English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نظرة على الدور التاريخي لأجور «بابكو»
القسم : عام

| |
2007-12-04 10:30:00


 

منذ الطفرة النفطية في سبعينات القرن الماضي، ازداد الاهتمام بمتابعة آثار الاقتصاد الرَيْعي على مجتمعات بلدان الخليج العربية، هذه البلدان ومؤسساتها بما في ذلك نظمها السياسية. ولقد ركزت بعض هذه الدراسات على التنقيب عن الملامح العامة المشتركة بين الدول الريعية في الخليج ومحاولة استشراف احتمالات تطورها في المستقبل[1]. ولقد ناقشتُ في بعض ما كتبتُه في السنوات الأخيرة أسباب تكرار فشل محاولات إنجاز بناء الدولة في البحرين بتداعيات الاقتصاد الريعي بما في ذلك دور السلطة في تنامي تأثير التعاضديات لتكون بديلاً للانتماء الوطني بل وعائقاً له .

بغض النظر عن موقفهم من ‘’الريْع’’ كأداة تحليل يتفق أغلب المهتمين على أنه لا يمكن فهم الواقع السياسي في بلدان الخليج ولا مستقبل تطورها من دون متابعة تأثير النفط، مورداً ومخزوناً وإنتاجاً واقتصادا وعلاقات دولية وإقليمية. إلا أن أياً منهم لا يستطيع الإدعاء أن من الممكن فهم سلوك الدولة في الخليج عبر حصر الاهتمام بهذا الجانب وحده. ليس جديداً هذا الدور المركزي الذي يلعبه النفط في تشكيل مجتمعاتنا وصياغة خياراتها. ولتقدير أهميته التاريخية نحتاج للنظر مثلاً إلى ما كانت عليه أوضاعنا في البحرين قبل اكتشاف النفط. وسأكتفي هنا بالإشارة إلى دور شركة نفط البحرين (بابكو) في تشكيل سوق العمل وزرع اللبنات الأولى التي ستحدد ملامح مجتمع البحرين كما نعرفه الآن. سأركز فيما يلي على دور (بابكو) في إدخال نظام الأجور الحديث معتمداً على معطيات بحثٍ[2] نشرته مجلة ‘’الطريق’’ العام 1980 ضمن عددٍ خاص عن ‘’نشوء وتكوّن الطبقة العاملة في البلدان العربية. معلومٌ انه حتى في فترات ازدهار تجارة اللؤلؤ لم يكن عامل البحر وصيد اللؤلؤ يستلم أجوراً بالمعنى المتعارف عليه. بل كان يستلم سلفةً يقوم بتسديدها حين يُباع المحصول وحين يستلم حصته من ثمن ذلك المحصول. وتتدخل اشتراطات كثيرة وأعراف المهنة في تقليص قيمة المحصول وحصة العامل منها. ولقد ترافق نمط المحاصصة المعتمد في مهنة صيد اللؤلؤ مع نظام توريث الديون مما كان يعني تحويل العاملِ في البحر، غيصاً أو سيباً أو رديفاً أو تباباً، إلى قنٍ يملك قوت عمله وقوت عمل أطفاله ‘’طواشٌ’’ أو ‘’نوخذة’’ لا يرحم. ولم يكن حال قنُّ البحر المثقل بديونه علاوة على ديونٍ ورثها عن أبيه أحسن حالاً من عبدٍ مملوك. فبالنسبة للفئتيْن كانت فترة ما قبل النفط فترة قهر وظلم. ولهذا كانت هاتان الفئتان، العبيد وأقنان البحر، هما أكثر من استفاد من التغييرات التي فرضها الاستعمار البريطاني في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ومعلوم أن تلك التغييرات المفروضة والمتعسفة، لكن الثورية في أفقها التاريخي، قد أدت إلى تحريم العبودية بإعلان البريطانيين عن منح صكوك الحرية لكل رقيق يلجأ إلى مقر المقيم السياسي البريطاني. كما أدت إلى إلغاء جباية ضريبة ‘’الرقيبة’’ علاوة على إلغاء توارث الديون مما أدى إلى تحرير الأقنان وأبنائهم من قبضة الفئات المتنفذة .

أدخلت صناعة النفط عنصراً جديداً لم يعرفه الناس من قبل. فلأول مرة يكون صاحب العمل شخصية اعتبارية. وفوق ذلك كانت (بابكو) زرعاً وحشياً ومن دون جذور في المجتمع بل كانت خارجية عنه ومفروضة عليه. ولهذا لم تتصرف (بابكو) مثلما كان يتصرف شيخ القبيلة أو شيخ السوق أو شيخ الدين. ولا هي كانت ابنة طائفة ولا قبيلة أو قرية أو حي .

لم تأتِ (بابكو) بأساليب وأدوات جديدة للإنتاج فحسب، بل أيضاً بنظام عمل غير معهود في تنظيمه وانتظامه وفي ارتكازه على استغلال العمال استغلالاً شموليا وشديداً لكن غير شخصاني. أي من دون النظر إلى خلفياتهم الاجتماعية أو طوائفهم أو أصولهم. كانت تلك عيوب (بابكو) وميزاتها في آن معاً. لقد كان العمل قاسياً وشروطه مجحفة لكنها لم تكن تميز بين عمالها. رغم أن نشاطها اعتمد في بدايته على مقاولٍ لتوريد العمال وكان هذا يقتطع ما يستطيع من حقوق العمال. إلا أن ما هو ثابت أن الشقاء كان عميماً كما كان قاسماً مشتركاً[3]. ستساهم هذه الخاصية مع عدة عوامل أخرى في تأهيل (بابكو) لتولي دور القابلة القانونية لمجتمع البحرين الذي نعرفه الآن حتى بتشوهاته. صحيح ان (بابكو) لم تكن أول شركة أجنبية ذات طابع حديث تعمل في البحرين، إلا انها تميزت عما سبقها بحجمها وبتغلغلها في نسيج المجتمع. وتكفي الإشارة هنا إلى أن (بابكو) كانت في منتصف القرن الماضي تستخدم بشكل مباشر أو غير مباشر ما يقارب 40% من قوة العمل في البحرين آنذاك[4 ].

من بين أهم ما أدخلته (بابكو) هو نظام الأجور المنتظمة الذي سهل نشوء عدة ظواهر جديدة استندت على حصول العمال على جزء من ثمرات عملهم في صورة أجور ثابتة ومنتظمة ومحددة مسبقاً. سيكون لتوافر الأجر النقدي الثابت والمنتظم انعكاساته في نشوء سوق استهلاكية محلية ستتمكن من النمو مستفيدة من السيولة النقدية التي توفرها أجور العاملين في (بابكو)، والمهن المترافقة معها أو التي نمت في ظلها. كما ستستفيد هذه السوق من استثمار الحكومة لجزء من حصتها من عوائد النفط عبر نمو الجهاز الحكومي وتزايد الوظائف فيه وعبر الإنفاق على البنى التحتية والخدمات الصحية والتعليمية .

ومن بين الانعكاسات الاجتماعية الأخرى لنظام الأجور الحديث يبرز التفتيت التدريجي للعائلة الممتدة لتأخذ مكانها الأسرة النووية التي نشأ فيها أغلب الجيل الحالي. كما يندرج فيها إضعاف مصادر السيطرة الأبوية ضمن العائلة مما سهل استقلال الأبناء والبنات الذين استفادوا أيضاً من اتساع الخيارات التي أتاحها التوسع في التعليم وتكاثر فرص العمل، وخصوصاً في (بابكو) نفسها وفي الحكومة .

جلبت صناعة النفط علاقات وشروط عمل حديثة بما في ذلك العمل المنتظم ومحسوب الوحدات، أجراً وتوقيتاً وإنتاجاً. كما إنها بذرت البذور الأولى لطبقة عاملة محلية ناشطة وكفاحية. فحول هذه الطبقة وعلاقتها بأصحاب الأعمال ستتمحور التطورات السياسة التي ستشهدها البلاد في العقود الأربعة التالية أي إلى منتصف السبعينات وبداية الطفرة النفطية حين بدأ دور هذه الطبقة المحلية في الاضمحلال. وهنا أيضاً يلعب اقتصاد الريْع دوره. إلا ان لذلك قصة أخرى .

 

[1] انظر على سبيل المثال المساهمات المختلفة في: عبدالهادي خلف وجاكومو لوشياني (محرران): ‘’الاصلاح الدستوري والمشاركة السياسية في منطقة الخليج’’، مركز الخليج للابحاث، دبي .2007

[2] أنظر ، ‘’النفط والحركة العمالية في الخليج - المثال البحراني’’، الطريق، العدد 3-,1980 ,4 الصفحات 259-.280

[3] أحيل المهتمين بهذا الجانب في موروثنا الشعبي إلى قصيدة ‘’مناظرة بين الغوص ومنابع النفط’’. وهي قصيدة طويلة كتبها الملا عطية بن علي الجمري في العام 1353 هجري، أي في السنة الثالثة من بدء عمل بابكو .

[4] انظر مقالي: ‘’حول ملابسات قيام أول تنظيم نقابي في الخليج’’، الطريق، العدد ,1979 ,38 ص .104

 

 صحيفة الوقت

Tuesday, December 04, 2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro