English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تعثر الإصلاح والتحول الديمقراطي العربي...الحلقة (1)
القسم : عام

| |
2007-04-06 16:53:06


تثار من وقت لأخر قضية تعثر الإصلاحات, وعملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية وجوارها, ومن المسؤول عن هذا التعثر؟ هل هي الولايات المتحدة التي تغيرت أولوياتها أم هي الأنظمة التي استجابت الضغط الأمريكي, ثم استشعرت حاجه الولايات المتحدة إليها في إستراتيجية "احتواء الدول المارقة" "والحركات المتطرفة", لتعود إلى قواعد تسلطها سالمه؟ 

أم هي قوى التغيير العاجزة عن استنهاض الجماهير وتنظيمها لغرض الإصلاح والتغيير؟

هذا الموضوع يستحق مناقشة موضوعية, تحدد مسؤولية كل طرف فليس أسهل من أن نرمي مسؤولية تعثر الإصلاح بل وتراجعه على الولايات المتحدة بحجه إنها تبنت إستراتيجيه الإصلاح والتحول الديمقراطي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 واعتمدتها كأحد ركائز السياسة الخارجية الأمريكية, ثم تراجعت عنها في ضوء تغيير الأولويات. 

يجدر بنا أن نتفحص أوضاعنا العربية, والتي تدهورت بحيث أضحت تهدد باندلاع حروب أهلية طائفية, أو قومية أو دينية أو غيرها, على غرار ما يحدث في العراق, وما تنذر به الأوضاع في لبنان وفلسطين بل إمكانية اندلاع حرب أمريكية أخرى في الخليج ضد إيران هذه وتورط الدول الخليجية والعربية في هذه الحرب, حيث ستبدو الحروب السابقة بمثابة لعبة حرب مقارنة بالحرب المرتقبة.

ولنحاول أن نفكك الموضوع إلى عناصره الأولية:

لنبدأ بالأرضية التي تقوم عليها عملية الإصلاح والتحول الديمقراطي المنشود. على خلاف ما هو شائع في أن المنطقة العربية من أغنى المناطق، وخصوصاً المصدر الأول للنفط الذي ارتفعت أسعاره كثيراً، ودرت البلايين على منتجيه وخلافاً لما هو شائع أن ما يجمعنا لا يتوفر للأمم الأخرى من حيث انتماء الغالبية إلى الدين الإسلامي، والهوية العربية، والتواصل الجغرافي والتاريخ المشترك، مع وجود أقليات دينية وقومية وأثنية مندمجة مع الأغلبية على امتداد، قرون، فإن واقع الأمر ليس. كذلك أضحى الحديث عن خطر عن العرقنة، بمعنى الاقتتال الطائفي من أن يمتد إلى بلدان أخرى حديثاً واقعياً، بعد أن كنا نستبعد أن يحدث شيء من ذلك في العراق ذاته. وأضحى غياب الديمقراطية في البلدان العربية، ليس مقارنة بالدول الغربية ولكن مقارنة بدول أسيوية مثل ماليزيا أو أفريقية مثل السنغال، واضحاً لكل ذي بصيرة. ورغم مظاهر الغنى الفاحش والمداخيل البليونية، فإن الفقراء يزدادون في الوطن العربي وهم موجودون حتى في بعض البلدان النفطية. الأمية في ازدياد رغم ثورة المعلومات أما البطالة فهي الخطر الداهم، في أمة يافعة، حيث يدخل الملايين إلى سوق العمل سنوياً دون أن تتولد فرص عمل كافية لاستيعابهم. ويقدر تقرير التنمية الإنسانية الثاني بأنه بحلول عام 2010 فسوف يكون هناك ما يزيد عن 100 مليون عربي عاطل عن العمل غالبيتهم من الشباب. تهميش الشباب أمل المستقبل على مختلف المستويات واضح وفي كل المؤسسات، في الدولة والمجتمع المدني، في مؤسسات الحكم، ومؤسسات المعارضة، في ظل سواد عقلية الاستبداد الذي يبدأ بالعائلة. التقرير الثالث حول التنمية الإنسانية والمخصص لأوضاع المرأة، يؤكد بما لا يدع للشك أن نصف الأمة (النساء) يتعرض للتهميش والتعطيل والقمع، وأن ما تم إنجازه بعد ربع قرن من مؤتمر بكين حول المرأة لا يعدوا أن يكون محدودا ولتجميل الصورة. من أهم نتائج هذا الوضع الكارثي انسداد أفاق المستقبل، وبذا فإن أمام الشباب العربي، إما الانضمام إلى المنظمات الأصولية والإرهابية، أو مغالبة الحياة أو الهجرة إلى الغرب. إننا أمام وضع عربي متأزم ينذر في أكثر من بلد بالتحول إلى العنف فهناك ثلاث بلدان عربية وهي العراق والسودان والصومال، تشهد حرباً أهلية وهنا اشتباكات مسلحة يومية في فلسطين المحتلة تنذر بحرب أهلية تحت الاحتلال الإسرائيلي وياللغرابة. وهناك مناوشات في لبنان الذي صمد أمام إسرائيل القوة الإقليمية العظمى وانتقم من نفسه بالانزلاق لحرب أهلية فشلت إسرائيل في إشعالها. وهناك عمليات تخريبية من قبل تنظيمات أصولية في أكثر من بلد عربي، أخرها في اليمن ولم تنجح العمليات العسكرية الأمنية إلا في الحد منها وليس استئصال جذورها.

بالطبع فإن اليأس من الإصلاح في الشارع العربي يمتد من أكبر بلد عربي (مصر) حتى أصغرها (البحرين) وهذا يضع القوى المؤمنة بالإصلاح خصوصاً في صفوف المعارضة والنخب المخلصة في موضع حرج، ما بين مطرقة النظام الاستبدادي والتسلطي والجماهير الساخطة وافرازاتها من الحركات الاحتجاجية في الشارع، والتي وإن بدأت سلمية إلا أنها تتحول إلى عنفية مع تصاعد الأزمة. كما أنه يجعل دعاة الإصلاح والديمقراطية المتدرجة، فئة معزولة في منابر عاجية بعيدة عن التأثير في مسار التطور.

 يجادل البعض أن بعض البلدان العربية قد شهد شيئاً من الإصلاح والتحول الديمقراطي، لكن النتائج جاءت عكسية. ففي المجال الاقتصادي جرت عملية ما يعرف الإصلاح الاقتصادي، واشتملت على عمليات الخصخصة والتكيف الهيكلي وتقليص دور الدولة وتحرير الاقتصاد، لصالح القطاع الخاص. ورغم التحسن في الأداء الاقتصادي، إلا أن ذلك قد تم على حساب فئات واسعة من الشعب تم إفقارها، ولصالح فئة محدودة، إما من صلب النظام أو شركاء لهم، ولم تؤد إلى تحسين أوضاع الأغلبية الساحقة من الجماهير التي تردت أوضاعها، كما أن بعض العلل مثل الفساد والمحسوبية، وإهدار الثروات الوطنية والتبعية الاقتصادية والمديونية قد تفاقمت، وأضحى الاقتصاد والوطن أكثر تبعية للغرب.

وفي المجال السياسي، فإن السماح بالتعددية السياسية، وقيام الأحزاب، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وبلدية، لم يؤد في غالبية البلدان إلى تغيير حقيقي في البنية السياسية وتعددية حقيقية أو تبادل للسلطة، بل استمر الحاكم والحزب الحاكم في السلطة، فيما باقي الأحزاب والقوى السياسية والتي يطلق عليها أحياناً المعارضة، موجودة ضمن هامش محدود ولاستكمال شكلي في "النظام الديمقراطي" والملاحظ أنه حيث سمح بهامش للعمل السياسي وللانتخابات بحرية محدودة، فقد فازت قوى الإسلام السياسي من بين قوى المعارضة كما حدث في مصر واليمن والكويت والبحرين والأردن أو القوى القبلية كما في موريتانيا واليمن. وفي حالة أراضي السلطة الفلسطينية المحتلة، حيث أجريت انتخابات حرة حقيقية فقد فازت حماس الإسلامية على حساب فتح السلطة، فيما تهمشت القوى الديمقراطية أكثر وأكثر. وهنا أود التأكيد أنني لست ضد نتائج الاختيار الشعبي لقوى الإسلام السياسي ولكن هذه النتائج تكشف عن هشاشة المجتمع المدني، وضعف البنى المدنية الأهلية من أحزاب ونقابات وجمعيات وروابط وغيرها، لصالح البنى التقليدية الدينية والقبلية والعشائرية والجهوية. وهذا نتاج عقود من سيطرة الدولة ومصادرة الفضاء العام للمجتمع، حيث نجحت في تقزيم المؤسسات المدنية لكنها لم تستطع مصادرة الفضاء الديني المتحصن في المساجد والمدارس الدينية وغيرها. الملاحظة الثانية هي أن النزاعات الأهلية والتي يتخذ بعضها حرباً أهلية أو نزاعات مسلحة أو عمليات إرهابية كما في العراق والسودان وفلسطين ولبنان قد أضرت كثيراً بالعملية الديمقراطية وحرفت مسيرة التحول الديمقراطي نحو اصطفافات فئوية واستطاعت الأطراف المتصارعة أن تحرف العملية السياسية بعيداً عن التعددية السياسية الإيجابية. وفي بلدان مثل مصر والجزائر واليمن والبحرين والكويت فقد تسببت في إضعاف القوى الوطنية الديمقراطية، وصعود قوى فرعية متواجهة أحياناً أخوان مسلمين مقابل الأقباط في مصر والعرب في مواجهة الأمازيغ في الجزائر، والقوى الإسلامية المذهبية في البحرين والكويت، والقوى القبلية والإسلام السياسي في اليمن.

إذاً فالتعددية الحزبية والانتخابات قد تؤدي إلى تفاقم الحياة السياسية الديمقراطية السليمة، إذا لم تتم في بيئة ديمقراطية سليمة، وإذا لم يتم تهيأة المجتمع لممارسة الديمقراطية والاختيار السليم، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني بما في ذلك الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية، وتوفيق حياة لائقة لعموم المواطنين حتى لا يضطروا في خياراتهم السياسية إلى الوقوع ضحية ضغوطات السلطة الحاكمة، و التنظيمات السياسية التي تمتلك إمكانيات مادية وشبكات العمل الخيري كما هو حال تنظيمات الإسلام السياسي للسيطرة على الناخبين، أو تستخدم الشحن الديني لسلب إرادة الناخبين.

من هنا فإن من متطلبات الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي الحقيقي، القيام بإصلاح اقتصادي حقيقي يحرر المواطن من العوز والحاجة للدولة أو المتنفذين، وتقوية المجتمع المدني، والحد من تغول الدولة وسيطرتها وتدخلها في شؤون المواطن والمجتمع وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، وفك الارتباط بين السلطة والثروة، وتعزيز حكم القانون، واستقلال القضاء.

بالطبع فإن الانتقال من نظام السلطة المستبدة المتحكمة بالشعب إلى السلطة الديمقراطية النابعة من إرادة الشعب، يتطلب إرادة سياسية فعلية للإصلاح سداد بالاقتناع أو تحت ضغط المجتمع وقواه. إذاً فالمطلوب عدة عمليات للإصلاح تسير جنباً إلى جنب وتكمل بعضها ضمن مسار معروف، وآليات متفق عليها، وتحقيق أهداف منظورة، ضمن فترة زمنية مقدرة، تؤدي في النهاية إلى تغيير فعلي في بنية النظام والمجتمع معاً.                         

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro