English

 الكاتب:

رضي الموسوي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نهار آخر | ماذا فعل استفتاء البرزاني في كردستان؟
القسم : شؤون عربية

| |
رضي الموسوي 2017-10-05 15:56:04




بعد أن أصر وأنجز رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني الاستفتاء على انفصال الاقليم عن الدولة الأم العراق، ماجت المنطقة بحركة غير طبيعية: مناورات تركية بمشاركة عراقية على الحدود العراقية التركية من جهة كردستان، ومناورات ايرانية عراقية شبيهة على الحدود الإيرانية، وزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتن الى تركيا، والرئيس التركي رجب طيب اردوغان الى إيران، وبين هذه الاحداث انجز وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف زيارة الى كل من مسقط والدوحة. في القراءة الأولية، ثمة خطب جلل في الطريق، ليس على مستوى كردستان العراق فحسب، بل على مستوى المنطقة العربية برمتها تطل من نوافذها خرائط اتفاقية سابكس بيكو التي يراد تمزيقها وإعادة تركيب جغرافية الدول وفق مصالح الدول الكبرى، خصوصا بعد خطاب زعيم حزب الله السيد حسن نصر بمناسبة العاشر من محرم، والذي اطلق فيه مواقف غير مسبوقة حين نصح اليهود بمغادرة الكيان لان رئيس وزراء الكيان يمضي الى الحرب ولن يجد هؤلاء وقتا للهرب اذا وقعت الحرب. هذا الخطاب الذي أخذ على محمل الجد الشديد من قبل قادة وساسة الكيان.

 

في زيارة اردوغان الى إيران، تم التأكيد على وحدة الموقف التركي الايراني برفض استفتاء كردستان واعتبرته العاصمتان "كأن لم يكن"، بل ان المرشد الايراني الاعلى السيد علي خامنائي اعتبره خيانة للمنطقة، مكررا ما قاله اردوغان في انقره وقبل وصوله الى طهران. اردوغان الذي "كوَع" واعاد موضعة مواقف بلاده من الازمة السورية بانعطافة واضحة، وجد نفسه في مأزق التطورات بإصرار روسيا على انجاز الاهداف التي من اجلها تدخلت بقوة في سوريا عام 2015 وتحقيق الجيش السوري وحلفاؤه المزيد من الانتصارات والسيطرة على الاراضي التي كانت تحت سيطرة داعش والنصرة والجماعات المسلحة التي تدور في فلك المعارضة المسلحة، ولم يبقى إلا محافظة ادلب التي تحولت الى محرقة للجماعات المعارضة وخاصة النصرة التي يقال ان زعيمها قد اصيب بإصابات خطرة بينما قتل اثنا عشر من قياداتها، في رسالة روسية واضحة تؤكد على ان الموضوع لا يخضع للمزاح، خصوصا مع قتل المزيد من الجنود والجنرالات الروس في أكثر من منطقة "آمنة" على الاراضي السورية.

 

في هذا الوقت يقف الكيان الصهيوني وحده مؤيدا لاستفتاء اقليم كردستان، لكنه بدأ يتنصل من موقفه بتصريح نُسِب إلى رئيس وزراءه مفاده ان "إسرائيل" فقط ايدت حق تقرير المصير للأكراد، فيما ارتفع فيه صوت تركيا الحليفة للكيان الصهيوني بانتقادات حادة إلى تل ابيب وجهاز مخابراتها "الموساد"، بينما تصاعدت هذه الانتقادات بنيرة أكبر من إيران التي تتوجس من مغامرة اسرائيلية تدمر المفاعل النووي بعد ان بدأت ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب التلميح بتمزيق الاتفاقية من طرف واحد من أصل ستة.

 

هذه التطورات وضعت البرزاني في زاوية حرجة ولم تسعفه عشرات الشركات الامنية والتجارية الصهيونية التي تشكلت في وقت كان المركز غارقا في مواجهة داعش وفي فساد النخب الحاكمة الذي ازكم الأنوف والذي استثمره البرزاني لصالحه وفرض معادلات ابتزازية ضد بغداد لترجيح طرف على طرف في الصراع على السلطة هناك.

 

تفيد المعلومات أن عائلة البرزاني دخلت في صفقات تجارية وأمنية مع الكيان الصهيوني عبر جنرالات متقاعدين من الجيش والموساد الصهيونيين، وان هذه الشركات شرعت في شراء المزيد من العقارات والأراضي منذ تسعينات القرن الماضي، عندما حظرت الولايات المتحدة الامريكية تحليق الطيران الحربي العراقي فوق كردستان، وزادت وتيرتها بعد 2003 إثر الفوضى التي اعقبت سقوط النظام السابق واحتلال امريكا للعراق، كما شجع الكيان اربيل على المضي قدما في الانفصال وتأسيس الدولة الكردية تحت دعاوى التاييد الاسرائيلي النافذ.

 

**

 

في المبدأ، لايمكن إلا الوقوف إلى جانب حق تقرير مصير الشعب الكردي الذي واجه حروب اجتثاث طوال القرون الماضية، ومنها ما حدث له في الربع الاخير من القرن العشرين، فقد خاض حربا شرسة بدعم من نظام شاه ايران مطلع سبعينات القرن الماضي، توجت بتوقيع اتفاقية الجزائر عام 1975 بين نائب الرئيس العراقي، حينها،صدام حسين وبين شاه إيران، تم بموجبها تقاسم شط العرب العراقي مقابل وقف دعم نظام شاه ايران للأكراد والضغط عليهم للقبول بالدخول في الجبهة الوطنية التي تشكلت بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق. لم يلقى تشكيل الجبهة الوطنية، بالصورة التي تم اخراجها وتنفيذها، قبولا عند بعض القوى الوطنية العراقية وكذلك بعض حركات التحرر العربية، ومنها الجبهة الشعبية في البحرين التي رأت، وقتها، أن الحل كان على حساب الشعب الكردي وحرمانه من الحصول على الحكم الذاتي الحقيقي في اطار الدولة العراقية الموحدة. بعد خمس سنوات، مزق رئيس النظام العراقي اتفاقية الجزائر وأعلن الحرب على ايران في سبتمبر 1980 بعد انتصار الثورة الإيرانية، وذلك بدعم اقليمي وغربي، ووعد بإسقاط النظام الجديد في غضون اسابيع لا تتجاوز اصابع اليد، لكن الحرب استمرت ثمان سنوات عجاف دمرت فيها البنى التحتية وخيرات العراق وإيران ورمت بشظاياها على دول مجلس التعاون الخليجي، فضلا عن مئات آلاف القتلى والجرحى ووصل البلدان الى حائط مسدود ليجبرا على ايقاف تلك الحرب المدمرة في صيف 1988. لقد كان للأكراد نصيبا كبيرا في الحرب العراقية الايرانية، وخصوصا في مجازر حلبجة التي استخدم فيها الجيش العراقي السلاح الكيماوي ضدهم فأباد المئات منهم. بعدعامين على وقف الحرب، دخل النظام العراقي في مغامرة جديدة خطرة باجتياح جيشه دولة الكويت في الثاني من اغسطس عان 1990، وأدخل المنطقة العربية في مرحلة جديدة من التدخلات الاجنبية التي لم تنتهي فصولها حتى اللحظة الراهنة.

 

**

 

في الجانب الاقتصادي، يراهن قادة اقليم كردستان العراق على ضغوطات القطاع الخاص التركي لفك الحصار عن الاقليم بعد أن تم الاستفتاء. تبلغ الاستثمارات التركية في كردستان ما بين 40 مليار الى 52 مليار دولار وفق تقديرات مختلفة، وتعمل اكثر من 1300 شركة تركية في الاقليم من اصل أكثر 3000 شركة أجنبية وتستورد تركيا يوميا نحو 300 الف برميل من النفط الذي يعبر كردستان باتجاه ميناء جيهان التركي، فضلا عن الغاز، ويبلغ التبادل التجاري بين الاقليم وتركيا إلى 8 مليارات دولار. صحيح ان الاضرار متبادلة عندما تغلق الحدود، لكن خسائر الاقليم اضعاف ما تخسره تركيا من عملية توقيف النشاط الاقتصادي والتجاري، ذلك أن الاتراك يساهمون بنسبة 70 بالمئة في الاقتصاد الكردستاني، وتوقف هذا النشاط يعني انهيار اقتصاد الإقليم، اضافة الى تعطل الحركة بشكل كبير بسبب توقف استيراد البنزين من تركيا وإيران اللتان تصدران يوميا 400 الف لتر منها 300 ألف لتر من تركيا. وإذا ما أضيفت الخطوات العقابية التي اقدمت عليها بغداد والقاضية بإيقاف جميع التعاملات المالية مع الاقليم فإن الخناق سيزداد على أربيل، التي تتسلم يوميا ما بين 4 ملايين الى 5 ملايين دولار يعتمد عليها القطاع الخاص بشكل كبير.

 

بالنسبة لتركيا، فإن الموضوع الكردي يسبب حساسية شديدة وتعتبر اللعب بهذه الورقة مساس بالأمن القومي التركي لا تسمح به، لذلك فهي تفضل الخسائر المالية الانية مقابل الحفاظ على امنها القومي بعدم سماحها بتمرير نتائج الاستفتاء التي ستصلها وتصيبها بصداع داخلي كبير فوق ما تعانيه من صداع جراء الحرب على حزب العمال الكردستاني المستمرة منذ عدة عقود. والحال كذلك مع ايران وسوريا ولو بصورة اقل عما تتوجس منه انقره.     

 

**

 

الآن، يقف مسعود البرزاني وحيدا بحزبه والقوى التي انطلت عليها احلام اليقظة بتأسيس الدولة الكردية المستقلة على أراضي كردستان والمناطق المتنازع عليها مثل كركوك الغنية بالنفط، بعد أن اعلنت كل الدول المحاذية للأراضي الكردية رفضها للاستفتاء: تركيا وإيران وسوريا، فضلا عن الدولة الام العراق، التي اعتبرته غير دستوري وأعلنت قطع العلاقة مع الاقليم الذي لايمتلك أي منفذ بحري، ويعتبر اقليما داخليا تتنفس رئتاه عبر الحدود مع الدول المحاذية المستنفرة جدا لخوفها على وحدة اراضيها وانتقال العدوى لها، بتحرك اكراد تركيا وإيران وسوريا.

 

صحيح ان العراق يعتبر من الدول الفاشلة بعد عقود من الحروب والتدمير الذي لم يتوقف، وبسبب الفساد الذي ينخر مفاصله للدرجة التي اعتبرته منظمة الشفافية العالمية الدولة الاكثر فسادا في العالم، لكنه ايضا تم استنزافه بزرع تنظيمات ارهابية في اراضيه وآخرها تنظيم داعش الذي اعلن دولة الخلافة في الموصل منتصف العام 2014، ما اضطر الدولة المركزية إعلان الحرب عليه رغم التثبيط الذي واجهته من القوى الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة، ودعم بعض دول الاقليم لداعش بذريعة ان ما يحصل هو "انتفاضة للعشائر السنية ضد الحكم الشيعي"، حسب ما روجت بعض وسائل الاعلام في المنطقة بعيد احتلال داعش الموصل. هذا الوضع استثمره رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني، مدعوما بقوى اقليمية في مقدمتها الكيان، ليمارس انتهازية غير مسبوقة، وخصوصا ازاء توقيت اعلان الاستفتاء بينما كانت الدولة العراقية منهمكة في الحرب على داعش. لقد مارس البرزاني هذه الانتهازية ايضا على حساب تطلعات الشعب الكردي ولمواجهة استحقاقات رئاسته للإقليم والتي انتهت قبل سنتين ولم تعد قانونية. هناك تبعات اقتصادية وسياسية وأمنية عندما يستحكم الحصار وتنفذ دول الجوار تهديداهاوالتي بدأت بخطوات موجعة من شأنها أن تشل الاقليم. كما أن مرحلة ما بعد داعش تفرض اعادة تركيب خارطة التحالفات والمشاريع التي رشحت بعض تفاصيلها في تقسيم المنطقة الى دويلات طائفية ومذهبية وعرقية إن نجحت ستقدم اكبر خدمة للكيان الذي يصر على اعلان يهودية الدولة ليتسنى له طرد فلسطينيي ال48 من اراضيهم وإطباق السيطرة واحتلال باقي فلسطين.

 

للشعب الكردي حق أصيل في حكم ذاتي ضمن الدولة العراقية المركزية ووحدة أراضيها، ووفق ما هو متعارف عليه دوليا، بما فيه احترام تاريخه وتراثه ولغته والتعاطي معه كمكون اساسي في الوطن الام ، لكن ليس من حق قياداته الشروع في مخططات تفتيت تسهم في زيادة تفتيت المنطقة الى دويلات لا حول لها ولا قوةوتحويل الشعب الكردي الى وقود لنيران الحروب التي تطل برأسها من كل الاتجاهات.

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro