English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

كربلاء في غزة.. لا ناصر ولا معين
القسم : عام

| |
2008-01-22 09:51:35


 

 

 

  في الخامس عشر من يناير/كانون الثاني جرى تنفيذ عمل إرهابي استهدف سيارة تابعة للسفارة الأميركية في بيروت. لم يُصب أيُّ أميركي بأذى في الانفجار الذي أدى إلى مقتل لبنانييْن وسوري وجرح العشرات. بعد ساعات من انفجار السيارة الأميركية في منطقة ''الكرنتينا'' توجهت الولايات المتحدة الأميركية إلى الأمم المتحدة مطالبة ببيانٍ يندد بالعملية. ونجحت تلك الجهود في غضون أيام قليلة في استصدار قرار بالإجماع من مجلس الأمن يندد بعملية الكرنتينا. من جهته لم يفوِّت الرئيس الأميركي الذي كان يتجول في المنطقة العربية الفرصة لمطالبة مضيفيه بالتنديد بتلك العملية الإجرامية مشدداً على أهمية ملاحقة الفاعلين وتقديمهم للمحاكمة أمام القضاء الدولي .

في اليوم نفسه، أي الخامس عشر من يناير/كانون الثاني، تصاعدت وتيرة الهجمات المتعددة براً وجواً وبحراً التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد سكان غزة. وأدى هذا التصعيد إلى حدوث مجزرة جديدة كان ضحاياها هذه المرة سكان حَيّيْن في شرقي غزة، ''الشجاعية'' و''الزيتون''. وحسب الأرقام الأولية سقط في تلك المجزرة ثمانية عشر شهيداً وأكثر من 40 جريحاً. كما أدى تصعيد الهجمات إلى إلحاق الخراب بما تبقى من بنى تحتية و تدمير المنازل .

لكن أحداً لم يتوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار بيان يدين تلك المجزرة ولا ما تلاها من عمليات بما فيها مجزرة ليلة العاشر من محرم .

واكتفت الولايات المتحدة الأميركية على عادتها فيما يتعلق بفلسطين بالإعراب عن الأسف لمقتل ''الأبرياء''. وعلى عادتها أيضاً استمرت في مباركة عمليات القتل اليومية في كل من غزة التي ''تحتلها'' حماس أو في الضفة الغربية التي ''تديرها'' حكومةعباس/فياض. فأقصى ما يفعله الجانب الأميركي في العادة هو حث إسرائيل على تفادي إيذاء المدنيين والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها .

للأسف لم يعد مستغرباً ألا يتجرأ أيٌ من القادة العرب على مجرد طلب إضافة إدانة مجزرة حي ''الزيتون'' وحي ''الشجاعية'' في غزة إلى نص البيان الذي استصدرته الولايات المتحدة من مجلس الأمن تنديداً بعمل إرهابي استهدف إحدى سياراتها في بيروت. نعم لقد أستنكر عددٌ من الناطقين بأسماء وزارات الخارجية العربية توغل القوات الإسرائيلية في قطاع غزة باعتبار أن ''الاستهداف الإسرائيلي للفلسطينيين في قطاع غزة بهذا الشكل لا يناقض فقط قواعد القانون الإنساني الدولي، وإنما يصب في خانة إذكاء التوتر والدائرة المفرغة للعنف'' حسبما صرح به المتحدث باسم الخارجية المصرية .

ما يلفت النظر هنا أن ذلك المتحدث باسم مصر، عمق غزة الإنساني والإستراتيجي، بدلاً من المطالبة بإدانة دولية و بتوفير حماية دولية للفلسطينيين في غزة والقطاع اكتفي بمطالبة إسرائيل ''بالتوقف عن هذه الممارسات التي تؤدي إلى تأزم الموقف وضبط النفس، وناشد الفلسطينيين التوقف عن إطلاق (الصواريخ) التي تمنح الذرائع للجانب الإسرائيلي لمواصلة اعتداءاته، مؤكدا أن هذه الدائرة المفرغة لا تخدم هدف تحقيق السلام ''.

ما فات ذلك المتحدث العربي وأمثاله أن مجزرة حيي الشجاعية والزيتون هي استمرار لسياسة الاحتلال تجاه سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة. وليس لتلك المجزرة علاقة بإطلاق صواريخ أو عدم إطلاقها. ففي اليوم نفسه الذي كانت إسرائيل تجتاح فيه قطاع غزة كانت تقتحم أيضاً مناطق عدة في الضفة الغربية وتفرض منع التجول في بعضها على مدار الساعة وتقوم بعمليات المداهمة والاعتقال في بعضها الآخر. ومعلومٌ أنه لا يوجد في الضفة الغربية من يقوم بإطلاق الصواريخ التي يقول المتحدث الإعلامي إنها تمنح الذرائع لإسرائيل لمواصلة اعتداءاتها .

على مأساويتها كانت مجزرة حيي الزيتون والشجاعية بداية لحملة أخرى من حملات التركيع. فبعد أسبوع من بدئها أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استكماله إجراءات إحكام حصاره لقطاع غزة بعد أن أقفل كل المعابر المؤدية اليه، ليمنع عبور الأفراد ونقل المواد والمؤن. وصار لزاماً استصدار تصريح خاص من وزير الدفاع الإسرائيلي لإدخال اي مواد تموينية للقطاع بما فيها بودرة حليب الأطفال .

أدت حملة التركيع الحالية إلى سقوط العشرات يومياً بين شهيد وجريح في وقتٍ تفتقر غزة فيه لكل شيء. ولقد تناقلت وكالات الأنباء أن الناطق باسم ''الاونروا'' قد حذر من أن الوضع في القطاع ينذر بـ''كارثة''. فالوضع في غزة حسب الموظف الدولي سيئ إلى درجة ان الفلسطينيين لا يجدون الاسمنت لبناء القبور، بل إن المستشفيات توزع الأغطية كأكفان للموتى لعدم توافر أعداد كافية من هذه الأكفان. وأضاف ''حتى في الموت يؤثر الحصار على الفلسطينيين ''.

ما ترتكبه إسرائيل في غزة، كما في الضفة، هي محاولات دؤوبة لإعادة هيبتها التي ديست صيف 2006 حين دحر اللبنانيون وفي مقدمتهم مجاهدو حزب الله أسطورة الجيش الذي لا يقهر. وقتها لم يمرّغ اللبنانيون وحزب الله الآلة الحربية الإسرائيلية وحدها في التراب بل وأجبروا الولايات المتحدة وحلفاءها العرب على وقف اندفاعاتهم نحو إعادة رسم تاريخ منطقتنا ومستقبلها. ولا شك أن الولايات المتحدة الأميركية تحتاج إلى إعادة الحياة لتلك الأسطورة مثلما يحتاج إليها كثير من حلفائها العرب. فعلى أرضية هذه الأسطورة جرى تنفيذ برنامج تفكيك النظام الأمني العربي واستباحة الأرض العربية .

وهو برنامج ساهم في تدشينه أنور السادات، رئيس مصر السابق، حين اندفع على طريق الحل الانفرادي عبر اتفاقيات كامب ديفيد. ومعلومٌ إن تلك الاتفاقيات فرضت شروطاً مهينة بما فيها قبول تحويل شبه جزيرة سيناء إلى منطقة منزوعة السلاح إلا من السلاح التي توافق إسرائيل على أنواعه وأعداده وأماكن تخزينه .

لقد ازدادت وتيرة الحرب المفتوحة على أهلنا في غزة في أثناء وبعد زيارة الرئيس بوش إلى المنطقة. فمن وجهة النظر الإسرائيلية والأميركية لا بد من تركيع غزة كي تعود الحياة لأسطورة الجيش الذي لا يُقهر. فليس مقبولاً أن تتمكن غزة من الصمود ورفض الركوع أمام إرادة الاحتلال والسيد الأميركي رغم حصار صارم ومُحكم يلتزم به كل القادة العرب أنفسهم .

لا شك أن صمود غزة حتى الآن هو معجزة. بل هو أكثر من ذلك لأنه إنجاز من صنع نفس الناس البسطاء الذين صنعوا الانتصار العظيم في صيف .2006 هو إنجاز من صنع أولاد وبنات الناس الفقراء الذين لا مفر لهم من الموت قتلاً أو تعذيباً أو جوعاً أو قهراً إلا بالمقاومة .

 

 

صحيفة الوقت

Tuesday, January 22, 2008

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro