English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

(النعيمي يتذكر) فترة السبعينات والهجمات العسكرية والسياسية لترتيب أوضاع الخليج
القسم : عام

| |
2006-05-03 15:50:23


اطلع احد الاخوة على ماكتبته عن المكتب السياسي للحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي في السبعينات من القرن المنصرم ودوره في العملية الثورية في عمان وحملة الاعتقالات التي شملت المناضلين بعد العمليات العسكرية في 12 يونيو 1970، فاشار الى عدم دقة المعلومات التي اوردتها عن تلك الفترة. وهو صادق في ذلك. حيث كان مشاركاً هناك، وبالتالي لا بد من تصويب المعلومات لكي لا يعتمد البعض في كتابة تاريخ الحركة الثورية العمانية على معلومات غير دقيقة، فهناك الكثير من الاخوة (اطال الله في اعمارهم) ممن يتحملون مسؤلية كبيرة في تسجيل ما يملكونه من معلومات عن تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الصراع على المنطقة بين قوى الثورة من جهة وقوى الاستعمار والاسر الحاكمة من جهة ثانية، بل يمكن القول بأن الحرب الباردة كانت تدور رحاها في منطقة النفط، ولا يدري الكثيرون ممن كانوا يحملون السلاح ان كانوا صانعي احداث ام كانوا ادوات في يد القوى الكبرى المتصارعة، سواء الاتحاد السوفيتي او الصين من جهة او القوى الامبريالية وبالتحديد البريطانيين والامريكان من الجهة الاخرى.. لقد ذكر الرفيق العزيز بأن اعضاء لجنة الحوار وقيادة منطقة الداخل للحركة الثورية الشعبية قد دخلوا منذ بداية الشهر السادس 1970 الى السلطنة، وتمكنوا من الانتقال الى عدد من المواقع الاساسية (البؤر) ولم تتمكن قوات السلطنة من اعتقالهم الا يوم 18 يوليو 1970 اي بعد اكثر من شهر على العمليات العسكرية التي قامت بها الجبهة الشعبية الديمقراطية لتحرير عمان والخليج العربي، وقبل خمسة ايام من الانقلاب الذي قام به البريطانيون على السلطان سعيد بن تيمور وتنصيب ابنه السلطان قابوس ضمن عملية التحديث التي باتت ضرورية لسلطنة عمان.

وبالرغم من الوضع الصحي الذي تعيشه العزيزة ليلى فخرو، فقد أبت الا ان تتصل لتشكرني على ماقلته حول دورها.. واعتقد انه يصعب لأي مناضل عاش تلك المرحلة ان يوفي هذه المرأة حقها، ويمكن القول انها تدفع حالياً من صحتها تداعيات ما قامت به في تلك الفترة. وهناك رفاق أعزاء من بينهم الرفيق عبدالنبي العكري (وآخرين اخشى الا يريدون ذكر اسمائهم) لا يزالون يرون ان الوقت لم يحن بعد ليسجلوا ما قاموا به من ادوار بعد ان غادروا مواقعهم الدراسية او المهنية والتحقوا بالثورة العمانية وتنقلوا في العديد من المواقع الاعلامية والسياسية والعسكرية، حيث كان من بين البحرينين من بز رفاقه في الكلية العسكرية اليمنية وحصل على تقدير قيادة اليمن الديمقراطية، والتحق مع المناضلين في جبال ظفار ليقاتل الجيش الايراني الذي تدفقت جحافله منذ العام 1974 ليحسم الصراع هناك بعد ان عجز الكثيرون من المرتزقة وحلفاء النظام من بريطانيين واردنيين ومصريين من اجراء الانعطاف التاريخي في الحرب الثورية هناك.

**

 

نقد ذاتي

واعتقد ان مسؤولية المناضلين الباقين على قيد الحياة ان يتوقفوا عند تلك المرحلة ويحللوا احداثها، ليس من باب التسجيل والتوثيق فقط، وليس من باب التباهي بما قاموا به، وانما من باب دراسة مواقفهم على ضوء ما يرونه الآن (كمطلين من الخارج التاريخي) من امكانيات موضوعية وذاتية في تلك  المرحلة، وبالتالي الاخطاء التي ارتكبوها والايجابيات التي حققوها.

لقد تحدث عن الثورة الكثيرون، من الصحفيين والسياسيين وخاصة من اليسار الجديد في تلك الفترة، واذا كانت قيادة الجبهة قد سعت دائماً الى ابراز الوجه الايجابي لما تقوم به، سواء الدور الكبير للمرأة (كان ثلث جيش التحرير من النساء) او توزيع السلاح على جميع افراد الشعب، او نشر التعليم وتقديم الخدمات الصحية للمواطنين او استقطاب الشخصيات البارزة وتنظيمها في الحركة الثورية او الجبهة الشعبية، بالاضافة الى الكثير من الاعمال التي حصنت الوضع الداخلي، الا ان عملاً سلبياً يبدأ به المرء او التنظيم قد يتضاعف وتزداد خطورته كلما توغلنا في العمل السياسي، ويبدو ان مقولة لينين القائلة بـ(ان الانحراف يبدأ بزاوية ضيقة) تحمل بعض الصحة، حيث نجد انفسنا عاجزين عن التراجع بل ونرتكب المزيد من الاخطاء التي تشكل علامات فاصلة في المنعطف السلبي للمسيرة النضالية.

كما ان من الضروري عدم اسقاط الحاضر على تلك المرحلة، فلا يمكن العودة الى الماضي، وبالتالي لا بد من الاستفادة منه، لكي نتمكن من المساهمة مع مناضلين آخرين في صنع المستقبل.. فقد يكون ابناؤنا افضل منا في رؤية الواقع، خاصة اذا حَكَمنا الماضي وعجزنا عن الخروج من شرنقته.

لابد للقائد ان يكون لديه حس نقدي متجدد، ليرى ان كان الحزب او الجبهة او العملية الثورية تحقق نجاحات يومية، صغيرة او كبيرة، فالمهم ان ترى الناس نجاحات او تعيش في اجواء امكانيات النصر وتحقيق نجاحات على العدو، ولا يمكن ان نسمي قائداً من ينشر اليأس في صفوف حزبه، او وسط المواطنين، كما لا يمكن ان يكون قائداً من يستهين بامكانيات خصمه.. ولا بد للقائد ان يدرس بدقة تكتيك الخصم، خاصة في اللحظة التاريخية التي يقرر احد الطرفين ان عليه اجراء انعطاف كبير ليربك خصمه ويحدث البلبلة في صفوفه، وبالتالي يسهل عليه شق وحدته الداخلية او احداث بلبلة معنوية لدى افراد الخصم.

لقد حققت الثورة في ظفار العديد من النجاحات العسكرية والسياسية في السنوات الاولى قبل الخطة البريطانية في تغيير السلطان سعيد بن تيمور، بفضل عوامل عديدة، اشرنا الى بعضها في الحلقات السابقة، لكن الخطر الكامن في صفوف الجبهة هو ان الانعطاف الفكري والسياسي الذي حصل في مؤتمر حمرين 1968 قد افرز المزيد من الاعداء، وفي ذات الوقت جذب الى الثورة المزيد من الاصدقاء في الداخل والخارج، لكن الاصدقاء كانت لديهم ملاحظات حول الخط السياسي وحول التسمية وحول الكثير من الممارسات السياسية والاعلامية والخطاب السياسي.. وعندما اجرى الخصم انعطافاً في مسيرته، كان قادراً على استقطاب الكثير من تلك العناصر المترددة، من حركة الامام التي تشكل الحركة الاساسية للعمل الوطني في عمان الداخل، ناهيك عن انها الطرف السياسي المعترف به في جامعة الدول العربية والذي لم تتمكن الحركة الثورية من استقطاب الكثير من رموزه، (رغم الحوارات التي جرت مع الامام طالب بن علي والتي شاركت في بعضها في القاهرة، ولكن بعد الانقلاب في مسقط بفترة، حيث كان الوضع هناك يسحب المزيد من العناصر من كافة الاطراف)

واذا كان البعض يرى بأنه لا يمكن التحول واجراء انعطافات في مسيرة العمل الثوري او الحزبي او السياسي دون ارباح وخسائر، فان من الضروري في كل منعطف دراسة الارباح والخسائر لنتمكن من تقليل الخسائر، ومراكمة ايجابيات وقوى جديدة او نتعاطى مع التكتيك الجديد للعدو لنقلل الخسائر التي قد تنجم من اصرارنا على السير في الطريق القديم.

عندما اجرت الثورة تحولاتها في مؤتمر حمرين، وجدت ضالتها في الطريق الصيني، مأخوذة في الوقت ذاته بالمناضل الاممي الكبير جيفارا الذي غادر مقاعد الحكم في كوبا الى ادغال افريقيا (الكونغو) ثم الى امريكا اللاتينية (بوليفيا) ليكون شهيد الواجب الاممي في النضال ضد الامريالية العالمية وزعيمتها الامبريالية الامريكية... وحيث كان للسوفيت حساباتهم، وكان الصراع الصيني السوفيتي على أوجه في مناطق الصراع، فقد تدفق الكتاب الاحمر مع السلاح الصيني الى الثورة، وأعجب المناضلون العمانيون في ظفار بالتجرية الماوية في تطويق الارياف من المدن، بالاضافة الى صور الرئيس الصيني .. بينما لم تجد الدراسات الجادة لوضعية المنطقة طريقها الى قيادة الثورة او الى المناضلين.

لم تكن هناك دراسات حول وضعية المنطقة والصراع العالمي عليها. ولم تكن هناك دراسات حول الوضع الطبقي والقبلي والمذهبي، بل وتاريخ المنطقة برمتها والعوامل التي تدفع باتجاه الصراع مع العدو والعوامل التي قد تدفع بشكل سلبي.. ناهيك عن احادية التحليل.. من ليس معنا فهو ضدنا!!! وهي سياسة خاطئة، بالامس كما هي اليوم لدى الكثير من الحركات السياسية، في البحرين وغيرها من البلدان العربية، فحيث لا نستطيع الوصول الى قواسم مشتركة، لا يمكن لأية حركة ان تواجه الاعداء او الخصوم الكبار والكثيرين الذين يريدون ابقاء الحال على حاله.

كانت الماركسية اللينينية ـ افكار الرفيق ماوتسي تونغ هي الدواء، هي الافيون، وبالمناسبة فكل ايديولجيا هي افيون. وكان الكتاب الاحمر منتشر لدى المقاتلين، وهو كتيب صغير يسهل حمله في الجيب وبه الكثير من الحكم الصينية، وبه خلاصة التجربة الصينية. ومع اهمية التجربة الصينية والفيتنامية وضرورة دراستها من قبل قيادات وكوادر الثورة، الا ان حاجة المناضلين والكوادر أيضاً الى كتب تتحدث عن واقعنا الراهن، يكتبها قادة الجبهة قبل غيرهم، مستفيدين من تجارب الآخرين، ومن تجارب الاشقاء المناضلين العرب، ومن تاريخنا المليء بالصراعات وبالصعود الكبير الذي احدثته الثورة المحمدية التي لا يمكن القفز عليها ولا يملك العرب تاريخاً خارج سياقها، بكل ما حملته من تعاليم عظيمة ونماذج انسانية راقية لا تزال تسحب نفسها بقوة على واقعنا العربي.

واذا كان المناضل العادي يكتفي بالكتاب الاحمر، فان الكادر الحزبي لا بد ان يفترق عنه، يحمل بعض الكتب اللينينة او الماركسية.. واذكر انني وجدت في حقيبة احد المناضلين كتاب (الصراعات الطبقية في فرنسا 1948) وكان من الطبيعي ان اساله اين فرنسا وماهي الصراعات في تلك الفترة، وماذا تعلم من ذلك الكتاب الصعب استيعابه على من لا يعرف تاريخ تلك الفترة في اوروبا.. وكان متواضعاً للغاية: "لم افتح الكتاب، لكنه ضرورى ليرى المناضلين ان المرشد السياسي يعرف الكثير من الافكار ويحمل الكثير من الكتب والاقلام المصفوفة في جيبه حتى لو لم يكن يعرف الكتابة، وان يكون قادراً على الاجابة على اي سؤال مهما كان صعباً، حتى لو اخترع الجواب من رأسه كما حصل مع الكثيرين!!

كانت مهمة صعبة على الرفيقة هدى وقد وضعت على عاتقها مهمة ادارة مدرسة الثورة (والتي سميت في البداية بمدرسة لينين، وتم استبدال الاسم بمدرسة الثورة ثم سميت باسم احد الشهداء) ان توسع مدارك الكبار قبل الصغار حول جغرافيا المنطقة... وكان الرفيق سالم سرور (وهو القائد النقابي الذي اراد ان يعرف ما يجري في ظفار قبل ان يتوجه الى المؤتمر الثامن لاتحاد النقابات العالمي في (فارنا) ببلغاريا ليشرح وضعية عمال البحرين ومطاليبهم التي رفعتها اللجنة التأسيسية لاتحاد العمال والموظفين واصحاب المهن الحرة في البحرين) مصيباً عندما كان يسأل: هل تعرف اين الفجيرة ايها الرفيق!!! قبل ان تعرف المناطق التي قاتل فيها الرفيق العظيم ماو في مسيرته التاريخية التي قطع فيها الآف الاميال من جنوب الصين الى شمالها لمقاتلة اليابانيين وليطرح شعار الجبهة المتحدة لمواجهة أولئك الغزاة!!

لقد مارسنا عملية الاقصاء... وتمسكنا بنظرية (الفرقة الناجية)، ليس فقط وسط الوطنيين والديمقراطيين، بل وسط التيار الماركسي نفسه... فمن لا يؤمن حرفياً بما نقول.. وما نراه وما نرسمه من خطط... فقد يكون مندساً.. ثورة مضادة... يشكل خطراً على القيادة... ولا بد من ابعاده... ومراقبته.. وتصفيته ان لزم الامر... فالثورة تقوى بتطهير نفسها.. والحزب يقوى بتطهير نفسه... الخ من مقولات ماركسية أو لينينية قيلت في لحظات معينة لكنها لا يمكن ان تكون صائبة باستمرار.. الا اذا وضعت في سياق ظروف مشابهة للظروف التي تحدث عنها صاحبها.

كيف يمكن التخلص من العقلية القبلية في منطقة تعيش ظروفاً قبلية وعشائرية واقتصادية، متخلفة للغاية... يمكن التخلص منها بانكار حضورها الملموس لدى الاخرين الا القادة!!! يمكن التخلص منها بتغيير الاسماء لخلط الاوراق.. يمكن التخلص منها باجراءات ادارية ثورية، تعسفية... لكنها تعود مرة اخرى عندما يكون هناك انحدار في المسيرة.. صعوبات تواجه العمل.. اغراءات من الخصم... مصالح من وراء العودة الى الماضي...

كانت الحركة الثورية الشعبية تعيش مرحلة طفولتها اليسارية... وواجهت اعداء متمرسين عالمياً بمواجهة مثل هذه الحركات على الصعيد العالمي .. البعض نجح كالجبهة القومية في الجنوب اليمني.. والبعض فشل في الكثير من مناطق العالم.. وتعلم الفاشلون ليعودوا بوعي جديد وبرامج جديدة وتحالفات جديدة في ظروف جديدة..وانتصر بعضهم في ظل العولمة كما نشاهد في امريكا اللاتينية حالياً.. في الوقت الذي اخلت الكثير من ساحات الوطن العربي المكان للتيار الاسلامي المناضل او المتخلف الذي يعيد بعضه نظرية الفرقة الناجية!!

واذا كانت الحركة الثورية الشعبية قد عاشت اوضاعاً داخلية انعكست على علاقاتها مع المناضلين القوميين الذين ارتبطوا بالحركة القومية (الحركة او الحزب)، فان الجبهة الشعبية لتحرير الخليج العربي المحتل قد واجهت المهمة الاصعب: مواجهة قوى الخصم في المنطقة النفطية بأكملها ان لم يكن على الصعيد العربي والعالمي.. وبالتالي فان اخطاء الاولى انعكست في نطاق ضيق.. اما اخطاء الثانية فقد انعكست على مسيرة الصراع الشعبي برمته في عمان لاحقاًً.

في الثالث والعشرين من يوليو 1970، حدث التحول الكبير في مخطط الخصم. لقد قرر البريطانيون التخلص من السلطان الذي جمع ضده كثرة من الاعداء من اقصى اليسار الى اقصى اليمين.. من الحركات اليسارية الى حركة الامام الى القبائل الى شيوخ ساحل عمان.. وجاء الجديد على ناقلة نفط، وببرنامج اصلاحي، وبتحالفات عمانية واقليمية ودولية ترى في الجبهة الشعبية العدو الاساسي والوكيل للعدو الدولي، الصيني او الروسي.. قبل ان تغير الصين سياستها بعد اقل من عامين وتنهي علاقتها مع الجبهة، مما اضطر الاخيرة الى نسج تحالفات اخرى عربية ودولية.

في الثاني عشر من سبتمبر 1970، برز في صفوف الجبهة في المنطقة الشرقية من ظفار فريق طرح مسألة المصالحة مع النظام، واراد تصفية الكادر الحزبي، مما اوجد حالة حرب بين الطرفين استمرت فترة من الوقت، حتى انتصرت الجبهة على الطرف المعادي، وتمت ادانة (الحركة الانقسامية المرتبطة بالسلطة) حسب بيانات الجبهة.. الا ان هذه الحركة قد غذت الوضع برمته، وبدأت المزيد من العناصر تتساءل عن مستقبلها في الوقت الذي كانت الجبهة تتجه يساراً لتقوية ذاتها، بينما قوى الخصم تضرب على وتر التحولات الفكرية والسياسية باعتبارها ضد العادات والتقاليد وضد الاسلام، وتعبيراً عن الغزو الشيوعي للمنطقة... ووضع الاسلام في مواجهة الشيوعية.. وباتت الفرق القبلية التي قام النظام بتشكيلها من قبل العناصر التي نزلت الى السلطة بتسميات اسلامية، ففرقة خالد بن الوليد في مواجهة فرقة هوشي منه.. وهكذا دواليك.. وبدأت الحرب الاعلامية والنفسية بكثافة تشنها الطائرات والاذاعة المحلية بالاضافة الى الاغراءات المالية لشراء الذمم، وتأليب المناضلين على القادة، وبدأت هذه الحملة تفعل فعلها في النفوس.. في الوقت الذي لم تضع قيادة الثورة برامج تعبوية بمستوى المعركة، رغم الدور الذي لعبه برنامج الجبهة من محطة عدن، ثم المحطة الخاصة التي جلبتها الثورة في المكلا (عاصمة محافظة حضرموت) لتبث برامج للتعبئة السياسية ومواجهة التعبئة السلطوية.. لكن الامكانيات غير متكافئة.. وكان الخصم يحشد قدراته الخاصة وقدرات حلفائه العرب والدوليين، في الوقت الذي لم يكن الحلفاء الدوليين يرون في الحرب في ظفار ساحة ناجحة لكونها مرتبطة بالصراع على منطقة النفط الامريكية.

**

المؤتمر الرابع للحركة الثورية

كان من الضروري عقد المؤتمر الرابع للحركة الثورية الشعبية، التي ترى في نفسها الحزب القائد للجبهة والعمل المسلح في ظفار وعمان الداخل والعمل السياسي في بقية المنطقة.. وقد تراكمت الكثير من المشاكل.. بدءاً من الكويت حيث فهم البعض ان الانحياز الى الحركة الثورية الشعبية  يعني القيام بعمل عنيف في الكويت خلال زيارة شاه ايران ليحصد فرع الحركة حملة اعتقالات واسعة اضطر البعض من القيادة الى مغادرة الكويت .. او مواجهة الاعتقال والتحقيق والمحاكمة.. والاعترافات .. في الوقت الذي استشهد بعض الكادر واعتقل اعضاء في المكتب السياسي في عمان الداخل، وبرز السؤال التالي: من يحق له حضور المؤتمر الرابع الذي سيقف امام مجموع تجربة الحركة الثورية الشعبية من الكويت الى ظفار؟

وكان من الضروري عقد المؤتمر في لبنان، وليس في اي مكان، فلا زال لبنان مركز استقطاب كل قوى الثورة في المنطقة العربية، والمركز الاعلامي الابرز والبلد الأكثر أمناً.. وعلى ضوء الاتصالات بين العديد من الرفاق من مختلف المناطق، وخاصة من ظفار وعمان الداخل، امكن عقد المؤتمر في اكتوبر 1970 وبحضور عدد من الرموز الاساسية من هاتين المنطقتين، وكان من الضروري تقديم تقارير سياسية وتنظيمية حول المرحلة السابقة ، اضافة الى تحليل الوضع السياسي الجديد ووضع نظام داخلي للحركة وبرنامج عمل وخطط في مختلف المجالات... وامكن تحقيق الحد المتوسط لكل ذلك فيه..

وشكل المؤتمر منعطفاً في مسيرة الحركة، واخراجاً من الوضع التنظيمي المرتبك، قيادياً وعلى صعيد المناطق.. وتشكلت اللجنة المركزية، ضمت قرابة 15 عضواً، ممثلين عن مختلف الساحات، وانبثق عنها المكتب السياسي الذي ضم في عضويته رفاقاً من مختلف الساحات الاساسية (عمان والبحرين والمكتب الطلابي بالدرجة الاساسية)، وتم اختياري سكرتيراً للمكتب السياسي.

ضمت اللجنة المركزية الشهيد محمد بونفور والمناضل احمد الشملان وعبدالرحمن النعيمي من البحرين، كما ضمت الشهيد زاهر المياحي (احمد علي) الذي جاء لتوه من مسقط بعد ان قاد مظاهرات عمالية تطالب بتشغيل العمانيين بدلاً من الاجانب وتطالب بالاجور العادلة والنقابات العمالية، ليضع بصماته ليس فقط على العمل العسكري الذي كان ابرز رموزه، وانما ايضاً على التحرك الشعبي المرشح للتصاعد اذا احسنت العناصر الحزبية الاستفادة من الظروف الجديدة، والمرحوم (ابو صلاح)، محمد صالح الغساني (الذي عمل فترة طويلة في مكتب امامة عمان في البصرة ليغادرها الى الحركة الثورية الشعبية من ضمن الشخصيات التي وجدت ان الامامة قد شاخت وان عليه ان يلتحق بالقوى الثورية الجديدة)، بالاضافة الى عبدالعزيز القاضي واحمد عبدالصمد وطلال سعد من الاقليم الجنوبي (ظفار)، وعضوين من المجال الطلابي، وانتخبت اللجنة المركزية عدداً من اعضائها للمكتب السياسي من بينهم المناضل احمد الشملان وعبدالرحمن النعيمي والشهيد زاهر علي وابوصلاح وعبدالعزيز القاضي في دورتها الاولى..

وحيث اكتسب المؤتمر الطابع النقدي الحاد للمسيرة الماضية، وخاصة للرفاق في عمان الداخل وظفار، فقد كان من الطبيعي ان ينعكس ذلك على العلاقة مع قيادة الحركة في ظفار التي كانت تريد تشكيل حزب مستقل ضمن المواصفات التي تراها.. بينما كانت بقية المناطق ترى مواصفات اخرى بناء على الوضعية الجماهيرية النضالية التي يعيشها.

**

من بيروت الى عدن لترتيب وضعية العائلة التي جاءت لتوها من قطر، وفي مطار بيروت مودعين الوالد الذي لم يعرف اتجاهات رحلة ولده، فقد كان العمل يتطلب السرية، وتمويه التحرك على الاهل... فنحن ذاهبون الى عالم آخر.. تاركين كل الشهادات وكل المناصب وكل العلاقات العائلية وكل الاغراءات المالية، ونكران الذات واخفاء الاسماء الحقيقية .. الى عالم الثورة والكفاح المسلح والاصرار على ترسيخ قيم العدالة والمساواة وما يتطلبه ذلك من الصراع ضد قوى الشر.. ومغادرة كل نزوات النفس والمال.. والعيش مع الفقراء في طموحاتهم من اجل جمهورية شعبية يكونوا سادتها.. لكن الطوفان النفطي كان شديداً... وكانت مقاومة الفقراء في جبال سمحان اسطورة تستحق الاكبار والاجلال والتسجيل.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro