English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

شرق أوسط جديد حقاً
القسم : عام

| |
2008-01-29 10:34:02


 

 

 

  في صبيحة الثالث والعشرين من يناير/ كانون الثاني 2008 انهار الجدار الفاصل بين رفح المصرية وبين رفح الفلسطينية المحتلة وتدفق عشرات الآلاف من الفلسطينيين بعد أن تمكن بعض النشطاء من فتح ثغرات جديدة في الحاجز الحدودي بين المدينتيْن. كانت الناس تندفع كما شاهدنا على شاشات التلفزيون لتتزود باحتياجاتهم الغذائية والإنسانية بعد حصار محكم استمر لسبعة أشهر .

لن تستمر الحدود بين قطاع غزة وبين مصر مفتوحة لفترة طويلة. بل ان الضغوط الإسرائيلية والأميركية ستؤدي إلى إغلاق الحدود بل وربما إعادة إحكام الحصار على القطاع. إلا أن ما حدث منذ ذلك اليوم على الحدود الفاصلة بين الرَفَحَيْن ليس حدثاً عابراً. فما يقوم به أهلنا في غزة، ومقابلهم في مصر هو إنجاز تاريخي بكل ما للكلمة من معنى. ففي الأسبوع الماضي استطعنا عبر وسائل الإعلام المختلفة أن نتابع بالتفصيل كيف يكتب الناس البسطاء ممن لا حول لهم ولا قوة صفحات جديدة في تاريخ منطقتنا. وهنا لا يجوز استصغار الدور المصري فلولاه لأخذت التطورات التي نشهدها منحى دموياً ما كان ليخدم المصلحة المصرية ولا الفلسطينية. بل لابد من إكبار أن المسؤولين المصريين رغم قوة تأثير الولايات المتحدة الأميركية على قرارهم الإقليمي إلا أنهم صمدوا، حتى الآن، أمام تهديدات واشنطن المبطنة ودعوتها لهم ''لتحمل مسؤولياتهم على الحدود مع قطاع غزة ''.

هذه ليست أول مرة يلعب فيها الناس الطيبون البسطاء في غزة دوراً رياديا في تاريخنا. فلا أحد ينسى الحضيض الذي وصلناه بعد حدثيْن متلاحقينً ومترابطيْن. أولهما توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في العام 1978 التي نقلت مصر بكل ثقلها الإستراتيجي خارج معادلات الصراع العربي الإسرائيلي. وثانيهما فرض انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في العام 1982 مما أدى إلى إنهاء آخر مواقع الوجود الفدائي الفلسطيني على الحدود العربية مع إسرائيل. لقد غيّر الحدثان المعطيات الجيوسياسية في المنطقة وأكّدا قبول القيادات العربية بميلان ميزان القوى فيها لصالح إسرائيل والولايات المتحدة .

وقتها كانت العنجهية الإسرائيلية قد بلغت أوجها وبلغ الهوان العربي حضيضه. فلا حرب ستقوم وقد تم تكبيل إرادة مصر، عمق الأمة العربية الإستراتيجي وأملها، باتفاقيات كامب ديفيد. ولا مقاومة ستقوم إذا ما تم تحويل منظمة التحرير الفلسطينية إلى مكاتب اتصال وعلاقات عامة تدار من تونس. عندها راجت في إسرائيل فكرة ''الاحتلال غير المكلف'' أي إمكانية استمرارها في احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة دون كلفة سياسية أو مادية. وهي فكرة تعتمد بجانب ما سبق على الترويع المستمر للفلسطينيين من قبل سلطات الاحتلال كما تعتمد على فرض واقع ديموغرافي جديد عبر المشاريع الاستيطانية وتكثيف الهجرة اليهودية إلى إسرائيل من مختلف أنحاء العالم وبخاصة من مناطق الاتحاد السوفياتي سابقاً. ولضمان تحقيق فكرة ''الاحتلال غير المكلف لابد من إيصال الفلسطينيين إلى جدار اليأس فلا يروْن مخرجاً سوى الخنوع وقبول الواقع حتى يقضي الله أمره .

كانت ظواهر الأمور تشير إلى أن الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية قد بدأت تحقق أهدافها. إلا أن إرادة الناس كانت أقوى من الخطط التي يرسمها أعداؤهم. ففي صبيحة الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 1987 استيقظ العالم على واقع جديد صار رموزه أطفال فلسطينيون يحملون الحجارة كي يواجهوا بها مصفحات جيش الاحتلال. في ذلك اليوم دشّن الفلسطينيون مسيرة جديدة في تاريخنا. مسيرةٌ تعتمد على الناس وعلى مبادراتهم في مقاومة المشاريع التي يجري تنفيذها لتكبيل المنطقة وإرادة شعوبها. حين انتفضوا في العام 1987 ثم في العام 2000 نجح أهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة في إفشال المشروع الإسرائيلي الأميركي. لكن ذلك لم يكن سهلاً. لقد نجحوا بصدورهم العارية وبصبرهم على الجوع والحصار والتقتيل وفوق ذلك بوحدتهم في فرض مسار جديد و في إعادة الاعتبار للمقاومة كخيار ثوري .

لم تحقق انتفاضة الحجارة ولا انتفاضة الأقصى التي تلتها الاستقلال ولكنهما نجحتا في إنهاء الحلم الإسرائيلي بإدامة احتلال الضفة والقطاع أو إبقائه احتلالاً غير مكلف. لقد فرضت الانتفاضتان واقعاً جديداً حاول أن يتجاهله الموقعون على اتفاقيات كامب ديفيد و أوسلو. وهو الواقع الذي يقوم على الاعتراف بأن الفاعل الرئيس في حركة التاريخ هي الناس وليست التنظيمات أو القيادات والرموز. ففي هذا الواقع الجديد تصنع الناس المعجزات بأيديهم ولا ينتظرون الغوث من خارجهم. ولقد رأينا كيف أدى الوعي بهذا الواقع الجديد إلى تغيير مسار التاريخ في أثناء صيف 2006 طوال أكثر من شهر من المواجهات بين قوات الغزو الإسرائيلية المدعومة عسكرياً وسياسياً من الولايات المتحدة الأميركية وبين أهلنا في لبنان وفي مقدمتهم مقاتلو حزب الله .

شيئاً فشيئاً كانت الأساطير تتساقط. أسقط بعضها الأطفال الفلسطينيون في انتفاضتيْ الحجارة والأقصى. وسقطت أساطير أخرى في المقاومة العراقية للاحتلال الأميركي وسقط كثيرٌ منها في المواجهات التي دارت في جنوب لبنان. فليس العرب استثناء في تاريخ الشعوب وليس الجيش الإسرائيلي إستثاءً بين الجيوش. فليس ثمة من جيش لا تقهره إرادة الناس و تصميمهم على المقاومة .

يتذكر كثيرون وقاحة تصريح وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس في مؤتمر صحافي عقدته في بيروت في أوج العدوان الإسرائيلي على لبنان وأشارت فيه إلى ان ما يحدث في لبنان (أي تدمير البنى التحتية جراء الغارات الإسرائيلية على لبنان) هو ''مخاض ولادة شرق أوسط جديد'' وأن جل ما على الولايات المتحدة أن تفعله هو ضمان دفع الأمور قُدُماً في ذلك الاتجاه. ومعلومٌ أن غزو لبنان كان يهدف إلى تدمير حزب الله وإنهاء ظاهرة المقاومة ضمن مشروع متكامل لتوليد شرق أوسط جديد مهدت له اتفاقيات كامب ديفيد وأوسلو ثم احتلال العراق وما تلاه من إطلاق العنان لقوى ''الفوضى الخلاقة'' لتفتيت ذلك البلد ولإنهاء روح المقاومة فيه وفي غيره من بلدان المنطقة العربية .

أراجع الآن ما قالته الوزير الأميركية فأرى أنها لم تكن تكذب. فما كان يحدث في كلٍ من لبنان وغزة في العام 2006 كان بالفعل آلام مخاض ولادة شرق أوسط جديد. إلا أنه غير الذي كانت الوزيرة رايس ورئيسها وبعضُ حكامنا يحلمون به. هو شرقنا الذي رأيناه في قطعة حجر في يد طفل فلسطيني كما رأيناه في سلاح بيد مقاومٍ لبناني كما نراه في أعين مئات الألوف من الغزاويين وهم يتدفقون إلى رفح المصرية فيحتضنهم أهلها لتعود مصر كما كانت، أمل أمتنا وعمقها الإستراتيجي .

 

 

صحيفة الوقت

Tuesday, January 29, 2008

 

 

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro