English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الموازنات الحساسه للنوع البشري : تكامل ام ضروره ؟؟
القسم : عام

| |
2007-04-20 12:53:44


       الموازنات الحساسة هي تلك الموازنات التي تأخذ بعين الاعتبار عنصر المساواة على اساس النوع البشري( الجنس) في كل تتضمنه بنودها الخاصة بالانفاق العام في كل سنة مالية. وتستجيب هذه الموازنات للمتطلبات التي تقتضيها هذه المساواة . ولانعني بالمساواة هنا ، التساوي الحسابي ، ولكن تلبية الحاجات وسد الفجوات بين ما يخصص في الميزانيات الحكومية للانفاق على المشروعات ذات الطابع المشترك والمنفصل في آن بين الجنسين ، وبين الحاجات الحقيقية، بما يقلل من اللاتكافؤ في الحقوق والفرص .

       ان وضع المرأة في مختلف المجتمعات ، (وعلى الأخص تلك الاقل نموا) باعتباره مخرج للسياسات الاقتصادية، يقدم لنا مؤشرا نموذجياً وواقعياً ودقيقاً عن مدى الخلل الذي تنوء به الموازنات أوالسياسات الاقتصادية لهذه المجتمعات. كما ان هذا الخلل هو المسؤول عن جملة من الظواهر وبخاصة في مجال تمكين المرأة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً .

  ويجب التأكيد هنا على ان التطور الاجتماعي هو المفتاح الرئيسي في كل مايتعلق بتمكين المرأة، واذا ما استقرأنا الأرقام، سنجد أن نسبة مشاركة المرأة السياسية في الوطن العربي لاتزيد عن 6% ، ونسبة عدد النساء في البرلمانات العربية لاتزيد عن 3,8 % ، وبلغت نسبة مشاركتها في ميدان العمل 30 % ، كما ان نسبة الأمية في اوساط المرأة العربية ماتزال عالية إذ تبلغ 50% , كما ورد في بعض التقارير الدولية .

       ولكن لاينبغي لهذه الأرقام ان تزرع اليأس في نفوسنا، بل أنها بالأحرى تدعونا الى تبني هذه القضية برمتها كمشروع طويل الأمد بحاجة الى جهود عديدة ومتنوعة لخلق شروط حقيقية للمشاركة الفعالة للمرأة في مختلف مجالات المجتمع ، وليس السياسي وحسب الذي سيتم تفعيله تلقائيا نتيجة لانجاز الشروط الموضوعية الأخرى ، وبالذات الاقتصادية .

       وعلى كل حال فان وضع المرأة في العالم ليس بأفضل حال من وضعها في عالمنا العربي ، فقد بلغت نسبة النساء في برلمانات العالم عام 2000 م ، 14 % فقط . ومن بين مايقرب من 180 دولة عضو في الأمم المتحدة ، لم يكن هناك سوى 14 رئيسة دولة و 6 نائبات رئيس ، طوال عقود من النضال السياسي والاقتصادي .

مبادرات الموازنات الحساسة

       منذ انبثاق فكرة الموازنات الحساسة في أستراليا عام 1984م، وحتى اعلان رؤساء حكومات دول الكومنولث التزامهم بمساواة النوع البشري في عام 1991 م ، التي شكلت الانطلاقة الأولى للمبادرات في هذا الصدد، وتم تأكيدها بمصادقة هذه الدول عام1995م على خطة العمل حول تطويرهذا المبدأ الذى اعتبروه أساسياً في مجال حقوق المرأة حتى توالت اجتماعات وزراء المالية، والتعليم والصحة والتشريع وشؤون المرأة لتحقيق رؤيتهم حول عالم يحصل فيه النساء والرجال على حقوق وفرص متساوية في جميع مراحل الحياة تتيح لهم التعبيرعن ابداعاتهم في مختلف مجالات الجهد الانساني .

       وبعد ذلك تتالت المبادرات وعمت اقطار المعمورة واجتذبت العديد من الناشطين في مجال حقوق الانسان، وعلى الاخص المرأة، وعقدت المؤتمرات وورش العمل وبذلت الجهود لادخال مفهوم الموازنات الحساسة في وعي الجهد المجتمعي لاسيما في أوساط جمعيات المجتمع المدني .

       ان الهدف من هذه المبادرات هو الدعوة الى تقوية الروابط ( العلاقات ) بين السياسات الاقتصادية من جهة والمخرجات الاجتماعية من جهه أخرى ، مع الأخذ في الاعتبار ان مبادرات الموازنات الحساسة (أو المستجيبة) ليست مبادرات لموازنات منفصلة لشؤون المرأة ، بل هي محاولة (لتفكيك) عناصر الانفاق العام وفقا لتأثيراتها المختلفة على النساء والرجال في المجتمع، تمهيداً لتجسير الفجوة بين الجنسين فيما يتعلق بالحقوق المادية التي تتبلور في شكل إجتماعي يكون وحده البادي للعيان .

ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك ؟

( أ ) حقائق :

  المسؤول الاول عن اللامساواة هي الاقتصاديات الكبيره ( macroeconomics ) والسياسات الاقتصادية بحسبانها المدخلات الأساسية في عملية التنمية. وعلى هذا الاساس، كانت ولاتزال عين مبادرات الموازنات الحساسة مركزة على هذه السياسات التي من خلالها يمكن تحقيق المساواة بين النوع الانساني (البشري) أو مايطلق عليه ( الجندر ).

       ومن خلال الدراسات وتبادل المعلومات ، خصوصاً في أوساط منظمات المجتمع المدني تبلورت الفكرة أكثر فأكثر واتضحت الصورة وتم التعرف على مواطن الخلل، وبالتالي على عناصر التصحيح. ويمكن ان نجمل المقترحات والرؤى والأفكار على النحو التالي : -

1.     يجب أن تكون بنود الميزانيات الحكومية محايدة في معالجتها لعمليات التخصيص على أساس النوع البشري (الجندر ).

2.     يجب ادخال فكرة مساواة النوع الانساني (الجندر) كفكر أساسي في المجتمع وبالذات لدى صانعي القرار .

3.     يجب اعتماد موازنات خاصة بالشأن النسائي الى أن يحدث التوازن بالنسبة لبنود الانفاق العام .

4.     ليس مطلوباً (التساوي) في التخصيصات، ولكن تلبية حاجات المرأة، التي تحقق المساواة .

5.     المطلوب دراسة كيفية ادماج معايير الموازنات الحساسة ضمن الميزانيات العامة للدولة وفق سياسات الانفاق والتخصيص .

6.     تتجاهل الاقتصاديات الكبيرة الدور الحيوي للمرأة في رعاية قوة العمل المستقبلية وتأمين الاطار الاجتماعي للمجتمع، وهو دور غير منظور لأن مخرجاته غير مباشرة، ومع ذلك فإن تجاهل هذا الدور مكلف ليس للمرأة وحسب، بل للمجتمع بأكمله .

7.     تقوم المرأة بأعمال كثيرة غير مرئية (لأنها غير مدفوعة الأجر) داخل المنزل كتربية الاطفال ورعايتهم والقيام بشؤون المنزل من اعداد الطعام الى حمايته والاهتمام بنظافته ونظافة البيئة المحيطة، بالإضافة الى الاهتمام بكبار السن ورعايتهم صحياً .

8.     ربما يعزي السبب في عدم المساواة في التخصيصات وفقاً لمفهوم الجندر، أن الميزانيات الحكومية تعتبر مساهمة المرأة في الدخل القومي أقل من مساهمة الرجل، ولذا فإن الانفاق عليها يجب أن يكون أقل وفقاً للحصص والأدوار .

9.     في دول الخليج، ذات الميزانيات الضخمة – نسبة الي عدد السكان – قد لاتظهر هذه اللامساواة بشكل جلي، لكن مظاهرها تتجلى في تنامي النظرة القاصرة الى دور المرأة – حتى في أوساط النساء – وهذا يؤثر في فرص الاندماج في المعترك السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي يؤسس للامساواة خفية .

10.                        تؤدي اللامساواة في الانفاق العام على أساس النوع (الجندر) الى استبداد اجتماعي، وبالتالي الى نشوء بيئة سيئة لتربية النشء وتخريب الوعي لدى الاجيال فيما يتعلق بضرورة حث الحكومات على المساواة في الانفاق، على أساس أنه شرط أساس للنمو الصحيح في المجتمع .

11.                        أثرت عوائد النفط الضخمة في دول الخليج في تآكل نمو الطبقة الوسطى، وكان لهذه النتيجة أثر كبير على ازدهار ثقافة الاقصاء والتزمت المبني على أساس الجنس ( الجندر)، وهذا كان واضحاً في نتائج الانتخابات النيابية والبلدية عام 2002 و 2006 م، (في مملكة البحرين على سبيل المثال) رغم التاريخ النضالي الطويل الذي يمتد حتى أربعينيات القرن الماضي. كل هذا انعكس على السياسات الاقتصادية والاجتماعية في دول الخليج، بحيث وجدنا أن المرأة لم تحصل على حقوقها الانتخابية في دولة كالكويت على سبيل المثال إلاّ بعد نصف قرن من تأسيس الدولة .

12.                        تشكل فكرة الموازنات الحساسة للنوع البشري أدوات جيدة لتطوير المرأة وتعزيز مصداقية الحكومات .

13.                        أن هناك حاجة ملحة الى اطلاق مزيد من المبادرات في الوطن العربي على اعتبار أن هذه المنطقة تمر بحراك سياسي نشط وبحاجة الى تسريع الخطوات الديمقراطية والاصلاح السياسي والاقتصادي .

14.                        تحسب تكاليف الانفاق العام على أساس مجموع السكان الاّ أن مدخلات هذا الانفاق لاتوزع بشكل متساوٍ على المشروعات الموجهة الى مختلف شرائح المجتمع وبالذات ماهو مبني على أساس الجنس (الجندر), كالتعليم مثلا .

15.                        النمو الاقتصادي مؤشر جيد وضروري، ولكنه غير كافٍ لازالة اللامساواة الجنسية في المجتمع ولذلك فإن هذا المؤشر يكون مضللاً عند النظر اليه بمعزل عن باقي الشروط .

 

خاتمة :

       رغم حداثة فكرة الموازنات الحساسة على أساس النوع البشري الانساني ( الجندر) الاّ أنها أداة ضرورية لتحقيق المساواة ابتداءً من جذرها المادي، ونعني هنا السياسات الاقتصادية التي تطبقها الدول عند اعداد ميزانياتها السنوية أو طرح خططها التنموية، وهي مؤشر جيد لتحديد مصداقية الدول في تطبيق شرعة حقوق الانسان، وعلى الأخص فيما يتعلق بالمرأة .

       وعلى الناشطين الاجتماعيين والحقوقيين تكثيف الدراسات في هذا المجال لأنه باب واسع تنفتح خلفه جميع الأبواب التي تفضي الى فحص كل جوانب العملية الديمقراطية والاصلاحية في المجتمع، وعلى المجتمع الدولي أن يوجد صيغة الزامية لتطبيق قواعد الشفافية على الموازنات الحساسة ضمن ميزانيات الدول .

       إن الميزانيات الحساسة – رغم حداثتها – ليست مجرد تكامل، خصوصاً عندما يفتقر المجتمع الى شروط حقوق الانسان الأخرى، ولكنها ضرورة أيضاً لأن تطبيقها يمكن أن يشكل المدخل الحقيقي الى تفعيل مقتضيات الاصلاح وترسيخ شروط الديمقراطية في المجتمع. ولانبالغ إذا ماقلنا أنها البنية الاساسية الأكيدة لنجاح الحراك الاجتماعي وبالتالي، الارتقاء بالدور الخلاّق للمرأة كفاعل رئيس في المجتمع .


ورقة مقدمة للمؤتمر الاقليمي العربي حول الموازنات الحساسة للنوع الاجتماعي -  الأردن 17-19 /12 / 2006

نشرة الديمقراطي العدد 37 -فبراير /مارس -2007  

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro