English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

دَمُ البعـوض
القسم : عام

| |
2007-07-10 03:45:22



29blog_author100crop.jpg


تعرضت ملاحظات عددٍ ممن تجشموا مشكورين عناء قراءة مقالي السابق إلى أن اليساريين كغيرهم من الوطنيين لا يتحملون وزر ما تعانيه بلادنا من أزمات ومشاكل. فلا هم وراء البطالة والفقر ولا هم وراء تشطير المجتمع والتفرقة بين الناس ولا هم وراء الفساد وقمع الحريات. بل إن اليساريين من أوائل من رفعوا وما زال يرفعون راية مقاومة هذه المفاسد. وهم من جملة ضحاياها. نعم انهار بعض اليساريين، وفيهم من ذوي التاريخ المشهود، بسبب الحاجة أو الخوف أو الطمع. ونعم، لقد تعب بعضهم وتوقف آخرون حين أوصلتهم السلطة إلى حافة اليأس. إلا أن آخرين حَلوا محل من انهارَ أمام الإغراءات أو تعبَ أو توقف. فأرضنا معطاءة وناسُها نشامى. ولهذا شهدنا اتساع ساحة النضال الوطني الديمقراطي لتشمل قوى جديدة برزت منذ منتصف السبعينات وضخت في جسم الحركة الوطنية دماً جديداً. وحتى هذه الأطراف أيضاً عانت، مثل اليساريين، من انهيار بعض قياداتها تحت ضغط الحاجة أو بسبب الطمع أو الخوف.

أقول ساحة النضال الوطني الديمقراطي واسعة وتتسع للمزيد. ولا يجب أن يشكل اختلاف الهدف النهائي لكل طرفٍ عاملٍ في هذه الساحة حجةَ لإعادة تفتيتها. فما نحتاجه الآن ولسنوات طويلة قادمة هو توافقنا على السعي، معاً، لتحقيق أهداف مرحلية مشتركة. فلن نحصد جميعاً إلا الريح حين ينشغل كل منا بمناكفة الآخر، ناهيك عن تسقيطه. واستطراداً أكرر هنا رأياً كنتُ أردده منذ أن عادت الحياة إلى الحركة الدستورية في البحرين في بداية التسعينات على أيدي المبادرين بعريضة 1992: إننا الآن مثل ركاب قاربٍ واحد وعلينا أن نبقى معاً حتى نصل إلى شاطئ الأمان الذي نتوافق على كونه آمناً. فلن تستفيد إلا الحيتان حين يَهِّز أحدُنا ذلك القارب فنقع جميعاً أو يقع بعضنا في البحر الهائج.

ولتوضيح ذلك الرأي أشير إلى الخلاف المستعر في أكثر من بلد من بلداننا بين المعارضين الإسلاميين واليساريين وغيرهم من التيارات التغييرية حول ‘’مشروع’’ الدولة التي يريد كل طرفٍ إقامته. ويتنازع الجميع وتهب ريحهم. وهم يتنازعون على رغم معرفتهم إن أياً من ‘’مشاريعهم’’ لن يتحقق من دون إقامة دولة دستورية يحكمها دستورٌ متوافق عليه. فعندها، وعندها فقط، يمكن القول، امْرُؤٌ وَمَا اخْتَارَ.

يلاحظ من قرأ كتابي حول المقاومة المدنية[1] تركيزي على ضرورة أن يتحاشى المتصدون للقيادة أن تكون أعمالهم ردات فعل أو نتاج الانفعالية أو المزاجية. إذ لا بد أن يستند كل نشاطهم إلى خطة عمل متلائمة مع معطيات الواقع وتتضمن مبادرات قابلة للإنجاز أخذاً بعين الاعتبار قدرات الناس وطاقتها على الاحتمال. ولا فكاك لهم من الاستناد إلى تحليل واقعي ودقيق للأوضاع السائدة في المجتمع ولميزان القوى بين قوى السلطة وقوى المعارضة. وفوق ذلك عليهم ترتيب أوليات العمل الجماهيري ضمن سلسلة متتالية من الأهداف المرحلية. فلا يمكن، إلا إذا توفرت المعجزات الخوارق، تحقيق الهدف الاستراتيجي قبل أن تتحقق سلسلة من الأهداف المرحلية التي تمهد له.

على هامش نقاشٍ متصل، سعيتُ في الأسبوع الفائت لقراءة بعض ما تيسر لي حول فقه الأولويات والموازين. ولم يكن هدفي أن أغوص في مجالٍ عَزفتُ عن ولوجه في سنة 1961 عندما كانت دائرة الأوقاف الجعفرية تبحث عمن تبتعثهم للدراسة في النجف الأشرف. ولم يكن هدفي أن أحاجج بهذا النص الديني أو ذاك. فهذا ليس ميداني. ولقد قال من هو أعلم مني إن القرآن حمال أوجه. ولكنه فضولٌ يفرضه السؤال: هل يختلف فهم الأولويات لدى طالب العلم الديني عنه لدى دارسٍ لعلم الاجتماع، مثلاً؟.

لم أجد فيما قرأتُ، وهو يسير، فرقاً بين ما يقال في فقه الأولويات والموازين وبين ما نتداوله عن ميزان القوى وعن العلاقة بين الاستراتيجية والتكتيك وعلاقة الهدف النهائي بالأهداف المرحلية. فما هي إلا كلمات مختلفة تفيد مقاصد متشابهة. لهذا أتجرأ فأقول إنه حين يصيب أحدُنا أو يخطئ فالعلة لا تكمن فيما يعرف علماً أو دراية بل هي في غلبة الهوى أو في سوء قراءة الواقع أوفي كثرة الاعتماد على الظن في تمييز الأولويات وترتيبها.

من ضمن ما تيسرت لي قراءته رواية أوردها الشيخ يوسف القرضاوي [2]، سأختصرها فيما يلي. جاء رجلٌ من العراق إلى الصحابي عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ‘’فسأله عن دَمِ البعوض. وفي رواية: ‘’سأله عن المُحْرِم يقتل الذبابَ’’! فقال له: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: ها، أنظروا إلى هذا، يسأل عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله (ص). وفي الرواية الأخرى: ‘’أهل العراق يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله’’. وينقل الكاتب شرحاً لسبب تعجب ابن عمر من حرص البعض على السؤال عن الشيء اليسير، وتفريطهم في الشيء الجليل. فليس المقصود إنكار السؤال على من أراد ‘’إنما المقصود الإنكار على اتجاه سائد لدى فئة من الناس، يدققون في الأمور الصغيرة، ويشغلون أنفسهم والناس معهم بالتوافه، على حين يضيعون الأمور الكبار’’.

ولا ينحصر الاهتمام باليومي والتفصيلي والمباشر على العوام من الناس إذ هو يشمل أيضاً بعض أهل العلم والاختصاص متدينين كانوا أم غير ذلك. ويلاحظ آية الله السيد محمد حسين فضل الله أن بعض المصنفات تخلط ‘’بين ما هو جزئي وكلي، ومتغير وثابت، حاجيات وضروريات، فتتغلب فيها الجزئيات على الكليات وتحل محلها، وهكذا تتغلب المتغيرات على الثوابت فتغدو المتغيرات بمثابة الثوابت، وتتقدم الحاجيات على الضروريات، وربما النوافل على الفرائض[3]’’.

قبل أن أقلب نهائياً هذه الصفحة أستعيدُ، متلاطفاً، شيئاً من مشهور ما ينسب إلى الملكة ماري أنطوانيت، التي أعدمتها الثورة الفرنسية هي وزوجها لويس السادس عشر في سنة .1793 فبعد أن سمعت الملكة بأن الفقراء يطالبون بالخبز فلا يجدونه سألت، حسب رواية ‘’لمَ لا يأكلون الكعك بدل الخبز؟’’. لم تجهد الملكة نفسها. ولم تميز الواقع ولم تكن قادرة على استيعاب أن الفقراء في حاجة إلى الخبز أولاً.

لن يختلف فهم دارس العلم الديني عن فهم دارس علم الاجتماع لمغزى قصة الملكة التي قطعت المقصلة عنقها. ويبقى السؤال أمامهما، ما هو الأوْلىَ والأبدي؟.

 

 

الهوامش:

[1] انظر الفصل الخامس ‘’في الاستراتيجية والتكتيك’’ في ‘’المقاومة المدنية - مدارس العمل الجماهيري وأشكاله’’، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت 1986 الصفحات 117-143 .

[2] انظر يوسف القرضاوي، في فقه الأولويات دراسة جديدة في ضوء القرآن والسنة، منشور في موقع القرضاوي على الوصلة التالية: http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=943&version=1&template_id=89&parent_id=1

[3] انظر ‘’مقاصد الشريعة ومرتكزاتها الأساسية’’ في موقع البلاغ على الوصلة: http://www.balagh.com/islam/ab0trsgq.htm

 

* كاتب بحريني - استاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد



صحيفة الوقت

10 يوليو, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro