English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

في مقابلة أجرتها «الوسط» في 2005...الفقيد يستعرض شريط الذكريات, هشام الشهابي: نتمنى أنْ يأتي اليوم الذي يدخل...
القسم : الأخبار

| |
2008-09-28 16:13:51


  الوسط- محرر الشئون المحلية «كان قلبه يسع الوطن كلّه»...هكذا يعبّر إبراهيم كمال الدين عن ذكرياته مع رفيق دربه فقيد الحركة الوطنية المناضل هشام الشهابي الذي وافاه القدر المحتوم الخميس الماضي.
وبالفعل كان الهم الوحدوي هاجساً يسيطر على كلّ كيان هشام الشهابي، وكان يستحوذ حبّ البحرين وأهلها جميعاً من دون تفريق على كلّ شيء فيه...هشام كان ذا رؤية، وذا خبرة ضاربة في رحم الزمن، فقد شارك في أوائل التشكيلات السياسية والنقابية في البحرين، وقضى قرابة الخمسين عاماً في النضالات من أجل وطن واحد يتمتع بالمساواة.
مفردتان سيطرتا على هشام الشهابي : «النضال والبناء»، ولأنّ القدر أتاح لهشام أنْ يكون مهندساً فقد اختار بنفسه مهنة أخرى رديفة، إنّها النضال، وهما سمتان لازمتا الفقيد الشهابي حتى أيامه الأخيرة.
وفي مقابلة أجرتها «الوسط» مع المناضل هشام الشهابي في 2005، يستعيد الشهابي شيئاً من الذاكرة الوطنية لإرهاصات الساحة المحلية بعد حرب الخليج الثانية، واشتداد عود المطالبات بعودة الحياة الدستورية وإعادة العمل بالبرلمان المنتخب وإيقاف عجلة قانون أمن الدولة.
وعن توصيف الحال قبل العريضة النخبوية في منتصف التسعينيات يقول الشهابي: «بعد حل المجلس الوطني مباشرة، حدث أكثر من تجمع ولقاء بأنّ هذا الوضع يجب ألا يستمر، وإنْ استمر يجب ألا يتجاوز سنة أو سنتين على الأكثر، ومن ثم تعود الأمور إلى مجاريها. إلا أنّ الوضع طال إلى ربع قرن من الزمان، وذلك بمبادرة من البرلمانيين الذين أحسوا بخطورة القرار الذي اتخذ».
ويضيف:«عندما جاءت الثورة الإيرانية، وأحد تداعياتها أنّ النظام أصبح أكثر قلقاً من أي وقت مضى(...) وتداعت الأمور إلى نشوء مجلس التعاون، فبدأت جولة جديدة من الاعتقالات، وهنا أيضاً اختلفت الوجوه والتوجّهات التي صارت محل المطاردة، فبعد أنْ كانت الاعتقالات في السبعينيات تطال اليساريين والقوميين والليبراليين، وبعض غير المنتمين الذين أوقعهم سوء حظهم في الطريق، تحوّل في الثمانينيات إلى الجماعات الإسلامية الشيعية، وصارت الأعداد تتزايد داخل المعتقلات والذاهبين رهباً أو كرهاً إلى الخارج».
ويتابع الشهابي قائلاً:«عندما حدث الغزو العراقي للكويت في العام 1990، كان عدد المعتقلين كبيراً، وكانت الحكومة أكثر شدة في تعاملها معهم، لم تكن هناك مساحة أو فسحة للتعاطي، وهذا دليل على ازدياد حالة القلق لدى السلطة. كان أحد أثمان حرب تحرير الكويت من قبل قوّات التحالف أنْ تسود حال من الديمقراطية في المنطقة؛ لكي يكون الأمر مبرراً أمام الشعوب الغربية فيما لو تحرّكت القوّات الدولية لحماية دولة أو أكثر في المنطقة فيما لو حدث أيّ توتر في المنطقة مستقبلاً، إذ لقيت الإدارة الأميركية معارضة شديدة في ذاك الوقت بأنّ أنظمة المنطقة أنظمة غير ديمقراطية، فلماذا تُراق الدماء الأميركية في مقابل النفط، صاحب ذلك - أثناء الاستعدادات لتحرير الكويت - مؤتمر عقد في جدة للقوى الوطنية والسياسية الكويتية، وذلك لفتح صفحات جديدة من العلاقات بين عائلة الصباح والشعب، والحفاظ على الدستور».
ويستدرك بقوله:«لكن هذا الأمر يذكّرنا بما جرى بعد الحرب العالمية الأولى عندما قيل إن هذه الحرب التي ستنهي كلّ الحروب، كما كتب أحدهم كتاباً عنوانه «سلام ما بعده سلام» على اعتبار أن لن يتم السماح لحدوث حرب بهذه الضخامة في المستقبل، ولكن ما هي إلاّ عشرين عاماً وقامت الحرب العالمية الثانية الأكثر بشاعة وشراسة، فكان الإحساس العام بأن ما جرى في المنطقة في تلك الفترة والوعود الكبيرة بحل القضية الفلسطينية وإرساء الديمقراطية والحرية في المنطقة، واعتقد الجميع أن هذه هي الفرصة المناسبة والمواتية لإحداث التغيير الذي طال انتظاره».
ويستعرض الشهابي العريضة ومخاضاتها : «في تلك الفترة كانت اللقاءات المهمومة بالوطن لاتزال تعقد، وكان من ضمن الأشخاص الذين يلتقون دائماً عبدالله مطيويع، محمد جابر الصباح، أحمد الشملان، وآخرون، وبدأ يتوسّع اللقاء، وحاولت استثمار هذه الفرصة لتحديد المطالب. الملفات الموجودة سابقاً هي الملفات التي لا تزال مطروحة، إلاّ أن الرأي استقر على بند واحد ومطلب واحد، وهو: الدستور. الذي يرسّخ الديمقراطية ومبدأ فصل السلطات، والحياة البرلمانية وغيرها، وإذا لم تكن هناك جدية أو وضوح في الرؤية خلال العقدين الماضيين في المطالبة بإحيائه أو تفعيله، فليكن هذا الأمر الآن، على أنْ تكون المطالبة سلمية وعلنية، فمن حق المواطن مخاطبة السلطات بحسب الدستور».
ويشدد الشهابي على الصبغة الوطنية، وليس الفئوية لحركة المطالب السياسية:« كانت الفكرة ألا تكون هذه المطالبة مقصورة على مجموعة قليلة من الأشخاص، حتى لا يكون هناك انفراد بالأمر، وأنْ يبدو المطلب مطلبا وطنيا وليس فئوياً، فأخذت تتوسع دوائر اللقاءات، وصارت تتبلور الفكرة أكثر بأنْ تتم كتابة شيء في هذا الشأن، وأن تشمل أكبر قدر من المواطنين الذين يحملون الهمّ نفسه، بغض النظر عن انتماءاتهم أو ماضيهم السياسي، وهذا ما استغرق وقتاً طويلاً في الحوار مع جماعات انقطع الحوار معها لسنوات طويلة، إذ لم يكن هناك أيّ حوار في الأساس، وذلك لطبيعة الحياة السياسية في البحرين بعد حل المجلس والثورة الإيرانية، فكان هناك نوع من القطيعة الشعبية، فكلّ مجموعة كانت تتحاور مع دوائرها القريبة. والفكرة في الأساس هي المطالبة بعودة تفعيل كلّ موادّ الدستور، ولتترك التفاصيل إلى وقت لاحق».
ويتابع: « بادرت هذه المجموعة بالاتصالات بالآخرين، من أمثال: الشيخ عبداللطيف المحمود، الشيخ عبدالأمير الجمري، عبدالوهاب حسين، واكتشفنا أنّ هناك لغة مشتركة فيما بيننا لم نكن نعلم أننا إلى هذا الحد قريبين منها، وكان الجيّد في الأمر أن جدول الأعمال كان مقتصراً على بند واحد وهو: عودة الحياة البرلمانية في البحرين».
«...إلى جانب المذكورة أسماؤهم، كانت المجموعة تتلقى دعماً من قبل أشخاص يرون أنّ وجودهم بشكل علني لا يخدم المسألة، ولكنهم قدّموا ما يستطيعون من دعم، وبهذا تكونت هذه الكتلة الحرجة في العام 1991، ووضعت الخطوط لطريقة العمل (السلمية العلنية)، وبدأت تتوسّع الدائرة للاستماع لآراء أخرى إنْ وجدت. وبدأ المشاركون يتخاطبون بشكل أكثر منفتح بعد طول انقطاع، في محاولة لإبعاد الشكوك والتربّص فيما بينهم أولاً».
وفد العريضة الأولى
ويتحدّث الشهابي عن مرحلة الإجهار العلني بدعوة العريضة:«بدأ التفكير في كم العدد المطلوب أنْ يوقع على العريضة (1992) التي تم الاتفاق على رفعها إلى سمو الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، إنْ كان العدد ضخماً فلربما يُحدث هذا نوعاً من رد الفعل السلبي والارتياب لدى السلطة، فتم الاتفاق على أنْ يكون العدد محدوداً بما يعبّر عن التنوّع البحريني في هذا المطلب. فكان المنتظر ألا تتجاوز عدد التوقيعات الخمسين، ولكن فوجئت المجموعة بأن الأعداد أكبر، ربما وصلت إلى 300 توقيع، فكان البعض يعتب لـ «استفراد» المطلب من قبل جماعة صغيرة من المواطنين، فيما هو مطلب شعبي عام».
في هذه الأثناء «ربما» عجّلت هذه الحركة العلنية السلمية بإنشاء مجلس للشورى في مطلع 1993 لكي يكون - كما قيل في تلك الفترة - مقدّمة لعودة الحياة البرلمانية إلى البحرين، ولكن هذا لم يكن مطلبنا من هذه العملية، فبالإمكان تكوين مجالس على مد البصر، وبالتسميات التي توضع، ولكن أمر العريضة كان يدور عن الدستور نفسه وعودة الحياة البرلمانية. الوفد الذي ذهب لملاقاة الأمير الراحل لتسليم العريضة كان مؤلّفا من حميد صنقور، عبدالأمير الجمري، عبداللطيف المحمود، محمد جابر الصباح، وعيسى الجودر.
ولابدّ من التوقف هنا عند الدور الذي أداه صنقور، إذ أنّه لم يكن من ضمن المجموعة التي تحاورت وصاغت العريضة، ولكن عندما تم البحث عن وجه؛ ليترأس وفد العريضة، تم طرح حميد صنقور، ويُذكر للرجل أنّه لم يناقش في المسألة، ولم يتردد طرفة عين، ولم يحاجج أو يعتب على أنّه كان بعيداً طوال هذه المدة ولم يُعلم بها إلاّ في اللحظة الأخيرة، ولكنه أبدى كلّ الاستعداد للمشاركة، وأعلن عن تشرفه للمساهمة في هذا الموضوع.
ولكن كيف كان رد السلطة على العريضة؟ يجيب الشهابي:«كان الرد بأنّ التجربة الآنَ هي تجربة مجلس الشورى الذي يجب دعمه بدلاً من تشتيت الجهود، ولكن هذا الأمر لم يكن ليلبي المطلب الأساسي، إذ لايزال الدستور معلقاً(...) قُبلت العريضة الأولى على مضض من قبل الحكم، فتم إثر ذلك العمل على العريضة الثانية في 1994، وهي العريضة الشعبية التي تغيّر صوغها، ولكنها كانت تحمل المطلب نفسه، فتم جمع حوالي خمسة عشرين توقيع لتأكيد المطالبة، فجرت هنا عمليات الاعتقال الواسعة والمواجهات والنفي، فبقيت العريضة لدينا، ولم يكن هناك من فرجة لإرسالها؛ لأنّ الوضع كان على أشد ما يكون التوتر... تمت كتابة أكثر من رسالة في هذا الإطار من قبل المجموعة نفسها تدعو إلى تهدئة الأوضاع، في تلك الفترة ترك المحمود العمل مع المجموعة لأسبابه الخاصة، فيما تم اعتقال الجمري، وكان من «اللعبة» أنْ، يتم اعتقال الشيعة فقط حتى تبدو المطالب بشكلها العام مطالب طائفية وليست وطنية».
ويوضح الشهابي أنّ المسألة « تعدت مجرد المواجهة؛ لأنّ هذه العملية غطت على لغة الحوار التي كنا نرجوها، فكان لدى السلطة منطق في تلك الأيام أنه إذا كانت هناك مشكلة ما... اقض على صاحب المشكلة فتقضي على المشكلة من أساسها، فهذه الثقافة خطرة وهي «إسماع» الطرف الآخر الأوامر بأقصر الطرق وأقلّها تحضراً، فقد يفقد الإنسان صبره، وقد ينفجر، ولكن بشكل عام فإنّ اللجوء إلى العنف غير مبرر إطلاقاً، ويجب ألا يسمح أيّ طرف أن ينجر إلى ساحة المواجهة؛ لتغيب فيما بعد لغة الحوار، فالحوار والمزيد من الحوار يعد نقطة البداية في أي عمل، وخصوصاً إنْ كان على المدى البعيد(...) وفي المقابل، فإنّ الثمن الذي سيُدفع سيكون غالياً جداً ومعرقلاً لأيّ مبدأ للحوار يمكن أن يتم... ليس عن جبن، ولكن عن قناعة أكيدة بأنني قادر على أنْ أقول كلمتي مرات ومرات، ولكنني لن أبادئ في رفع يدي على الآخرين.
وينوه الشهابي الى انكسار حاجز الخوف لدى الناس: «حتى قبل أن يُزج بالشيخ الجمري في السجن، كنّا نتحاور بأنّ من حق الناس أنْ يتظاهروا بسلمية، ولكن ما حدث في البحرين في العقدين الأخيرين، قد خلف الكثير من المسجونين على مختلف درجاتهم، وصار من غير الدارج أن تجد بيتاً لم يُمَس أحدٌ أطرافه، وبالتالي، عندما تفجّرت حوادث التسعينيات، كان الناس يستعيدون جروحهم التي لاتزال طرية، فقد انكسر حاجز الخوف من شاحنات قوّة مكافحة الشغب، ومن ضرب وتعذيب سيلقاه المشارك في المظاهرات، بل وربما أنّ عدداً من أصدقائه في السجن لا يزالون، وهو ليس أقل منهم، ولا أفضل منهم ألا يكون معهم، خصوصاً أنهم ليسوا بسرّاق أو متاجري مخدرات».
قيمة العريضة الشعبية
ورغم أنّ العريضة الشعبية لم يُقدّر لها أنْ ترى النور، ولكن « كانت لها قيمة أنّها واحدة من ضمن سلسلة طويلة من العرائض والرسائل والمحاولات التي ظلت أطياف متعددة من شعب البحرين تحاول أنْ توصلها إلى السلطة لكي تُسمعها رأيها في ما يجري، وهناك كمّ كبير من الرسائل والمحاولات التي لم يُسمع بها أحدٌ وطواها النسيان.
وهذه العريضة انعكست سلباً على عدد من الموقعين عليها، إذ تم فصل بعض الموقعين من أعمالهم في الدوائر الرسمية، وهناك من ضُغط عليهم لكي يسحبوا توقيعاتهم، وهم معذورون، والبعض كان يتم استدعاؤهم كنوع من الضغط، أحمد الشملان تعرّض لانتكاسة صحية؛ لأنه مُنع من السفر، والثابت في الأمر أنّ الكل ساهم من خلال موقعه ومبادرته لكي يقول كلمته.
ويلخص المرحوم هشام الشهابي حديثه بالقول: «إذا كنت أشعر شعوراً متجذراً بأنني صاحب حق، وأنّ هذا الحق ليس في يدي، فسأظل أطالب به، وأورّث هذه المطالبة لأبنائي، ومَنْ سيأتون بعدهم، سنخسر معارك كثيرة، ولكننا لن نخسر الحرب، إنّها مسألة حقوق وواجبات متبادلة».
وقال«...نتمنى أن يأتي اليوم الذي يدخل فيه البحرينيون جميعاً في عملية حوار، لا لتصنيف مَنْ هو على حق، ومن هو على باطل، ومَن أحسن ومَنْ أساء، ولكن للتوصل إلى ما الذي ينفع البحرين على المدى البعيد، ليس بالتجزؤ والدفاع عن المصالح الضيّقة. فإذا أردنا العيش معاً وبشكل متفاعل، فيجب القبول بمبدأ التغيير، وإعطاء الشعب حقوقاً أكثر، وهذا ما لن يتم بين يوم وليلة... أمرٌ كهذا يأتي نتيجة تراكم وتطور، وهذه تجارب الشعوب والدول تعلمنا كيف إلى وقت قريب لم يكن للمرأة حق المشاركة السياسية في دول أوروبية غربية، وحصلت على حقها من خلال الحوار والإصرار والمثابرة والعناد».
وأردف«... سيكون من المؤسف أنْ يفقد الناس الأمل في التغيير وفي الحوار... سيكون من المؤسف أنْ يظل الحوار عبارة عن مونولوغ، حوار في اتجاه واحد، وعلى الطرف الآخر أنْ يلزم الصمت ولا يعلق».
وسأل المرحوم«... ماذا لو تهاوت أسعار النفط العالمية إلى ما دون العشرة دولارات، كما حدث في السابق في العام 1998، واستمر هذا الوضع بضع سنوات، مع الزيادة السكّانية والملفات التي لم يتم حلها، أو لم يتم فتحها أساساً، فإنّ الأوضاع - مع أسعار النفط المواتية والعالية - لم تستقم، والبطالة والفقر يضربان في شرق المجتمع وغربه، فكيف إذا ما فقدت الدولة يوماً ما، قدرتها على الإنفاق بما يضمن الرفاه للناس، هذا ما سيدعو إلى وضع مخيف جداً».

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro