English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ماذا بعد هتاف «فلتسقط العلمانية»؟
القسم : عام

| |
2007-07-04 09:45:05


 

  29blog_author100crop.jpg

 

  نشرت الصحف المحلية أن الشيخ عيسى أحمد قاسم هتف في أثناء خطبة الجمعة 29 يونيو/ حزيران ‘’مع جموع المصلين في جامع الإمام الصادق بالدراز ضد العلمانية مطالباً بإسقاطها. واعتبر الشيخ عيسى أثناء خطبة الجمعة أصوات النواب والجمعيات السياسية المنادية بهذا التوجه أصوات نشاز ترتفع في وسط مجتمع مسلم مؤمن، على حد قوله[1]’’. وحسب رواية أخرى وردت في إحدى المداخلات في موقع ملتقى البحرين الإلكتروني ‘’كان جمهور المصلين يهتفون (لبيك يا إسلام) فقاطع الشيخ هتافهم بهتافات قوية تقول الموت للعلمانية[2]’’.

وسواءً أكان الشيخ يقود المصلين في الهتاف بسقوط العلمانية أو بموتها فالأمر سيّان. وعلى أية حال لا أحد يدّعي أن الهتافات وحدها تُسقط فرداً أو فكرةً. وفوق ذلك فإن للشيخ، مثله في ذلك مثل بقية الناس، الحق كل الحق في أن يهتف بحياة أو بموت من يشاء من الناس والأفكار. وللشيخ، مثل كل اللاعبين السياسيين في هذا البلد، الحق في صياغة شعارات المرحلة كما يراها وأن يضع أولوياته بما يخدم أجندته السياسية .

لمَ، إذن، أرى ضرورة التوقف عند هذا التفصيل الصغير على هامش خطبة جمعة؟ أحد مبرراتي هي أن الشيخ عيسى قاسم ليس مجرد لاعب سياسي. بل إنه رئيس المجلس العلمائي وهو الشخص المقصود في تصريح رئيس جمعية الوفاق ‘’إن قلتُ قولاً وقال الشيخُ قولاً فالقول ما قاله الشيخ’’. وكما هو معروف فإن ذلك التصريح المشهور الذي صدر قبل عامين في إثر أعقاب حادثة مسجد الخواجة المشهورة عَزّز موقع الشيخ علي سلمان أمام منتقديه وقتها .

لقد قرر الشيخ عيسى قاسم، الذي لا يمكن لمثله أن يجهل فقه الأولويات، أن ‘’إسقاط العلمانية’’ هو من أولويات العمل السياسي في هذه المرحلة بالذات. وهي أولويات سياسية تحددت، على ما يبدو، منذ صفقة المقايضة التي أتت بجمعية ‘’الوفاق’’ إلى البرلمان. فإن التزم رئيس ‘’الوفاق’’ بتصريحه المشار إليه فإن علينا، بعد هتاف الشيخ عيسى، انتظار حدوث تغييرات جدية في المسرح السياسي البحريني .

أحد المشاركين في موقع ملتقى البحرين الإلكتروني كتبَ يسأل وبمرارة لا تخفى ‘’الموت للعلمانية؟ الحين العلمانية هي اللي راكبة على ظهورنا وهي اللي معيشتنا في فقر وهي اللي كانت وراء التعذيب وأمن الدولة وهي التي مازالت تسوق مشاريع الفتنة والتجنيس وتدمير البلد؟ العلمانية هي وراء السواحل المنهوبة والأراضي المغتصبة وتدني مستوى المعيشة والفساد المالي والإداري؟ العلمانية هي وراء البطالة التي تنهش في عمر الشباب وهي وراء إفقار المواطن بمشاريع الضرائب؟ والعلمانية أيضا هي اللي تتحرك من تحت قبة البرلمان لتمرير مشاريع وقوانين التضييق على المواطن؟ المواطن قاعد يموت والسبب هو العلمانية؟ لكل هذا يجب أن نقول الموت للعلمانية[3 ]’’.

ليس من الصعب الإجابة على هذه الأسئلة جميعها بالنفي. ولو سأل الشيخ عيسى بعض من أعرف من المصلين خلفه لأجابه مشيراً إلى جذور المشاكل التي تعاني منها بلادنا. بل إنني واثق أن في مكتب الشيخ من يعرف الأجوبة نفسها التي يعرفها الآخرون مشايخاً كانوا أمْ أفندية أمْ بيْن بيْن، وسواءً أكانوا معارضة أم موالاة أم كانوا في منزلة بين المنزلتيْن .

رحم الله الشيخيْن سليمان المدني وعبدالأمير الجمري، فلقد كانا صريحيْن وشجاعيْن. وكانا يعرفان، كما يعرف مُحبيهما وباغضِيهما، ما يريدان. ولقد رأينا كيف اختلف موقفهما طوال التسعينيات. لكنهما لم يخفيا ذلك عن أحد. وكان اختلافهما عميقاً فيما يتعلق بالموقف من السلطة من جهة والمعارضة اليسارية والوطنية من الجهة الأخرى. أما المرحوم المدني فلقد قاده موقفه المعادي لليسار إلى التعاون الحميم مع السلطة. كما رفع شعار إسقاط اليساريين بل وقيل قتلهم بعد استتابتهم. أما المرحوم الجمري فجاءت أولوياته معاكسة تماماً. أسارع فأقول إن المرحوم الجمري لم يكن البتة متعاطفاً مع الفكرة العلمانية في أيٍ من تجلياتها الكثيرة. ولم يكن رحمه الله جاهلاً بما يطرحه اليساريون والوطنيون الآخرون من آراء وما يتخذونه من مواقف. لكنه لم يكن يرى أن إسقاط اليساريين من جملة مهماته الوطنية أو الدينية ناهيك عن أولوياته السياسية. بل كان ومن معه يعرفون أن لا أمل في التغيير والإصلاح طالما استمر تشطير المجتمع. ولولا بعد نظره وتعاونه مع الوطنيين الآخرين، متدينين كانوا أم غير ذلك، لكان حال بلادنا الآن غير ما هي عليه ولبقيَ الكثيرون منا في السجون أو المنافي .

استناداً إلى ما طرحه الشهيد علي شريعتي يمكن القول إن تناقض موقفيْ الشيخيْن المدني والجمري هو انعكاس لتناقض بين تَدَّيُنيْن، تَدَّيُن أسود وتَدَّيُن أحمر. بطبيعة الحال، لم يكن أساس التناقض بين موقفيْ الشيخيْن أن أحدهما أكثر تدينا وتشيعاً من الآخر. فلقد اختار كل منهما أولويات مختلفة وتبنى أجندة سياسية مختلفة لا علاقة لها بمستوى تدينهما أو تفقههما. ويؤكد هذا ما هو ثابت من أن الدين حمال أوجه. ولهذا وجد الشيخان ويجد آخرون كثيرون في الدين ما يناسبهم نصاً أو تأويلاً. ولهذا أيضاً قد يحمل رايات الدين الحمراء ثوريون ودعاة تغيير. وقد يحمل الرايات السوداء فقهاء السلاطين أو الفقهاء السلاطين. وقد يحملها التكفيريون الذين يسفكون دماء الأبرياء باسم الدين. ولا تعوزنا الأمثلة الراهنة التي تعكس نمطيْ التديْن اللذيْن وصفهما شريعتي. فلا أعرف أحداً يقول إن سعيد الشهابي أقل أو أكثر تديناً أو تشيعاً من الشيخ علي سلمان أو إن الشيخ عادل المعاودة أقل أو أكثر تديناً أو تسنناً من الشيخ عيسى الجودر. فالأساس الذي يستند على اختلاف مواقف هؤلاء وغيرهم هو الخيار السياسي وليس الخيار الفقهي .

السؤال يبقى ماثلاً، هل ثمة أجِندة سياسية بعد الهتاف بسقوط العلمانية؟ وهل ستعتمد إستراتيجيات تحقيق تلك الأجِندة على قولة ‘’تسعة أعشار الدين في التقية’’ أم على صرخة ‘’لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل..’’؟ أم لا هذه ولا تلك؟ لا أعرف الجواب، عوضاً عن الجواب، أستعيد شيئاً مما قاله شريعتي حول مخاطر طَلْسَمة الأذهان وإلهاء الناس وإغراقهم بالصَخَب حول مسائل جانبية وتقديم أمورٍ جزئية على أمور كلية والانشغال بقضايا ثانوية عن قضايا أولية .

 

[1] راجع: ‘’قاسم: المنادين بالعلمانية أصوات نشاز في مجتمع مسلم’’- صحيفة ‘’الوقت’’، 30 يونيو/ حزيران .2007

[2] ، [3] راجع: ملتقى البحرين على الوصلة التالية :

http://www.bahrainonline.org/showthread.php?t=180043

 

- كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوند (السويد )

 

 

صحيفة  الوقت

July 03, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro