English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المواطنة في مجتمع متعدد القوميات والأديان والطوائف (الحاقة الأولى)
القسم : عام

| |
2006-01-26 14:28:31



    هل في أدبيات العرب والمسلمين وأعرافهم مبدأ المواطنة المتعارف عليه غربياً اليوم ، أم أن هناك رعايا لملك أو سلطان أو لحاكم بأمره كما يردد البعض ؟ ما هو المعادل الموضوعي لمفهوم المواطنة في تراثنا الحضاري الإسلامي ، وكيف يمكن النظر إليه في ظل ما وصلت إليه البشرية اليوم ؟ أسئلة طالما رددتها أقلام الكتاب العرب المعاصرين بحثاً عن إمكانية العثور عن تاريخ مفهومي عربي لمصطلح غربي .
حمورابي والبحث عن العدالة
     لقد أدى البحث عن العدالة إلى سن القوانين من اجل تأمين سبل نشر العدالة المنشودة ، وربما تكون أولى محاولات البشرية في هذا الميدان قد حدثت في تاريخنا الحضاري العراقي الذي تكون لديه إدراك لأهمية تقنين الاجتماع البشري الذي سماه ابن خلدون فيما بعد بالعمران البشري وذلك للحفاظ على تماسك المجتمع وديمومته .
      إن قوانين حمورابي وتشريعاته التي تعود لآلاف السنين قبل ميلاد المسيح خير مثال على أن التجمعات التي عرفتها ارض الوطن العراقي توفرت فيها بعضاً من المبادئ التشريعية الأساسية التي قامت عليها التجارب الديمقراطية فيما بعد .. لقد كانت هذه القوانين قمة الرقي الحضاري اذا ما قيست بأوضاع العالم في تلك الفترات .. فالتجربة التاريخية تدرس في واقعها وبيئتها الإقليمية والإنسانية .
    وقبل أن نبدأ البحث في الجذور التاريخية لاستنباط بعض مضامين ما جاءت به فكرة ((المواطنة)) في تاريخنا العربي والإسلامي ، ينبغي أن نشير إلى بعض الحقائق المهمة في هذا الشأن ومنها ان مصطلح ((المواطنة)) جديد على الفكر العربي الإسلامي ، دخل اللغة السياسية العثمانية بصيغة اعم هي  ((وطن)) مع بداية دخول الحداثة الأوروبية الى الإمبراطورية العثمانية ..
     واول مرة استخدمت فيها كلمة " وطن" كانت في فرمان سلطاني هو خط كلخانة عام 1839 حيث ورد مصطلح "وطن" في موقعين : الأول عندما تحدث الخط عن الإنسان العثماني الذي ((تتزايد غيرته يوماً فيوماً على دولته وملته ومحبته لوطنه))، والثاني عندما اعتبر مهمة العساكر هي ((محافظة الوطن)) ..
الوطن بديلاً للأمة
      و((الوطن)) مصطلح جغرافي يشير إلى موطن القوم ، وهي المرة الأولى التي يشير فيها المسلمون إلى ((الوطن)) وليس إلى ((الأمة)) ، فالتاريخ الإسلامي حافل باستخدام مصطلح  ((الأمة الإسلامية)) .. وأمة الإسلام لا حدود لها وتالياً لا وطن لها ، انطلاقاً من مبدأ أن الأرض أينما كانت وكيفما امتدت هي ارض الله ، والمسلمون يأوون إلى ديار يسكنوها سموها في أدبياتهم ((ديار الإسلام)) وتقابلها في عرفهم  ((ديار الكفر)) ، فإذا كانت الأولى هي ديار السلام فإن الثانية هي ديار الحرب ..
     تلك كانت التقسيمات النظرية والجغرافية .. وخلاصتها : أينما أقام المسلمون أغلبية أكانوا أم أقلية فهم ينتمون إلى امة عقيدية هي أمة الإسلام التي لا حدود لها ، فالمسلمون في الصين مثلاً الذين ينعتوهم بـ (( اليوغور)) يعتبرون أنفسهم جزءاً من الأمة الإسلامية وان كانوا ينتمون إلى وطن اسمه الصين .
     وغياب مصطلح ((المواطنة)) كما يردد المستشرقون عن الاستخدام في اللغات الشرقية : العربية والتركية والفارسية لا يعني بالضرورة غياب جوهره من التاريخ الفكري للمسلمين ومن حياتهم .. فكما لكل مصطلح تاريخه ألمفهومي، فإن لمبدأ المواطنة بهذا السياق جذور نظرية ومفهومية في الفكر العربي الإسلامي ..
حلف الفضول
     ففي الفكر العربي وقبيل بزوغ الدعوة الإسلامية نذكر المحاولة المهمة التي اتفق عليها اهل مكة عندما سنوا وثيقة ((حلف الفضول)) وطبقوها على ارض الواقع .. فلأول مرة في هذه الديار جرى الاتفاق على احترام كل الانتماءات ونصرة المظلوم  . وقد وصف احد الشعراء العرب "حلف الفضول" بقوله :
ان الفضول تحالفوا وتعاقدوا     الا يقر ببطن مكة ظالم
أمر عليـه تعاهدوا وتواثقوا      فالجار والمعتز فيهم سالم
   يعتبر بعض المؤرخين ((حلف الفضول)) أول تجربة ((ديمقراطية)) لحماية الأفراد أيا كان دينهم أو عرقهم أو مذهبهم من أي اضطهاد أو قمع ، فالأمة المكية حينئذ قد اتفقت على قبول التعددية بين ظهرانيها ومنعت إيقاع أي أذى على الجماعات لأسباب تتعلق بجنس أفرادها أو فكرهم أو معتقداتهم .
     وقبل سنوات قدمت مجموعة من المفكرين العرب طلباً إلى هيئة الأمم المتحدة والى منظمة اليونسكو لاعتبار ((حلف الفضول)) اول وثيقة رسمية في التاريخ تجسد مبادئ أساسية في لوائح حقوق الإنسان العالمية ويمكن اعتبارها نواة لما نصت عليه لوائح حقوق الإنسان الدستورية المعاصرة . 
     ويلاحظ قارئ التاريخ الإسلامي ببساطة بأن المسلمين عرفوا ما يقترب من مضمون مبدأ ((المواطنة)) ، بمعنى أن شرعية الانتماء إلى الوطن كافية لحماية الأفراد ، ورد ما يشير إلى  ذلك في "صحيفة المدينة" التي وضعها الرسول الكريم (ص) لتحويل الجماعة المختلفة في الدين إلى امة واحدة .. كما ورد الأمر ذاته في ((صحيفة الحديبية)) التي يعتبرها المستشرقون أكثر قرباً لمفهوم المواطنة بمعناه الحديث لأنها جسدت اتفاقاً ذو صبغة دنيوية وليست دينية بين فئات متساوية في القوة والتأثير عندما وافق النبي محمد (ص) التوقيع عليه باسمه ((محمد بن عبد الله)) أي من دون ذكر صفته الدينية كرسول لله جل شأنه .. تم هذا الاتفاق بمحض إرادة المساهمين فيه ..
     صحيح أن المبادئ التي ذكرتها ((صحيفة المدينة)) كانت لها طبيعة دينية ، ولكنها كانت ترسي في الوقت نفسه اتجاهاً جرى تثبيته بمرور الزمن لقبول مبدأ التعددية والعمل على أساسه ،  من خلال قبول مبدأ ((الشراكة في الوطن)) بين الافراد المسلمين وغير المسلمين ، باعتبارهما بالمعنى الحديث " مواطنين" يساهمون في صناعة القرار وتسيير امور المجتمع والدفاع عنه .. وفي القرآن الكريم مضامين تجسد ملامح عامة لمفهوم المواطنة وإمكانيات تطبيقاته على ارض الواقع .
فقه المشاركة
     رسخت هذه الانطلاقة في ميدان حرية المعتقد والفكر في وقت مبكر من تاريخ الدعوة الإسلامية ما يمكن تسميته ((فقه المشاركة)) اي المواطنة بمضامينها الاسلامية الاولى ، قام هذا الفقه على مبادئ ثلاثة :
    1 ـ  المساواة ((الناس سواسية كاسنان المشط))، ((ان اكرمكم عند الله اتقاكم)) و((إن الله يأمر بالعدل والإحسان)) وبالمقابل الاعتراف بالآخر الديني من خلال احترام المسلمين لأهل الكتاب والصابئة ومنحهم حرياتهم الدينية واعتبارهم أمانة في ذمة المسلمين .
    2 ـ  تكافؤ الفرص لكل الأجناس المنخرطة في الدين الإسلامي ((لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى)) وتوزيع المسؤولية على جميع الرعايا دون تمييز ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) و((كل ألزمناه طائره في عنقه)).
    3 ـ مشاركة المسلم للخلافة أو الدولة في مهمة إصلاح المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. و ((من رأى منكم منكراً فليغيره ..)).
      تلك هي الخطوط العريضة التي جسدتها التجربة الإسلامية بصيغها الأولى التي عرفت بـ ((فقه المشاركة))، ومعادلها الموضوعي اليوم بنحو أو آخر هو ((المواطنة)).. فالمواطنة بمفهومها الغربي الحديث تعني بالتحديد هذه الإبعاد الثلاثة : المساواة ، تكافؤ الفرص، المشاركة في الحكم.
    إذا كانت مقاصد الشريعة الإسلامية هي تحقيق المساواة والعدل وتكافؤ الفرص ومشاركة المسلم في تحمل المسؤوليات ، فإن الانتقال من ((فقه المشاركة)) إلى تبني ((فكرة المواطنة)) تبدو من البديهيات . ولكن التراكم الاجتهادي المطلوب لتطوير نظام الشورى إلى نظام عصري يؤكد على ((المواطنة)) قد توقف عند مرحلة محددة من تاريخ الإسلام  .
     لقد حدثت قطيعة مع الثوابت السياسية التي اتبعتها الخلافة الراشدة من خلال التراجع الكبير عن تعددية الاجتهادات التي عمل بها في زمن الإسلام الأول ، والتخلي عن الإجماع الطوعي باعتباره احد أركان الحكم الأساسية ..
     وباختصار حدث تراجع عن حكم الجماعة والالتزام بالثوابت ، وانتقلت السلطة من سلطة تشاورية تلعب فيها الجماعة الدور الحاسم الى سلطة فردية وراثية قائمة على أساس الملك العضوض ، حيث انبثق نظام حكم وراثي سجل لأول مرة انتصار مبدأ القوة على قوة المبدأ مع قيام الدولة الأموية . 
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro