English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نحن وهم والهوية
القسم : عام

| |
2007-09-21 04:26:42


 

 

ترتبط الهوية بالثقافة، وإن كانت للثقافة تعريفات متعددة، فإنها قد وجدت رداً على مصطلح الحضارة الذي بات يخدم المشاريع الاستعمارية، فكانت الشعوب المستعمرة تتهم بكونها بربرية، أو في الأقل لا حضارية، ويبدو من الناحية التاريخية أن الهوية تتكون على مدى متسع من الزمن، من خلال تفاعل الإنسان مع الإنسان عبر الثقافة وضمن تحديات بيئية ضاقت أم اتسعت، وفي تفاعل مع الشعوب والثقافات الأخرى، تلك التي تنتج في نهاية المطاف خصوصية تتعلق بالإنسان ذاته.

 

ويبدو أن هناك ملمحين مختلفين للهوية، فهي برغم خصوصيتها إلا أنها تقبل الانقسامات المتعددة إلى دوائر أصغر أو أكبر، فمن جهة نجد أن هناك هوية عربية إسلامية، في ذات الوقت الذي ينتمي أفرادها إلى مكونهم الأكبر وهو الانتماء إلى الإنسانية التي هي بالضرورة جزء مكون منها. كما أنها تقبل وجود انتماءات في دوائر أكثر صغراً، من حيث الانتماء إلى العائلة، الدولة، الحزب، الحي، القرية، المدينة. كما تقبل الهوية التمايزات حتى الدينية، فيمكن للهوية العربية الإسلامية، أن تقبل المسيحي واليهودي والصابئي والمجوسي والهندوسي وتفرعات الدين المذهبية، وتبقى متماسكة من الداخل، وهي من طبيعة الهوية وتكوينها.

 

ويبدو أن الهوية منتج إنساني بات عالمياً، حيث لا يمكن تكوين الأمة بدون هوية ما، ولعل أهم ميزة من مميزات الهوية أنها غير نقية، بمعنى أنها تقبل مكونات مختلفة من منتجات الهويات الأخرى، وهي بهذا المعنى تقبل الإنسانية، ولكن علاقتها بالأديولوجيا هي التي ربما تحرفها نحو التعصب الذي أنتج الحركات النازية المتطرفة، والهيمنة العنصرية، كما في جنوب أفريقيا سابقاً ودولة الكيان الصهيوني حالياً، ويمكن أن تنتج حركات غاية في التطرف لكن باستبعاد أهم عناصر الهوية، والاعتقاد بنقائها وصفائها سواء العقائدي أم العرقي، الجغرافي والتاريخي ..الخ.

 

كما يبدو فإن الهوية أمر غير منجز وغير مكتمل بشكل مطلق، وهي في هذه الحالة غير ناقصة بذات الوقت، حيث أنها تشبه إلى حد كبير تكامل المعرفة، تلك التي تسقط منها أجزاء باستمرار وتدخل إليها عناصر جديدة أيضاً، وبالتالي تتجدد، برغم إن إشكالية الثابت والمتحول في الهوية لا يمكن أن تجد لها حلاً مطلقاً بهذا الاعتبار، ولكنها تبقى متماسكة إلى الحدود التي يمكن من خلالها طرح حلول إنسانية للمشكلات القائمة في المجتمع.

 

 

 

 

الهوية والاستعمار

لعل المستعمر منذ بداية حركة الاستعمار قد فطن إلى أهمية الهوية وقدرتها

اللامحدودة على مقاومة الإمحاء، فيشير عبد الوهاب المسيري إلى ذلك التفطن فيقول:" وهذا ما أدركه السياسي والكاتب الإنجليزي لورد ماكولي، ففي خطاب له للبرلمان الإنجليزي يوم 2 فبراير/ شباط 1835 قال "لقد سافرت في الهند طولاً وعرضاً، ولم أر شخصاً واحداً يتسوّل أو يسرق، لقد وجدت هذا البلد ثرياً إلى درجة كبيرة، ويتمتع أهله بقيم أخلاقية عالية، ودرجة عالية من الرقي، حتى أنني أرى أننا لن نهزم هذه الأمة إلا بكسر عمودها الفقري، وهو تراثها الروحي والثقافي."( )

لم تستطع الجيوش الغازية كسر الهوية برغم هيمنتها على التعليم ونشر الازدراء الكامل لمنتجات الهوية وحلولها الاجتماعية عبر الهيمنة الشاملة والذكية على النظام التعليمي، الذي به باتت الشعوب المقهورة تعلي من منتجات الأخر، بينما تحتقر منتجات هويتها، وبالتالي تستتب الهيمنة للمستعمر، ولكن التفطن الحديث للمسألة بات يدرك عدم إمكانية الهيمنة الكلية على الهوية من خلال السيطرة العسكرية والتي تمتد إلى الهيمنة على مناحي الحياة كلها، ولكن يجب ضرب الهوية من خلال كسر شوكة منتجيها في إرثهم الثقافي والإبداعي، وذلك عبر تكريس المنتج الثقافي الذي يستطيع إقناع دول الأطراف بدونيتهم.

تفكيك الهوية ثقافياً

لذلك نجد دعاة الحداثة وما بعدها، وخصوصاً حركة التفكيك، تهاجم مكونات الثقافة التي تدعم الهوية، وتحيلها إلى مجموعة من النصوص السردية المتداولة التي يمكن بتفكيكها أن تؤدي إلى انهيار الهوية، وتؤكد من جهتها على وهن ما يجمع الأمة ويحقق وحدتها، وبالتالي لا مشروعية الهوية باعتبار ما يقوم على باطل فهو باطل، ولربما لا نستطيع أن نجد أمة قامت منذ فجر التاريخ وأول عتبات الحضارة بدون أسطورة ما تحفظ وحدة الشعب ثم الأمة، فقام ملوك بابل وسومر وغيرها من الحضارات القديمة بتنصيب الملك الإله الذي يرجع إليه في كل شأن، ثم الأساطير اليونانية، وبعدها جاءت أسطورة تكوين روما، وأسطورة عدنان وقحطان عند العرب المسلمين فيما بعد، هكذا عبر العقل البشري عن تلك الوحدة في طفولته البشرية، والانتقاص من تلك الحالة التي نجد بعضها مستمراً، لا تعني بأي حال من الأحوال تميز عقل الإنسان في القرن الواحد والعشرين عن عقل الإنسان منذ سيطرة الهوموسبين على المعمورة.

إن إيجاد دعاة لتحقير تكون الهويات باعتبارها منجزاً إنسانياً عقلياً لا مادياً، يؤكد من الجهة الأخرى تحديد الهوية في التعريف الاستعماري الذي يؤكد على رجوع الإنسان إلى ارثه التكويني المادي فحسب، فيعرف الإنسان على ما يحمله من إرث جيني مشترك، ضمن حركة ردة عقلية تقود إلى تعمق المادية الميكانيكية كما سادت في عصر النهضة، بينما يفصله عن تكوينه الروحي، وبالتالي ترتبط الهوية في مكونها الأول بحاجات الجسد الإنساني التي تعرف في الاقتصاد على أنها غير منتهية، ولكنها تتفاضل في نظرية الاستهلاك الحدي الذي يتطلب المستهلك الرشيد.

 

إن التفكيك المطلق للهوية إلى مكوناتها التي ترتد إلى أصولها القديمة ورفض منتجات العقل الأسطوري يسير عكساً على مناهج التحليل العلمي الذي بات يقبل هذه المنتجات باعتبارها ظاهرة إنسانية عامة، من جهة كما يفرغ الهوية من منتجاتها التقنية التي ترتبط فيها الايدولوجيا بالمنجز المعرفي في الجانب العلمي، لإيجاد حلول مترابطة لمشكلات معقدة في مجتمعاتها، وتدعي بالمقابل بمركزية غربية مفتعلة نقية من جهة ومتميزة بإنتاج الوعي الفلسفي المطلق باللحظة الراهنة، وتبشر بأخلاق السلعة التي ترتد إلى التعريف السابق للإنسان، بينما تستشري الجيوش في إعادة الحلول الاستعمارية القديمة، التي تعصف بشعوب بأسرها، وتعتبر القتل المجاني للإنسان في تلك المجتمعات ضريبة معقولة لنشر أخلاق العولمة. تلك التي تتغلغل في المجتمع عبر فردانية السلعة، وبالتالي تأكيد أخلاقية الفرد الذي لا يهتم إلا بمصالحه حتى لو كانت على حساب الجماعة، فتستشري أخلاق الفساد والمفسدين، ويعزز ذلك بنظام تربوي يقول بأنه يعد الفرد للنجاح في المجتمع، ذلك النجاح الذي ينساق فيه الفرد إلى تلك القيم، حتى لو اضطر إلى الكذب والغش وسرقة المال العام، وهي أسهل الطرق نحو النجاح.

 

 

إن الاحتفاظ بالهوية وتعميقها والشعور بتفردها، يسير جنباً إلى جنب مع أبسط حقوق الإنسان، وهذا لا يعني الانغلاق المقيت، ولكنه يعني بالمقابل إمكانية إيجاد حلول مناسبة لأزمات إنسانية لها خصوصيتها المتعلقة بمشكلات تولدت عبر الزمان والمكان ضمن وعي البشر وصراعهم على الخيرات المادية. ومن المؤسف أن هذا الطرح برغم إنسانيته استغل في كثير من الأحيان في خطاب أيدلوجي مرتبك لحرمان كثير من الشعوب حقها في الديمقراطية والعيش الكريم، ولكن ذلك لا يعني أبداً عدم القدرة على حل تلك المشكلات حلولاً قد لا تحتاج بالضرورة إلى كل منتجات العولمة الساحقة دون الاستغناء عنها مطلقاً.

 

نشرة الديمقراطي - العدد 40 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro