English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شجاع حين خاف الكثيرون
القسم : عام

| |
2007-12-18 16:21:57


 

 29blog_author100crop.jpg

في الاحتفالية المزدوَجة التي أقامتها صحيفة ‘’الوسط’’ في نهاية الشهر الماضي عبّرت كلمات كثيرة عن مشاعر الحب تجاه المغفور له الشيخ عبدالأمير الجمري وتجاه المناضل أحمد الشملان، أمد الله في عمره. ومن بين ما قيل من عبارات جميلة كثيرة استوقفني ما قاله فاضل الحليبي عن أن الشملان كان صوت الحق عندما خاف الكثيرون.

حقاً ظلّ أحمد الشملان شجاعاً في وقتٍ خاف فيه كثيرون. ولكن شجاعته لم تنحصر في صموده أمام السلطة بل وأيضاً في مواجهة بعض ‘’الرفاق’’ الذين شككوا طوال التسعينات في صواب الخط الذي سارت عليه الحركة الدستورية التي كان الشملان في صدارتها. وهنا أستعيدُ ما يشير إليه علي ربيعة في كتابه الأخير حول اعتراض قلة معروفة من اليساريين على التحالف مع الدينيين واعتبارهم ذلك نوعاً من الانتهازية التي سيدفع اليسار وحده ثمنها. ولقد أوضح ربيعة أن بعض هؤلاء رفض حتى التوقيع على عريضتيْ 1992 و1994 بل وشَنَّ أحدهم نقداً لاذعاً وعنيفاً في الصحافة الحكومية ضد من وقَّعَ على العريضتيْن من المناضلين اليساريين.

كان عقد التسعينات عقداً مراً في البحرين كما في المنفى. فلقد عكست مواقف بعض رفاقنا في المنفى الموقف نفسه الرافض للمشاركة في الحركة الدستورية. وفي المنفى أيضاً تكررت التبريرات المعهودة التي أشار إلى بعضها علي ربيعة في قراءته لتلك الفترة من تاريخنا الوطني. ومن بين تلك التبريرات اعتبار التحالف مع الدينيين ذيلية وانتهازية ناهيك عن أنه تحالف مع قوى ظلامية، والعياذ بالله. وبالمقابل وجدنا بين الدينيين في المنفى من برّر تقاعسه بإعلان استنكافه من التعامل مع اليساريين محذراً من عواقب ‘’تمكينهم’’ بما في ذلك الترويج للعلمانية التي هي رجس من عمل الشيطان، والعياذ بالله أيضاً. إلا أن كلّ الذي سمعناه ونسمعه إلى اليوم من ثرثرة حول ‘’نجاسة’’ هذا و’’ظلامية’’ ذاك لا يُخفي أن القاسم المشترك بين المتقاعسين اليساريين والدينيين كان الخوف وانكسار العيْن.

أعرفُ من عاش طوال عقد التسعينات دون أن يكتب سطراً واحداً حول الأوضاع في البحرين وقتها، ناهيك عن أن يدين ممارسات السلطة. وأعرفُ مَن رفضَ توقيع أيٍ من عشرات العرائض والبيانات التي وقّعها رفاقه المنفيين الآخرين. بل إنك حين تبحث في أرشيف التسعينات لن تجد بعض الأسماء اللامعة الآن في أيٍ من تلك البيانات والعرائض المشتركة أو حتى الحزبية. كان الخوف مستشرياً فاحتمى البعضُ بالصمتِ بينما احتمى آخرون بترديد الجُمَل الثورية. ورغم إلحاحنا وملاحقتنا لهم بالتلفون والفاكس والبريد الإلكتروني ظلَّ بعض أصحابنا صامتين لأكثر من عشر سنوات رغم ما شهدته البلاد من المآسي. ولكنهم سرعان ما أفاقوا من بياتهم الشتوي الطويل بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني. فرأيناهم منذُ ذاك يتدافعون بالمناكب وما دون المناكب نحو مواقع الوجاهة الجديدة التي استحدثتها السلطة. ولهذا لم يكن مستغرباً أبداً أن تصطفي السلطة بعض هؤلاء لتعهدهم برعايتها وأفضالها.

في بداية الانتفاضة التسعينية زارنا في السويد ضيفٌ حملَ معه ‘’ورقة تحليلية’’ تقع فيما يزيد عن ثلاثين صفحة قال إنها متداولة بين الرفاق في البحرين. احتوَت الورقة على كل كلمات الشفرة اليسارية بدءاً من ‘’الطبقة العاملة والفئات الكادحة’’ وانتهاء بتعداد مهمات ‘’الثورة الوطنية الديمقراطية’’. رغم تغليفها بقشرة يسارية كان واضحاً أن مضمون الورقة هو نفسه ما يُروِّج له إعلام السلطة في الداخل والخارج ضد الحركة الدستورية بغرض تشويه صورتها وإبرازها كحركة ريفية وطائفية في أيدي ملالي إيران. لم تكن تلك الورقة البائسة محاولة لتحليل الوضع السياسي في البلاد وآفاقه بقدر ما كانت محاولة للتحلل مما يفرضه ذلك الوضع من واجبات على كل وطني وتقدمي. وبطبيعة الحال لم يتقبل الضيفُ تسفيهي لتلك الورقة. ولم يقبل قولي إنها وإن لم تكن من تأليف هندرسون وجهازه فهي تصب في خدمتهما. بعد سفر الضيفِ انقطع التواصل بيننا ولم نسمع عنه أو منه شيئاً حتى عودتي إلى البحرين غداة التصويت على الميثاق حين وجدته قد صار من جملة الوجهاء الجُدُد.

أحد مصادر الخلل في تلك الورقة ومثيلاتها هو تصويرها الوضع القائم في البلاد بأنه نتاج علاقة مثلثة الأضلاع أطرافها السلطة والقوى الوطنية (بما فيها اليسار) والدينيين. ولا يخفى على المتابع وجود أطراف أخرى قوية خارجية ومحلية تؤثر في الوضع وفي احتمالات تطوره. كما لا يخفى أن في داخل الأطراف الثلاثة المذكورة ذاتها تيارات تتجاذب وتتدافع فيما بينها. ففي السلطة تيارات متعددة يستخدمُ بعضها إمكانات الدولة لشراء الولاء بينما يرى بعضها الآخر أن نشر الخوف واستبطان القمع كفيلان بانتزاع ولاء الناس. كما تنقسم القوى السياسية بما فيها التيارات اليسارية والدينية إلى مِلَلٍ ونِحَل بعضها يرى بسبب الطمع أو الخوف (علاوة على التكتيك والتقية) أن غاية المُراد من رب العباد هو أن تقبله السلطة منضوياً تحت رايتها وبشروطها. ولحسن الحظ فإن غالبية اليساريين وغالبية الدينيين كانوا، في التسعينات، يتشاركون في الحلم بوطنٍ للجميع وبدولة دستورية تحتضن مواطنيها كافة.

حقاً ظلّ الشملانُ صامداً حين عمَّ الخوف وانكسرت أَعْيُن. ولهذا يستحق أن يقف الآن مثل نخلة باسقة وارفة يسعى كثيرون للاستظلال بها، ويهزُّون جذعها ليلتقطوا خيرَها ثمراً جنيا. فلولا ما تمتّع به الشملان وأمثاله من صلابة وشجاعة لزادت شراسة المتطرفين في السلطة. ولولا شجاعة من نعرف ولا نعرف ولولا صلابتهم لتمادى باعة الجُمل الثورية في تبرير تقاعسهم. لقد ظل الشملان وأمثاله مخلصين لقناعاتهم الوطنية وخياراتهم التقدمية في وقتٍ تخلى عنها بعضُ رفاقهم بل وانزاحوا إلى الضفة الأخرى خوفاً من سيف المعز، أو طمعاً في ذهبه. وهنا لا بد لي من تثمين الموقف النقدي المسؤول الذي أعلنه المغفور له أحمد الذوادي قبل أشهر من وفاته بتأكيده على أن المواقف المترددة التي اتخذتها تلك القلة من اليساريين في التسعينات بما فيها إدانة التحالف مع الدينين هي مواقف شخصية تخص أصحابها وحدهم. آملاً أن يكون ما قاله أبو قيس دافعاً إضافياً للتعلم من دروس الماضي بما فيه من أخطاءٍ وخطايا والتخلص منها ومن تداعياتها المستمرة. ففي آخر الأمر لا يصح إلا الصحيح.

 

صحيفة الوقت

‏18 ‏ديسمبر, ‏2007

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro