصلاح بوسيلة أقل كلفة ولكنها تسهم بقدر كبير في منح قيمة مضافة للنضال السياسي والاجتماعي والأخلاقي. ويؤكد مارتن لوثر كينغ في هذا السياق على الكرامة وسلمية الحراك من أجل التحول الديمقراطي والحصول على الحقوق وتحقيق العدالة بقوله "في أثناء سعينا للحصول على حقوقنا، علينا إلا نذنب بعمل ما هو غير مشروع. دعونا لا نروي عطشنا للحرية بالشرب من كأس المرارة والكره. علينا دائماً أن نخوض صراعنا على مرتفع الكرامة والإنضباط. علينا إلا نسمح باحتجاجاتنا المبدعة بالإنحدار إلى حضيض العنف. مرة تلو الأخرى علينا أن نصل إلى المرتفعات العظيمة التي نقابل فيها العنف بقوة الروح".

 

فمبدأ اللاعنف تتخلله الكثير من المبادئ والمثل تتداخل معه وتتناغم بصفة المبدأ وسيلة لتحقيق المطالب المشروعة في الحرية والعدالة والمساواة، وبالتالي فإن المبدأ يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالظروف السياسية والاجتماعية ليكون استراتيجية لدى المدافعين عن الحقوق. في العام 2010 و2011 مع بداية ثورات الربيع العربي ابتداءً من تونس مروراً بمصر وسورية واليمن والبحرين، كان المؤشر الأساسي في بداية أحداث الثورات بأنها تسير بوتيرة عدم الإصطدام بالسلطات واتخاذ التكتيكات السلمية ومبدأ اللاعنف شعاراً للمطالبة بالتغيير لقناعة تامة وقراءة للمشهد السياسي بتلك الظروف التاريخية بأن مبدأ اللاعنف هو الأسلوب الأنجع لإحداث التغيير وهذا لا يعني بأن مسار الثورات في الوطن العربي لم تواجه في بعض محطاتها بالعنف من السلطات وفي بعضها الأخر كان لحياد الأجهزة الأمنية والعسكرية وقناعاتها بحركة الجماهير كابحاً أساسياً في مسارها للتغيير كالحالة التونسية في حين وجدت الحركات الشعبية في بعضها مواجهة استخدمت فيها القوة المفرطة والانقضاض عليها بشكل شرس بدد أمال الشعوب في التغيير.

 

إن اللاعنف كوسيلة ونهج نضالي يتميز بتحكيم العقل في حل القضايا التي يتبناها، ويقلل من الخسائر البشرية والمادية المحتملة من العملية النضالية والمطالبة بالحقوق، ويفترض أن يضل إلى الخلاصات بأفضل النتائج وبجهود وكلف أقل. وفي سياق هذا النهج، فالنضال ضد الظلم، يفترض، ألا يصيب بالعذاب إلا المناضل الذي يختط طريقه ضمن هذا النهج، ولا يصيب الضرر غيره.

 

قد تكون تجربة الحراك الشعبي في البحرين في فبراير 2011م نموذج في تأكيد المطالب المشروعة في سياق استحضرت فيه العمق التاريخي للنضال الشعبي ابتداءً من 1938 حتى وقتنا الحاضر لتبرهن بأن مبدأ اللاعنف كان أسلوبا وسلوكاً استراتيجياً عبرت فيه القوى الحية في المشهد السياسي عن الحركة المطلبية إلا أن ذلك الاستحضار لم يشفع لها حتى وصفت بالعمالة للخارج والخيانة للوطن وواجهت ارتدادات حاولت فيه قوى المعارضة بأن تبرهن في كل وقت بأن نضالها السلمي يسمو على كل الترهات التي استخدمت في مواجهة ذلك الحراك. ومرة أخرى لم يشفع لها الشاهد المرحوم البروفسور محمود بسيوني حتى هو وصف وأبعد الحراك الشعبي عن  منهج وصفه بعدم الوطنية بل ذهب في أكثر من ذلك بأن كشف الغطاء عن الممارسات التي كونت انتهاكاً لحقوق الإنسان وأوصى في كل مناحي تقريره بضرورة تصحيح هذا المسار في العلاقة بين النظام وكل مكوناته الدستورية ومكونات المجتمع وفي مقدمتها المعارضة الوطنية وحتى لا نكون بعيدين في التعامل بواقعية مع الحدث فإن مسار العلاقة لم ترممه حلقات الحوار للتباعد في وجهات النظر وأهداف الأطراف وكأنما هي فسحة لترتيب الأوراق من جديد التي لم يجد بدأ من أن تستقر على الخيار الأمني حيث بقت المعارضة الوطنية على خيارها الإستراتيجي هو العمل السياسي المنطلق من مبدأ السلمية المرادف لمبدأ اللاعنف، ونعتقد بأن من المفيد أيضاً بأن المعارضة السياسية أبقت على أدواتها وهي المكونات الأساسية لمبدأ اللاعنف كأدوات وأشكال للنضال كالتجمعات والمسيرات والحضور الشعبي المتاح حتى نهاية المطاف حين ضيقت تلك الأدوات بمنعها ظلت متمسكة بخيارها الإستراتيجي وبوصلة عملها لإحداث التغيير رغم انحسار معطياته في الأفق القريب لارتباطه بأجندات المتغيرات البعيدة عن الاهتمام بالحدث المحلي كباعث للتغيير.

 

إن موقع البحرين الجيوسياسي يفرض على الجميع الإلتزام بالنهج السلمي وسلوك وسائل اللاعنف في المطالبة بالحقوق وفي معالجة القضايا الأمنية والسياسية، حيث تحفر الأزمة عميقاً في النسيج المجتمعي وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. ولأن من حق الناس المطالبة بحقوقها، فإن التعاطي مع هذه المطالبات يتوجب أن تلتزم بما استقرت عليه المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ذلك أن بلادنا تعيش في بحر تتجاذبه استقطابات وتجاذبات إقليمية ودولية، وهي في منطقة تشهد حروباً دامية في أكثر من موقع وينبغي الإنتباه لتداعيات ما يجري من خلال بذل المزيد من الجهود من أجل إشاعة التسامح واحترام الرأي الآخر ونبذ كافة أشكال التحريض والكراهية التي تقود إلى ممارسة العنف والعنف المضاد، وذلك إنطلاقاً من مبادئ نؤمن بها ونجسدها في عملنا السياسي اليومي والمتمثلة في السلمية كخيار استراتيجي ونبذ العنف والإرهاب، واحترام الحقوق الأساسية للأفراد والقوى المجتمعية والدفاع عنها، والالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والتعددية، والإبتعاد عن أي من أساليب العنف، وإدانة العنف من أي مصدر كان، والدفاع عن حق المواطنين في حرية التعبير والتجمع السلمي وتكوين الجمعيات، والدعوة إلى ثقافة اللاعنف وإنتهاج السبل السلمية والحضارية في تحقيق المطالب.

 

ثمة حاجة للخروج من عنق زجاجة الأزمة السياسية بمزيد من الإنفراج الأمني والسياسي وفتح آفاق للحوار المسئول الذي يقود إلى التحول الديمقراطي بشكل سلمي وحضاري، بما يمكن بلادنا من التفرغ للتنمية المستدامة وبناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي تنعم بالاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي والتسامح والعدالة الاجتماعية.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro