English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

موت اللغة العربية في الخليج العربي
القسم : عام

| |
2007-10-25 09:45:41


 ali fakhrow.jpg

هل حقا يعي المسئولون الكبار والصغار في دول مجلس التعاون حجم وفداحة الخطرين المفجعين اللذين سيأتي بهما المستقبل غير البعيد بالنسبة إلى عروبة مجتمعات دولهم؟ فالخطر الأول المتمثل في عمالة أجنبية، غير عربية، تتدفق بأعداد ضخمة، ثم تتوالد، ثم تستقر، ثم تصبح مشكلة اجتماعية وأمنية وسياسية، نوقش من قبل الكثير من الجهات الرسمية والمنابر، وصدرت بشأنه الكثير من التوصيات التي لم تنفذ في كثير من الحالات على أي حال. وهو حديث ذو شجون سنتركه لمناسبة أخرى.

 

أما الخطر الثاني المتمثل في التراجع المتنامي المقلق لوعاء الثقافة العربية، ونعني به وعاء اللغة العربية، فانه لم ينل نصيباً كافياً من الاهتمام يوازي حجمه ويراعي محوريته في المحافظة على هوية ساكني هذه المجتمعات. ذلك أن اللغة العربية هي وعاء الثقافة العربية، فإذا ضعفت اللغة ضمرت الثقافة التي من دونها تذوي وتذبل حيوية إنسانية المجتمعات. يتجلى هذا الخطر في الآتي: أولاً - يشهد الجميع بأن الطلبة الخريجين، وعلى الأخص خريجو المدارس الخاصة، يعانون ضعفا شديدا في لغتهم العربية الفصحى سواء على مستوى التحدث أو القراءة أو الكتابة. وبسبب من ذلك يبتعد هؤلاء بعد تخرجهم عن التواصل مع مصادر الثقافة العربية الفكرية والأدبية والعلمية الرصينة. فهؤلاء لا يستطيعون قراءة وفهم القرآن الكريم أو الشعر العربي أو كتابات مؤلفين من أمثال الكواكبي أو طه حسين أو جبران خليل جبران أو محمد عابد الجابري على سبيل المثال لا الحصر، وشيئاً فشيئاً تقتصر قراءاتهم على الصحف (إذا حدثت) والمجلات التي تستعمل اللغة المبسطة التي لا تربطهم بالنتاجين الفكري والعلمي العميقين في ثقافة أمتهم. ومع الوقت يتخلى هؤلاء حتى عن ذلك لتقتصر قراءاتهم على الصحف والمجلات الأجنبية. ثانياً - ذلك أن الثنائية اللسانية بالنسبة إلى هؤلاء الطلبة، أي تعلمهم لغة أو لغات أجنبية بالإضافة إلى لغتهم الأم، بدأت تميل أكثر فأكثر لصالح اللغات الأجنبية على حساب اللغة القومية. إن متطلبات العولمة الاقتصادية التي جعلت الشركات الأجنبية الدولية مهيمنة في الأسواق العربية التي تتطلب الاستعمال الكثيف للغة الأجنبية وما يرتبط بها من كمبيوتر وانترنت أقنعت أهالي الطلبة والطلبة أنفسهم بإعطاء أفضلية لتعلم على الأخص اللغة الانجليزية ووضع كل شيء آخر في هامش الحياة التربوية والتعليمية. هنا تبدأ المشكلة الكبرى، ذلك أن العقل أداة للتفكير واللسان العربي مرتبط كأداة للتعبير فإذا ضعفت هذه الأداة تم التفكير بلغة أخرى وسقط الفرد تحت هيمنة وقوة أصحاب تلك اللغة الأخرى، أي سقط الفرد تحت هيمنة ثقافة الآخرين. ومنذ زمن طويل انتبه ابن خلدون لظاهرة الارتباط القوي بين هيمنة اللغة والهيمنة السياسية. فهيمنة اللغة الانجليزية لن تعني هيمنة أداة اتصال محايدة، بل ستعني هيمنة تفكير وهوية وولاء عاطفي، ثم ولاء سياسي، لأصحاب تلك اللغة. ولقد بدأنا نشاهد جيلاً يفهم قضية فلسطين ومأساة احتلال العراق وتخلف أمته الاقتصادي والاجتماعي من خلال مشاهدته محطات فضائياتهم ومن خلال قراءته كتبهم. إن ضعف لسان هذا الجيل، لغة وكلاما، سيحمل كارثة ثقافية، ستتبعها كارثة سياسية في المستقبل المنظور. ثالثاً - إن ثنائية اللغة العربية الفصحى واللهجة العربية المحكية لن تعصم هذا الجيل من الأخطار التي ذكرنا. فالتكلم باللهجات المحلية سيبقي عند هؤلاء القدرة على التفاهم اليومي مع مجتمعاتهم، ولكنه لن يكون كافياً لربطهم الوثيق بمنابع ثقافتهم الأساسية، فهذه في مجملها مكتوبة ومحكية باللغة العربية الفصحى التي يضحى بها الآن على مذابح مختلف الادعاءات في عوالم المال والاقتصاد. في اعتقادي أن حل مشكلة اللغة العربية كأداة تواصل وثقافة في الوقت نفسه ليس بالصعب. إنه يحتاج إلى إرادة سياسية وقرارات تنظيمية تضع اللغة العربية الفصحى في قلب الحياة اليومية للفرد العربي. يستطيع القادة في دول مجلس التعاون أن يتغنوا ما شاءوا بكلمات الأصالة والتراث والأجداد والعادات، لكن كل ذلك سيصبح هباء منثورا إن ماتت اللغة العربية الفصحى.

 

صحيفة أخبار الخليج

Thursday, October 25, 2007

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro