English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هلال البحرين وقانون الأحوال الشخصية
القسم : عام

| |
2005-11-12 17:32:11


يدور، في الوقت الحاضر، صراع حاد في البحرين حول قانون الأسرة، بعد ان تم التخلي عن «قانون الأحوال الشخصية»، حيث يتزعم رجال الدين، وخاصة الشيعة، المعارضة لأي تدخل من قبل السلطة أو المؤسسات «الوضعية» لاصدار مثل هذا القانون. ووصل الأمر قبل سنتين إلى اصدار بعض رجال الدين الشيعة بياناً يطالبون اتباعهم بالتوقيع على عريضة لرفض أي قانون خارج الاطار العلمائي، وهددوا بأن النتائج ستكون وخيمة في حالة مخالفة المجتمع أو السلطة لمواقفهم، وسيروا المظاهرات الاحتجاجية التي ستتصاعد في الايام القادمة لتوصيل رأيهم إلى منتدى المستقبل الذي يعقد في البحرين!!

لاشك ان مسألة اصدار قانون للأحوال الشخصية أو قانون للأسرة يحمى حقوق المرأة والرجل وافراد العائلة، والميراث وغيره هو من القضايا التي يدور عليها صراع كبير، بين كافة التيارات الإسلامية وغير الإسلامية، وتتنوع اجتهادات القضاة الشرعيين في القضية الواحدة. وثبت بالملموس ان الصراع الاجتماعي والسياسي يمتد إلى حلبة رجال الدين أنفسهم في كافة الأقطار العربية والإسلامية، ويمكننا رؤية المتشددين والإصلاحيين، وجماعة التكفير وعدم التمكين، ورجال الدين المتسامحين الذين يرون مصلحة الإنسان بالدرجة الأساسية. فالبعض يتوسع في التفسير إلى درجة كبيرة ليترك فسحة كبيرة من الحريات، بينما يريد البعض من الغلاة والمتعصبين تضييق التفسير إلى درجة التمسك الحرفي بالنص، وبالتالي فاننا نرى أن المعركة داخل الحركة الإسلامية في الكثير من القضايا هي اكبر بكثير من المعركة بينهم وبين التيارات الديمقراطية وغير الإسلامية.

ومن اجل التدليل على حجم الصراعات بين رجال الدين، نستشهد بواقعة رؤية هلال شهر شوال، حيث ما جرى في البحرين يعبر بدقة عالية عن التجاذبات المرجعية، وانعكس سلباً على كافة الناس البسطاء الذين يقدرون عالياً هذه الشريحة، لكنهم ابدوا الكثير من الانزعاج والامتعاض لتغليب رجال الدين مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة التي تقتضي ان يعيّد كل الناس في البلد الواحد مع بعضهم العض، وان يصل المسلمون إلى وحدة الكلمة في قضايا صغيرة كرؤية الهلال وبالتالي الصيام الموحد والافطار الموحد.

ان أحد التحديات الذي يطرحها الناس على التيار الإسلامي بمختلف تلاوينه هو لماذا لا يستطيع هذا التيار ان يصل إلى موقف موحد حول قضية بسيطة كرؤية الهلال، ولماذا يرفض البعض من رجال الدين اعتماد المعايير العلمية الفلكية في الوقت التي بات بعضهم يتبناها ويدافع عنها، وهل هذا النفر الرافض للتطور أكثر ايماناً وحرصاً على الدين من أولئك الذين ينادون بضرورة الاستفادة من كل التقدم العلمي والانجازات الباهرة على الصعيد العالمي ليتمكن المسلمون من التفرغ لقضايا أكثر خطورة تواجه بلدانهم كالتخلف أو الاحتلال الاجنبي أو الانظمة الاستبدادية أو الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تمارسها الانظمة الاستبدادية؟.

نعود مرة اخرى إلى موضوع قانون الأحوال الشخصية، حيث رأى البعض أن هذه قضية من حق رجال الدين فقط، ويجب ألا تكون من صلاحيات السلطة التشريعية المنتخبة «ونحن لا نناقش موضوع البرلمان الحالي في البحرين» وعندما تتم محاصرتهم يسيرون المظاهرات ويتحدثون عن مسودة قانون وضعه العلماء وبعثوا به إلى المرجعية الشيعية في النجف وقم «ولا ندري ان كان هذا القانون سيكون لجميع البلدان الإسلامية أو للبحرين فقط!»، وهذا يدفع تياراً إسلامياً آخر إلى المطالبة بأن يكون له الحق في وضع تشريع خاص حول الأحوال الشخصية توافق عليه المرجعية في بريدة السعودية أو شيخ الازهر أو المرجعية في لبنان.. بل اننا نشاهد في البحرين اختلاف رجال الدين حول الموضوع نفسه، حيث يرى البعض ضرورة ان يكون لدينا قانون موحد للأحوال الشخصية أو قانون الأسرة، بينما يرى البعض ان يكون هناك أكثر من قانون طالما ان هناك طائفتين في البلاد، وهكذا تنجر البلاد إلى معارك ثانوية يزايد البعض على الآخر، ويريد البرهنة بأنه الأكثر حرصاً من غيره على الدين الإسلامي ويريد قانوناً لا يتغير من الآن إلى يوم الساعة، حيث إنه يعود إلى الثوابت المنصوص عليها في القرآن، دون أن يقول لنا انه اذا كان المسلمون متفقين على النص القرآني فلماذا توجد لدينا نصوص مذهبية مختلفة في مسائل الأسرة والأحوال الشخصية!

ولا يمكن فصل الصراع على قانون الأحوال الشخصية عن الصراع السياسي المحتدم في البحرين سواء بين الشعب والأسرة الحاكمة أو بين رجال الدين انفسهم، الواقفين إلى جانب السلطة وأولئك الواقفين إلى جانب الشعب وحقوقه، أو بين كل فريق من هؤلاء ممن يريد ان يقول إنه يملك الحقيقة المطلقة وعلى الجمهور ان ينقاد اليه، وانه يريد دولة إسلامية سواء على غرار طالبان أو الجمهورية الايرانية، أو ان يكون مع الخط الإصلاحي أو خط المتشددين في الجمهورية الإسلامية...

ومن الواضح اننا أمام ظاهرة خطرة عندما يحتكر البعض كلمة الفصل في قضايا تتعلق بالأسرة أو الأحوال الشخصية أو غيرها من قضايا المجتمع، ويرى بأن بقية الآخرين، من المذاهب الأخرى أو رجال القانون أو السياسة، عاجزون عن صياغة قانون عادل يستجيب لمصالح الأسرة، ويرى عجزه الشخصي فيستعين بمرجعيات من الخارج، أو ان الآخرين لديهم عقلية متآمرة على الإسلام وقيمه، وانهم يريدون إفساد ما نص عليه القرآن أو السنة النبوية، لذا يريد هذا البعض قانوناً يصيغه دون غيره «ونحن نرى حجم الاختلاف على رؤية شهر رمضان وشوال والمعارك الصغيرة التي يحولها رجال الدين إلى كبيرة، ويستثمرون موقعهم ومكانتهم وسط الجمهور للحشد باتجاهات متعددة بدلاً من الحشد باتجاه التوحد وباتجاه التسامح وباتجاه التفتيش عن القواسم المشتركة بين المذاهب الإسلامية، قبل غيرها، ولا نقع بالتالي في مطبات الاعداء الذين يريدون أن نبقى متفرقين ننهش بعضنا البعض».

لكن المسألة لها جوانب أخرى، فبالرغم من وجود لجنة شعبية من الجمعيات النسائية والقانونية التي وضعت على عاتقها معالجة هذا الموضوع للوصول إلى صيغة قانون موحد للأحوال الشخصية منذ 1982، وبالرغم من الجهود الكبيرة التي بذلتها الحركة النسائية والمحامون والحقوقيون والمدافعون عن حقوق المرأة، فإن السلطة ـ في الآونة الأخيرة ـ قد أعطت هذا الملف للمجلس الأعلى للمرأة الذي شكلته قبل ثلاث سنوات، وبدأ الأخير حملة إعلامية وتعبوية واسعة للترويج لقانون الأسرة، داعياً رجال الدين الرافضين للقانون إلى حوار حوله، عله يتم التوافق على نص يرضي الجميع أو يتم فرضه على البعض بعد تقديم الكثير من التنازلات التي قد لا يقبل بها رجال الدين المتنورون قبل الحديث عن موقف الشخصيات الديمقراطية التي تريد قانوناً عصرياً للأحوال الشخصية يعبر عن النهج الإنساني التقدمي في التشريع الإسلامي في لحظة صدوره، وما يجب ان يكون عليه رجل الدين في معالجة قضايا جديدة واوضاع جديدة، يجب معالجته بروحية «الإنسان هو اكرم مخلوقات الله» ذكراً أو أنثى.

وفي الوقت الذي نحترم ونقدر موقف كل رجال الدين وكل أصحاب الرأي مع اختلاف وجهات نظرهم، فاننا نرى أهمية بالغة في التوصل إلى قانون موحد وعصري للأحوال الشخصية، يستفيد من اجتهادات رجال الدين وآراء بعضهم القيمة. وان يتم تطوير النص القانوني مع المستجدات، خاصة ان رجال الدين يرون بأن القرآن صالح لكل زمان ومكان، مما يعني القدرة على التأقلم مع كافة المستجدات، بتطوير النص بدلاً من التفسير المذهبي له.

10 نوفمبر 2005

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro