جمعية العمل الوطني الديمقراطي - وعد - الدول الخليجية وانخفاض الدولار

English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الدول الخليجية وانخفاض الدولار
القسم : عام

| |
2007-11-30 10:39:57


 

 

janahi.jpg قبل أسابيع أعلن الاحتياط الفيدرالي الأمريكي خفض سعر الفائدة من 5.25% إلى 4.75%، وما لبثت وان انعكس هذا التحول في سياسة سعر الفائدة الأمريكية على الاقتصاد العالمي. وعربيا أعلنت دولة الكويت لوحدها من بين جميع دول مجلس التعاون فك ارتباط الدينار الكويتي بالدولار والعودة إلى سلة العملات التي كان الدينار مرتبطا بها قبل عام 2003م. وبالتالي سارت الكويت في اتجاه تقليل تأثر عملتها بالدولار أسوة بالعديد من دول العالم.

 

لماذا اتخذت الإدارة الأمريكية هذا القرار؟

 

الاقتصاد الأمريكي رغم أزماته وعجوزات موازناته إلا انه سجل نموا يقدر بنحو 4% للفصل الثاني من العام الحالي، ولذا فهو ما يزال الاقتصاد الأفضل أداء قياسا بالاقتصاد الأوربي أو الياباني.

ويهدف الاحتياطي الفيدرالي بهذا القرار تصحيح أوضاع القطاع المصرفي الأمريكي والناجمة عن أزمة الرهن العقاري والتي تسببت بخسائر عديدة للعديد من المؤسسات المصرفية الأمريكية بل وغير الأمريكية والعاملة في سوق العقار الأمريكي.  فعلى سبيل المثال، تتوقع بعض المصادر الأمريكية أن يبلغ حجم الديون غير المدفوعة للقطاع المصرفي والمالي الأمريكي نتيجة لأزمة رهونات العقار الأمريكية بنحو 225 بليون دولار لهذا العام مقارنة بنحو 40 بليون لكل من عام 2005م و2006م على حدة.  كما يتوقع أن تؤدي هذه الأزمة إلى خسارة 1.5 مليون أمريكي لمنازلهم وخسارة وأفلاس نحو 100 شركة تمويل عقاري وعليه التسبب بخسارة نحو 100 ألف وظيفة في هذا القطاع لوحده.  ولعل أفضل تجسيد لأبعاد هذه الأزمة هي الخسائر التي أعلنتها بعض المصارف المالية الأمريكية وغير الأمريكية وعلى وجه التحديد الأوربية.  فقد أعلن كل من سيتي بنك أن خسارته بسبب هذه الأزمة قد بلغت 1.4 بليون دولار، في حين أعلن بنك ميرلي لانتش خسارة تقدر بنحو 7.9 بليون دولار.  اما على الصعيد الأوربي فقد أعلن كل من البنك السويسري المتحد والبنك الألماني خسارتهم لنحو 3.4 بليون دولار و 2.2 بليون يورو لكل منهما على حده.

لذلك فقد أتت آلية التصحيح لهذا الوضع المالي الصعب من خلال خفض تكلفة الائتمان، أي خفض سعر الفائدة.  فقيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض الفائدة يهدف لتحقيق هدفين رئيسيين وهما: (1) سيحفز خفض سعر الفائدة الاقتراض من أجل الاستثمار ومن ثم تفعيل أداء الاقتصاد الأمريكي وتفادي انتقاله من مرحلة النمو للركود بسبب هذه الأزمة. و(2) ستؤدي تلك السياسة النقدية إلى خفض تكلفة مديونية المقترضين وعلى وجه التحديد تقليل تكلفة الاقتراض للمتورطين في أزمة سوق العقار.

ومن جانب آخر فقد ترافق مع هذا المسار الآني مع فشل السياسة المالية لإدارة بوش، فحسب تصريح المحافظ السابق الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (آلان غرينسبان) الذي أمضى في منصبه أكثر من 18 عاما بدأها في عهد رونالد ريغان وأنهاها في مطلع فبراير 2006م في عهد بوش الابن، حيث هاجم بشدة سياسة الأخير المالية واتهمه بأنه استلم مدفوعات الدولة دون مسؤولية وساهم في تراكم عجز الميزانية، حيث تسلم الرئيس بوش منصبه عام 2001م عندما كانت الميزانية تسجل وفرا غير أن سنوات حكمه شهدت عجزا متواصلا على الرغم من استلامه للإدارة الأمريكية بموازنة بها فائض.

إضافة لذلك فقد هدفت سياسة خفض سعر الفائدة إلى خفض العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي عبر استخدام سياسة نقدية تؤدي إلى زيادة الصادرات وتخفيض الواردات وما تثمر عنها هذه السياسة من جذب للاستثمارات داخل السوق الأمريكية وزيادة ربحية وتحسين القدرة التنافسية للشركات الأمريكية، الأمر الذي يخلق المزيد من التوظيف وفرص العمل وتحسين مستويات المعيشة.

 

فوائد انخفاض الدولار على الاقتصاد الأمريكي

 

من المعروف أن انخفاض الدولار له فوائد عديدة على الاقتصاد الأمريكي، حيث يؤدي إلى رفع المقدرة التنافسية للمنتجات الأمريكية وبالتالي لزيادة الطلب على العمل والمساهمة في خفض معدل البطالة.

ومن جانب ثان فان انخفاض الدولار يؤدي إلى صعوبة بيع سلع الدول الأخرى داخل السوق الأمريكية وهو ما يعني انخفاض الواردات الأمر الذي يعني تقليل معدل العجز التجاري الضخم وعودة الأموال لداخل أمريكا.

ومن جانب ثالث للانخفاض في قيمة الدولار انعكاس مباشر على الصادرات والواردات من الخدمات ومنها على سبيل المثال الطلب الأمريكي على السياحة في الخارج.  فانخفاض قيمة الدولار مقابل العملات العالمية يتسبب في رفع تكلفة السياحة في خارج الولايات المتحدة مما يساهم في خفض إقبال الأمريكيين على السياحة في الخارج.  وعلى النقيض من ذلك تشجع هذه السياسة على زيادة الطلب الأجنبي للسياحة في الولايات المتحدة الأمريكية مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تخفيض العجز بجانب خلق العديد من الايجابيات الملموسة في تدوير العملة داخل القارة بدلا من خروجها.

والجانب الرابع فان محصلة انخفاض الدولار بجانب رخص التسوق والشراء داخل السوق الأمريكي حتى للسلع الأجنبية فان الشركات تتجه للمزيد من الاستثمار داخل الولايات الأمريكية ويبقى السوق الأمريكي أكثر جاذبية وربحية من الأسواق الأخرى، وهو الأمر الذي يؤدي على المدى الطويل النسبي إلى جذب المزيد من الاستثمارات الخارجية التي قد تهرب وتتضرر آنيا من جراء انخفاض الدولار الحالي.

 

الضرائب والعجز في الموازنة

 

من المتعارف عليه بان استمرار عجز الموازنة لمدة طويلة يؤدي إلى هبوط العملة، وما تشهده أمريكا من عجز تجاري كبير إلى جانب العجز المالي في الميزانية الفيدرالية والذي وصل في عام 2001م إلى 800 مليار دولار أي ما يقارب 7% من إجمالي الاقتصاد الأمريكي، الأمر الذي يضغط نحو التخفيض. ومما يساهم في تفاقم هذه الأزمة قيام الحكومة الأمريكية في عهد رئيسها الحالي بتنفيذ سياسة ضريبية تقلصية والتي تهدف إلى المزيد من التخفيضات الضريبية الأمر الذي أدى أيضا إلى نقص في موارد ومصادر الموازنة بلغ عدة مليارات وهو ما أدى إلى استفحال العجز في الميزانية العامة.

وبالطبع فان تكاليف الحروب التي تخوضها الدولة الأمريكية تساهم في زيادة هذا العجز، غير أن النهب المخفي وغير المعروف للنفط العراقي هو الجانب الذي لا بد من كشفه لمعرفة مقدار السرقة وفوائدها الكبيرة على الاقتصاد الأمريكي والتي على أساسها ما زالت الإدارة الأمريكية مستمرة في إصرارها البقاء على ارض الرافدين.

 

التأثيرات السلبية على اقتصاديات دول مجلس التعاون

 

وكما أن انخفاض الدولار له فوائد على الاقتصاد الأمريكي فهو له تأثيرات سلبية على اقتصاديات الدول الأخرى، وبالأخص تلك التي تصدر سلعها للأسواق الأمريكية بما فيها سلعة النفط. فتدني سعر الدولار يؤثر بصورة بالغة على اقتصاديات الدول الآسيوية خاصة الصين وكوريا واليابان والتي تحتفظ باحتياطي كبير من عملتها بالدولار.

ومن جهة ثانية فان هبوط الدولار يؤثر على أسعار الأسهم في أسواق المال وزيادة قيمة العملات الصعبة الأخرى كاليورو والين وكذلك أسعار المعادن كالذهب مما يشكل عبئا كبيرا على هذه الدول التي تتقلص صادراتها من جراء ارتفاع أسعار منتجاتها.

خليجيا فان هبوط الدولار وان كان يؤثر على شرائها من السلع الأوربية حيث أن ارتفاع اليورو أمام الدولار الذي وصل إلى 6.7% يؤثر على القدرة الشرائية للدول الخليجية، فما تحتاجه لشراء سلعة ما من أوربا أصبح يزيد 25% على سعرها قبل عام، وكذا الحال مع اليابان ونسبيا مع باقي دول شرق آسيا. إلا أن واردات دول مجلس التعاون من السلع الأمريكية تتجه إلى الازدياد، الأمر الذي يعني - لو كانت إرادتها الاقتصادية كما السياسية - بيدها لاستفادت الاستفادة المثلى من هبوط الدولار وذلك عبر اتخاذها قرارات لصالحها: أهمها فك ارتباط عملاتها الوطنية بالدولار لتبقى مستقرة نسبيا، والاتجاه نحو الارتباط بسلة عملات. وبذلك تستطيع الدول الخليجية أن تستفيد من انخفاض الدولار من ناحية وذلك بزيادة وارداتها التجارية من السلع وهو الأمر المفيد للطرفين الأمريكي والخليجي، حيث تتمكن الدول الخليجية من تخفيض مستويات التضخم المستورد وخلق استقرار في مستويات الدخل والأجور داخل أوطانها التي يواجه فيها المواطن من غلاء وارتفاع كبير في الأسعار أمام جمود وبطء ارتفاع الأجور والرواتب.

ومن الجانب الأمريكي فان زيادة صادراتها للدول الخليجية سوف تساهم في تخفيض العجز التجاري لديها.

إن استمرار تثبيت عملات الخليج بالدولار (ماعدا الكويت) وكذلك ارتباط بيع النفط الخليجي بقيمة الدولار الأمريكي هما العاملان اللذان يذوبان وينهيان أي تأثير ايجابي على الاقتصاد الخليجي من جراء انخفاض الدولار. وعليه فان المصلحة الوطنية تتطلب اتخاذ قرارات جريئة لفك الارتباط بالدولار بل التفكير الجدي في فك ارتباط بيع النفط الخليجي بالدولار والتوجه لليورو على سبيل المثال أو بسلة عملات على اضعف الإيمان أمام هشاشة الإرادة السياسية للأنظمة الخليجية.

إن استمرار ارتباط بيع النفط بالدولار يعني تراجع قيمة عائدات دول الخليج النفطية المقومة بالدولار وبالتالي استمرار خسائرها غير المبررة،  فأكثر من 20 مليار دولار سنويا تخسر حكومات دول الخليج من عائدات النفط بسبب ارتباط عملاتها بالدولار الضعيف.[1]

 

هذه الأزمة ليست الأولى ولن تكون الأخيرة

 

الاستثمارات العربية الخارجية المقدرة بأكثر من 1.5 تريليون دولار فقدت الكثير من قيمتها مع تراجع الدولار أمام اليورو والين. خليجيا فان الفوائض النقدية المستثمرة في سندات حكومية أمريكية يقل العائد عليها بسبب ضعف قيمة الدولار الأمريكي.

إن الأزمة الراهنة التي تواجهها العملة الأمريكية ليست الأخيرة، حيث وقعت الأزمة الأولى في السبعينيات من القرن الماضي والتي أدت إلى تغيير النظام النقدي الدولي وذلك بانهيار نظام الاحتياطي من الذهب. وتتالت الأزمات التي أضرت بالاقتصاديات العالمية من جراء ارتباطها بالدولار الأمريكي، وآخرها أزمة الثمانينات وذلك في خضم الصراع الاقتصادي الأمريكي الياباني، وتلتها الأزمة الأمريكية مع المنتجات الصينية والذي تمكن من حلها جزئيا آنذاك عن طريق توفيق أسعار العملات وتعويم بعضها وخفض البعض الآخر، وهو الحل الذي عرف باتفاقية بلازا والتي أدت إلى خفض قيمة الدولار إلى مستوى مقبول للعملات الأخرى، ولكن كان ذلك بمساعدة ودعم وموافقة من البنوك المركزية للدول الأوربية وشرق آسيا وبالأخص اليابان.

وإذا كان صندوق النقد الدولي يدفع بنفس الاتجاه في الأزمة الراهنة للاقتصاد الأمريكي ويدفع على تكييف أسعار العملات العالمية بحيث تصبح المنتجات الأمريكية ارخص والمنتجات الآسيوية أعلى نسبيا بهدف ضمان التوازن وخفض العجز في الميزانية الأمريكية، إلا أن الصندوق ينتقد بشدة السياسات العشوائية والمستعجلة للإدارة الأمريكية والتي قد تكون لها عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي، وهذا ما صرح بها رود ريغو راتو مدير الصندوق السابق الذي أعلن بان زيادة أسعار المنتجات المستوردة قد تؤدي إلى التضخم الأمر الذي يدفع البنك المركزي إلى رفع نسبة الفائدة مما يؤثر على فوائد السلف العقارية وهي بدورها تزيد من التضخم من جديد.

بيد أن حل هذه الأزمة الدائرية ليست في اتخاذ قرارات مستعجلة كما حدث في البيت الأبيض حسب تصريحه، وإنما عبر اتخاذ قرارات مشتركة والتي لم تستوعبها الإدارة الأمريكية لغاية الآن وبان ميزان القوى الرأسمالية أصبحت ليست بيدها كما كانت في بداية السبعينيات وإنما أصبح الاقتصاد الأمريكي مرتهنا في جزء كبير منه بشبكة المصالح مع باقي الدول الرأسمالية الأخرى.

إن اقتصاديات دول الخليج العربية أصبحت مرتبطة عضويا بشبكة العلاقات التجارية والمالية والاستثمارية مع باقي اقتصاديات العالم، شانها شان الآخرين، ولم تعد تعتمد فقط على أسواقها المحلية، كما لم تعد تعتمد فقط على السوق الأمريكي. وبالتالي فان من مصلحتها استثمار قوتها النفطية الضخمة والتي هي بمثابة مصرف مركزي ودولي تحت الأرض من تأسيس استقلالية نقدية ومالية لسياساتها وعدم الرضوخ لقرارات البنك الفيدرالي الأمريكي كما هو حاصل عمليا في الوقت الراهن!.

 إن معيار وجود الإرادة السياسية المستقلة للأنظمة الخليجية تتوضح عند هذه المحطات المفصلية، وهي محطات تمس مصير شعوب المنطقة ورفاهيتها وتنميتها واستقرارها.

 

[1]                (المرجع: افتتاحية جريدة الخليج الاقتصادي).

 

 

 

 

نشرة الديمقراطي - العدد 42 - نوفمبر 2007

 

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro