English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

حادثة قاعدة الجفير
القسم : عام

| |
2007-10-30 09:46:36


 

 

 

نشرت الصحف البحرينية معلومات مقتضبة عن ‘’مصادر بالقاعدة الأميركية’’ حول حادث إطلاق نار في الثكنات العسكرية الأميركية في الجفير الذي أودى بحياة مجندتين وإصابة آخر. ومن المصادر نفسها عرفنا أن الأجهزة الأمنية التابعة للجيش الأميركي تتولى التحقيق وأنها تقوم إبلاغ السلطات الأمنية البحرينية بمجريات التحقيق أولا بأول [1 ].

ما يثير قلقي الشخصي والسياسي هو ما تسرب من أخبار غير مؤكدة [2] عن أن القادة الأميركيين في الجفير كانوا يعلمون باضطراب حالة الجاني النفسية ومع ذلك سمحوا له بحمل السلاح، لا بل وأن يكون جزءا من جهاز أمن القاعدة. فهل يعرفُ أحدٌ في القاعدة أو خارجها عن وجود جنود آخرين يعانون من اضطرابات نفسية ويحملون السلاح ويتجولون بحرية في القاعدة الأميركية وحولها؟

أتعاطف مع أهالي القتيلتيْن والجاني وأحزن على ضياع شباب في هذه السن اليافع وبغير مبرر. وفي الوقت نفسه يعيدني الحادثُ المؤلم إلى أسئلة ومخاوف ثارت في ذهني في إحدى زياراتي الأخيرة للبحرين. حينها نزلتُ مع عائلتي في فندقٍ مجاور لعمارات يسكنها عسكريون أميركيون بصفة دائمة أو في إجازاتهم الدورية. لم نشعر في حياتنا بمثل ما شعرنا به من خوف في تلك الفترة وخصوصاً في أيام العطل الأسبوعية. أقولُ هذا رغم أننا تعايشنا في الماضي مع أوضاع قاسية في لبنان وغيرها .

لا أحتاج لتفصيل ما يفعل جنودٌ في ريعان شبابهم. فهناك عنفوان الشباب وطيشه وخليط من مال وخمور ونساء فقيرات يستوردهن تجار اللحم البشري. وفوق ذلك هناك الاستهتار. فالجنود يعرفون أن لهم ‘’حصانة’’ تجعلهم خارج سلطة الدولة التي يقيمون فيها. متى ستنطلق رصاصة طائشة؟ ومتى سيكون أحدنا هدفاً لجندي سكران أو عنصري مجنون أو مضطرب عقلياً؟ لم تطل إقامتنا في ذلك الفندق لحسن الحظ. إلا أن مخاوفنا تأكدت للأسف حين سقط المرحوم عباس الشاخوري في 30/3/2007 برصاصة ‘’مجهولة المصدر’’ بينما كان يعمل حارساً في فندق يقع في المنطقة نفسها تقريباً [3 ].

أعرفُ أن الموت حق، لكن أن تموت برصاصة طائشة هو موتٌ عبثي لا يستحقه أيٌ منا. لنفترض وقوع حادثة مماثلة لحادثة الجفير الأخيرة في أحد المجمعات وأدت إلى إصابة أو موت بعض المتسوقين الأبرياء. أو لنفترض أن رصاصة ‘’مجهولة المصدر’’ كالتي أصابت المرحوم الشاخوري في فندق البستان أصابت شخصاً أو أشخاصاً آخرين في أماكن أخرى. هل ستقوم الأجهزة الأمنية البحرينية بواجبها وتعتقل الفاعل بالجرم المشهود لتقوم النيابة بالتحقيق معه حسب الأصول المرعية قبل أن تحيله إلى المحاكم البحرينية؟ جواب هذا السؤال وأمثاله هو النفي. فأقصى ما تستطيع سلطاتنا أن تفعله هو احتجازه في مكان الجريمة إلى حين تسليمه إلى الشرطة العسكرية الأميركية التي ستتخذ ما تراه من إجراءات .

رغم ما يقال عن الشفافية والمكاشفة والشراكة، لا يعرف الناس، وحتى نوابهم، شيئاً عن بنود الاتفاقية التي بموجبها تستخدم الولايات المتحدة الأميركية قاعدة الجفير البحرية وقاعدة الشيخ عيسى الجوية علاوة على مياه البحرين الإقليمية. إلا أنني لا أستبعد أن في بنودها ما يتعلق بحصانة العناصر التابعة للقوات المسلحة الأميركية وما يمنع مقاضاتهم أمام المحاكم المحلية. وحتى بافتراض أن الاتفاقية التي مُدِّد العمل به لعشر سنوات أخرى تمتد إلى العام 2011 لا تتضمن نصاً صريحا بهذا المعنى. وحتى بافتراض قيام الشرطة البحرينية باعتقال أحد الجنود الأميركيين متلبساً بالجرم المشهود فإن الأمر لن ينتهي في المحاكم البحرينية. فمن المعروف أن الحكومة الأميركية لا تسمح بذلك حتى لحلفائها الاستراتيجيين الأكثر وزناً. وفوق هذا فهي تستند إلى قانون عجيب يُعرف إعلامياً بقانون ‘’غزو لاهاي’’ لأنه يُجيز للولايات المتحدة الأميركية استخدام القوة، حتى لو تطلب الأمر غزو مدينة لاهاي الهولندية، مقر المحكمة الجنائية الدولية، في حال احتجاز مواطن أميركي لمحاكمته بسبب اتهامات بضلوعه في جرائم ضد البشرية كالتي تُرتكب يوميا في العراق أو تحت غطاء الحرب على الإرهاب [4]. فما بالك بجنود سكارى أو مجانين أو يعانون من اضطرابات نفسية .

تزامن نشر البيان الأميركي عن تطورات حادثة الجفير مع نشر خبريْن يرتبطان به بشكلٍ من الأشكال. أولهما خبر اجتماع ‘’لجنة التحقيق البرلمانية في مهرجان الثقافة’’ بوزير الإعلام الجديد. يتضمن الخبرُ إعلان متحدثٍ باسم اللجنة أن النواب ‘’مسؤولون عن التشريع والرقابة على الصعيد السياسي والبرلماني وكذلك مسؤولون عن المحافظة على أخلاقية وقيم المجتمع الذي يمثلونه [5]’’. أما الخبر الثاني فيتعلق بما سميَ بـ’’الروح الأخوية المتميزة والزمالة النيابية الايجابية التي سادت انتخابات لجان المجلس الدائمة’’. وهي روحٌ أدت من ضمن ما أدت إليه إلى تشكيل لجنة الشؤون التشريعية والقانونية من سبعة مشايخ دين برئاسة أفندي متدين أيضاً [6 ].

قد يُسَّهل تزامن الخبريْن إقناع النواب بالتصدي لمناقشة وجود القاعدة العسكرية الأميركية وما يمثله من مخاطر. صحيح أنه لا فائدة من إعادة سـرد مئات الصفحات التي كُتبت، ولي فيها حصة، عن مخاطر الوجود العسكري الأجنبي على السيادة الوطنية واستقلال القرار الوطني. وصحيح أن نوابنا ليسوا بحاجة لوجع رأس إضافي، كما قال لنا بعض من سبقوهم في مجلس .2002 إلا أنهم الآن وقد نصّبوا أنفسهم مسؤولين عن ‘’المحافظة على أخلاقية وقيم المجتمع’’ قد يجدون الوقت مناسباً لرؤية أخطار استمرار الوجود العسكري الأجنبي على الأقل على الأخلاق والقيم بل وعلى أرواح الناس الذين ليس لهم في قاعدة الجفير جملٌ أو ناقة .

لقد رأينا كيف هاج أغلب نوابنا منذ الربيع الفائت وكيف وجدوا في فقرة فنية ضمن مهرجان ثقافي موضوعاً يوحدهم. ورأيناهم وقد تركوا لبعض الوقت التنابز بالألقاب والملاكمة ليصبحوا كالبنيان المرصوص لإدانة عرض فني اعتبروه يَمسّ أخلاق المجتمع وقِيَمه. أقولُ، لا حرج في تلك الهيجة المستمرة، بل لعل فيها خيراً. فلعل النواب ومنهم المشايخ السبعة في اللجنة التشريعية والقانونية ورئيسها يعيدون النظر في أولويات عملهم الرقابي والتشريعي، ولعلهم يجدون في الحادثة الأخيرة في قاعدة الجفير وفي مقتل المرحوم عباس الشاخوري قبل أشهر ما يدفعهم لربط الدفاع عن أخلاق المجتمع وقيمه بالحفاظ على أرواح الناس والدفاع عن السيادة الوطنية. أليس مجانين الجفير أولى بجهودهم من مجنون ليلى؟

 

[1] راجع: صحيفة ‘’الوقت’’، 14 أكتوبر/ تشرين الأول .2007

[2] Geoffrey Bew ، ?The navy killed my daughter? ، Gulf Daily News ، 20071026

[3] محمد السواد، ‘’النيابة تستمع للشهود ولا مشتبه فيهم’’، ‘’الوقت’’ 31 مارس/ اذار .2007

[4] الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والجمعية البحرينية لحقوق الإنسان: تقرير ‘’مائدة مستديرة حول التصديق وتطبيق النظام للمحكمة الجنائية الدولية في البحرين’’. المنامة 24 يونيو/حزيران .2004

[5] راجع: ‘’خلال لقاء لجنة التحقيق في (ربيع الثقافة) بوزير الإعلام.. كاظم: نحن لسنا ضد الثقافة والإبداع لكننا ضد مخالفة هوية البلد’’ ? الوقت 25 أكتوبر/ تشرين الأول .2007

[6] راجع: ‘’فوز رؤساء اللجان بالتزكية’’، أخبار الخليج 24 أكتوبر/ تشرين الأول .2007

 

صحيفة الوقت

Tuesday, October 30, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro