English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

«.. ومثلي لا يبايع مثله»
القسم : عام

| |
2008-01-19 15:24:02


 

 

  ليست مقولة مذهبية ولا طائفية، بل هي مقولة سياسية وتوحيدية بامتياز. فقد كان الإمام الحسين (ع) يتحدث عن حاكم يريد فرض البيعة على الناس جميعا بقوة الحديد والنار. لكن الأمر لم يكن كما أراد يزيد، الخليفة الأموي الثاني. كان هذا الحاكم أكثر الحكام جهلا بالواقع الذي كان يفترض أن يحكمه، وكان بعيدا كل البعد عن المجتمع الذي كان يعمل للسيطرة عليه من بوابة رئيسية هي مبايعة من تبقى من عترة آل بيت محمد (ص). وقد كان الإمام الحسين (ع) الذي ورث الشجاعة والإباء وتوحيد الكلمة والموقف عن أبيه الإمام علي (ع) وجده النبي محمد (ص) مدركا لما يجري في القصر الأموي. لم يطلب الحسين (ع) الخلافة التي كان أحق بها في زمن الردة، ولم يطلب جاهاً، ولم يبحث عن حالة متقدمة في القيادة السياسية. كان يبحث عن حالة من الحد الأدنى للعدل الذي مال ميزانه.

كل ما فعله الحسين (ع) انه لم يبايع الظلم ومؤسساته القمعية المتفسخة حتى النخاع، فيما كان الخليفة القادم على جماجم الموتى مهتم ومصرّ على ان يكون عترة رسول الله (ص) أول المبايعين. لذلك قال الإمام الحسين (ع) مقولته الشهيرة ‘’والله لقد خيرنا الدعي ابن الدعي بين السلة والذلة .. وهيهات منا الذلة’’.

لم تؤتِ ثمارها تلك الرسائل التي بعثها يزيد وتحوي ترغيبا وترهيبا للإمام الحسين (ع) فأعلن ‘’لم اخرج أشرا ولا بطرا، ولكن خرجت من اجل الإصلاح في امة جدي رسول الله’’. الإصلاح الذي تنشده الأمة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا ولا تزال تطالب به. إصلاح يغير الحال التي آلت لها الأوضاع البائسة للأمة المسيّرة بالشهوات. شهوات السلطة والقيادة والتسلط وحب جمع المال حبا جما على حساب المنكوبين من عامة الناس الذين يقاتلون من اجل لقمة عيشهم وكرامتهم مثلما قاتل اهل بيت الحسين (ع) وأنصاره من اجل عزتهم ورفع مكانة الدين وحقوق الإنسان في اختيار الحاكم.

لم يكن الحسين (ع) مغامرا، لكنه كان يدرك أن الدم الزكي الذي تفجر في كربلاء كفيل بالحفاظ على المبادئ التي تستحق أن يراق من اجلها هذا الدم. فقد تيقن أن الميزان السياسي قد اختل منذ عهد معاوية الذي فرض الأمر الواقع، لكن ابا عبدالله (ع) كان في طريقه لمواصلة نهج الشهادة، حين صرخ بملء فمه في وجه مبعوث يزيد الذي أراد إقناعه بالبيعة ‘’أتهددني يا ابن الزرقاء؟!’’.

لم يبايع الإمام الحسين (ع) يزيد.. وبقية القصة معروفة، فقد أصر ابن معاوية على أن تأتيه البيعة من الحسين بأي ثمن ‘’ حتى وان كان متعلقا بأستار الكعبة’’.

يزيد أراد الحكم بالحديد والنار، بينما الأمام الحسين (ع) أراد المجد والخلود وعدم الرضوخ للذل والهوان، فكانت المعركة غير المتكافئة بين بضعة مخلصين للقضية وبين جيش جرار أغلبه مرتشٍ. كان يزيد يريد أن يفرض واقع الظلم والطغيان، بينما كان الحسين (ع) يضحي من اجل العدالة والإنصاف ونصرة المظلوم. لذلك ليس غريبا ان يبحث المستشرقون ويحللوا واقع الثورة والنهضة الحسينية التي تركت آثارها ومبادئها رحيقا لكل الأحرار في العالم. ألم يقل المهاتما غاندي بطل استقلال الهند ومؤسس دولتها ‘’لقد تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوما فانتصر’’. هذا القول يكفي الثورة الحسينية فخرا بأن اكبر دولة ديمقراطية في العالم تعلمت من ثورة الحسين (ع) حس العدالة والتضحية فانتصرت على الاستعمار البريطاني وظلمه.

اليوم، العاشر من محرم الحرام، هو ذكرى سيد الشهداء وأهل بيته وأنصاره.. ذكرى معركة الطف التي انتصر فيها الدم على السيف، وتساقطت دولة الظلم إلى مزبلة التاريخ، ليبقى وهج الثورة الحسينية الموحدة الرافضة للطائفية والفئوية والظلم.

بعد أكثر من أربعة عشر قرنا لا تزال الثورة الحسينية تحت مجهر المحللين، يقرأونها بطرق جديدة، ويبحثون في اسرارها عن المعاني.

 

صحيفة الوقت

‏19 ‏يناير, ‏2008

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro