English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الفلسفة الأنثوية، صديقة للبيئة وللشعوب المضطهدة
القسم : عام

| |
2007-09-07 10:20:37


 

 janahi.jpg

  النسوية، بشكل عام، هي كل جهد نظري أو عملي يهدف إلى مراجعة واستجواب أو نقد أو تعديل النظام السائد في البنيات الاجتماعية الذي يجعل الرجل هو المركز، هو الإنسان، والمرأة جنساً ثانياً أو آخر في منزلة أدنى فتفرض عليها حدود وقيود وتمنع عنها إمكانات للنماء والعطاء فقط لأنها امرأة. ومن ناحية أخرى تبخس خبرات وسمات فقط لأنها أنثوية، لتبدوا الحضارة في شتى مناحيها إنجازاً ذكورياً خالصاً.

موجات الحركة النسوية:

بدأت الحركة النسوية في الفكر الغربي في القرن التاسع عشر، حيث صيغ مصطلح النسوية لأول مرة في العام 1895 ليعبر عن تيار ترفده اتجاهات عدة ويتشعب إلى فروع عدة.

كانت الغاية النهائية للنسوية في موجتها الأولى هي نيل المرأة بعضاً من الحقوق العامة التي يتمتع بها الرجل، لذلك دأبت على تأكيد المساواة بين الجنسين، وأن الفوارق النوعية للمرأة هامشية لا تجعلها أقل ولا تحول دون تلقيها العلم وممارسة العمل والحياة السياسية والتصرف في أموالها مثل الرجل.

هذه الموجه الأولى سارت بالتالي في مسار التحجيم والطمس للخصائص الأنثوية المميزة، وكان هذا هو السبيل الأوحد لفك إسار المرأة.

إسلامياً وعربياً رجع صدى هذه الموجه على يد الرواد أمثال رفاعه الطهطاوي وقاسم أمين وهدى الشعراوي وآخرين وبدأ التفكير في صياغة تصور إسلامي لتحرير المرأة. وهو التصور الذي قوبل بالرفض والهجوم من المؤسسة الدينية التقليدية كعادتها الرافضة لأي جديد متهمة بالتغريب والتقليد للغرب المسيحي العلماني!. أما غربياً فالحرب العالمية قد حسمت المعركة لصالح المرأة، وذلك بعد أن اضطر الرجال الانخراط في خنادق الحرب، واضطرت المرأة الإحلال محل الرجال في العمل سواء في المصانع أو الحقول أو إدارة الخدمات العامة في المجتمع، وبانتهاء الحرب حصلت المرأة في أوروبا والاتحاد السوفياتي لاحقاً على حقوقها كمواطنة.

جاءت الموجه الثانية في الستينات من القرن الماضي، وأساساً من أمريكا، وذلك بعد زيادة وتيرة الليبرالية التي تدعو إلى المساواة وتحجيم التفرقة العنصرية واندلاع الحركات الطلابية المعروفة آنذاك بالثورة الطلابية، وازدياد الأصوات المناهضة لحرب فيتنام، وسميت هذه الموجة بالحركة النسوية الجديدة وتميزت عن الموجة الأولى بأنها حملت في أحشائها نضجاً فكرياً، فلم تكتفي بالمطالبات الاجتماعية والسياسية والمساواة مع الرجل في هذه الحقوق، بل بدأت تعيد اكتشاف النساء لأنفسهن كنساء، ثم صياغة نظرية عن هذه الهوية النسوية، أي الأنثوية وتحولاتها الممكنة.

هذه الموجة الثانية استلهمت عدد من الفلاسفة وعلى رأسهم الفيلسوفة الوجودية الفرنسية (سيمون دي بوفوار) وإعلان بيانها "الجنس الثاني" بأن (المرأة لا تولد امرأة بل تصبح إمرأة)، إشارة إلى الدور الكبير الذي يقوم به المجتمع في صياغة وضع الأنثى.

الموجة الثالثة بدأت في السبعينات حين وصلت الحركة النسوية إلى تأسيس نظرية شاملة لأصولها، فظهرت الفلسفة النسوية التي بدأت تقتحم فروع الفلسفة المسماة (باللينة) السهلة وهي السياسة والأخلاق والجمال، ومع الثمانينات وصلت هذه الفلسفة إلى فروع الفلسفة (العسيرة) الشاقة مثل الميتافيزيقيا والابسمولوجيا (علم المعرفة) وفلسفة العلوم.

في سياق هذا المسار التاريخي أكدت الحركة النسائية بأنها فلسفة نقدية للحضارة، وبالأخص نقد الحضارة الغربية قبل غيرها، ولذا ارتبطت النسوية الجديدة بفلسفة ما بعد الحداثة التي هي في جوهرها موقف شكي ونقدي من منطلقات الحداثة الغربية.

الفرق بين الموجة الأولى من الحركة النسوية والموجة الثانية التي تأصلت نظرياً وفلسفياً في الموجة الثالثة هو إن الموجة الأولى التي كانت مرتبطة بالحداثة التنويرية والعقلانية التي تجسدها الذكورية، وهي موجة عملت على طمس خصوصيات المرأة والاقتراب بها من النموذج الذكوري لكي تنال حقوق الإنسان/ الرجل، أما الموجة الثانية فهي بدأت بانتقاد النموذج العقلاني الذكوري للإنسان ورفض انفراده بالميدان كمركز للحضارة الغربية التي جعلها المد الاستعماري نموذجاً للحضارة المعاصرة بأسرها.

إن الموجتين الثانية والثالثة تختلف في تأكيدها على اختلاف النساء عن الرجال والعمل على اكتشاف وإبراز وتفعيل مواطن الاختلاف، وما يميز الأنثى والخبرات الخاصة بالمرأة التي طال حجبها وطمسها، والنتيجة حسب تصورها وجود اختلال وعلل في الحضارة التي لن تحقق توازنها إلا باكتشاف الأنثوية وتفعيل خصائصها.

لماذا الحركة النسوية الجديدة صديقة للشعوب الشرقية؟

لأنها حركة ترفض مركزية النموذج الذكوري للإنسان التنويري الحداثي العاقل،الوجه الآخر للمركزية الأوروبية ومركزية الحضارة الغربية التي سادت العالم، وأن (مركزية العقل الذكوري) التي تبلور القيم الذكورية المتسيدة المهيمنة على الحضارة كانت هو وسيلة الرجل الأبيض لقهر العالم وإحداث المصائب والويلات التي تعاني منها الحضارة الإنسانية في أركان الأرض الأربعة والتي تتلخص في أن مركزية العقل الذكوري الغربي قد قهرت ثالوث الأطراف، قهرت المرأة، وقهرت الطبيعة، وقهرت شعوب العالم الثالث، ومن جراء هذا القهر خسرت الحضارة الإنسانية والتجربة البشرية خسراناً كبيراً آن الأوان للعمل على وقف تزيفه.

من هذه الزاوية تبدو التسوية الجديدة من أنضر وأنبل تيارات الفكر الغربي المعاصر، لأنها فلسفة للمرأة بقدر ما هي فلسفة للبيئة، بقدر ما هي فلسفة لتحرير القوميات، وهي كلها فلسفات تؤكد على هوية مرتكزها أنها ضحايا مركزية العقل الذكوري التي جعلت نفسها روح الحضارة الغربية، وهي بالتالي ـ أي الحركة النسوية الجديدة ـ تقدم نفسها باعتبارها فلسفة (ما بعد استعمارية)، وحيث انتهى الاستعمار في معظم بقاع الأرض ـ ما عدا بعض الدول ـ وهذا الاستعمار الذي جسد أقوى تجسيد للفلسفة الذكورية وعصر المركز والأطراف وقهر الآخر، فلابد من ظهور فلسفة جديدة تنقض تلك المركزية الجائرة وتقر بقيمة وحقوق كل الأطراف، وبالتالي تصون الحقوق التي هددت للمرأة وللطبيعة ولشعوب العالم الثالث.

أنثوية الفلسفة والعلم:

ضمن السياق النظري والتاريخي المتقدم ذكره أخذت الحركة النسوية الجديدة تبحث عن الخصوصيات الأنثوية المتميزة والمبدعة والمختلفة عن آليات عمل وتفكير ومنهجية الرجل، سواء في العلوم أو الفلسفة.

في كتابها (أنثوية العلم، العلم في منظور الفلسفة النسوية) للدكتورة ليندا لشيفرد تمكنت من إبراز جملة من آليات التفكير العلمي للمرأة والتي كانت محط استهجان ورفض في الحقل العلمي التقليدي لتؤكد الباحثة بأنها جزء أصيل من منهجية التفكير والبحث العلمي.

فالعاطفة والشعور والحدس واللاشعور، وملاحظة الأشياء وتركها تحدث والتواضع في الأحكام والتضحية بالأفكار والنظريات والفرضيات المسبقة والذاتية، كلها سمات ترفضها المنهجية العلمية العقلانية الصارمة، فإذا بالفلسفة الأنثوية تؤكدها كجزء هام من أي تفكير أو بحث علمي، والأمر ذاته أكدت هذه الفلسفة بأن كثرة من النظريات المرتبطة بالرياضيات والكومبيوتر والعلوم كالكوانتم في الفيزياء مثلاً بأنها ميزات أنثوية وليست ذكورية وحتى التراتيبية الهرمية التي تستخدم في إدارة المختبرات من قبل الذكور أثبتت الفلسفة الأنثوية في العالم بأنها كانت تحقق الفشل قياساً للعلاقات الدائرية التي تمارسها الأنثى في المختبرات والتي حققت نجاحات ملموسة، فالهرم التراتبي لابد أن ينزاح شخص كي يفسح المكان لشخص آخر للصعود، أما البنية الدائرية فالكل يقيم في مستوى نفسه. وعلى سبيل المثال يحاول العلماء الرجال التغاضي عن تطبيق (المنطق الغائم) في التكنولوجيا وهو المنطق الذي يستخدم للحط من شأن عمليات تفكير المرأة، واتهامها بأنها تحمل منطقاً مشوشاً وغير واضحاً، بيد أن فروع الرياضيات الحديثة قد أخذت تطبق هذا المنطق، وأصبحت العلوم تعترف بضرورة مسايرة الغموض واللايقين، وهكذا بدلاً من حل المشاكل من خلال سلسلة قرارات نعم/أو لا (يمثلهما الواحد والصفر في أجهزة الكمبيوتر) نجد استخدام الكمبيوتر للمنطق الغائم يُعين أرقاماً تقع في حيز ما بين الصفر والواحد.

إن كتاب (أنثوية العلم) هام جداً لإعادة النظر في المفاهيم والقناعات، وأن حاول هذا المقال تلخيص أهم محاوره إلا أنه غير كاف لتوصيل الأفكار الجديدة فيه والتي تحتاج إلى قراءة متأنية لاستيعاب الأنثوية في فلسفة العلوم.

 

نشرة الديمقراطي - العدد 40- أغسطس 2007 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro