English

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المواطنة بين الواقع والتمني (1)
القسم : عام

| |
2008-03-11 10:17:40


 

 

ثمة ما يُرشح من السجال المكثف الذي دار رحاه في ندوة «ثقافة المواطنة لدول مجلس التعاون الخليجي» التي عقدها معهد البحرين للتنمية السياسية في 24- 25 فبراير/شباط 2008 في المنامة .

 

السجال يشي بأنّ ملامسة مصطلح المواطنة ومفهومها يمثل إشكالية وأزمة أخرجت الشياطين من القمقم، وهذه الإشكالية والأزمة لا تقل في مستوياتها ومظاهرها عن مظاهر تأزم الواقع وانشطاراته، ذلك لأن عناصر الواقع وما تحمله من جذور ثقافية وأنساق سياسية ودينية ومكونات لقوى اجتماعية وتشكيلات تتداخل في تشابكها وعلاقات أفرادها وجماعاتها التي تقصف بنا في سياق تفاعلاتها وتصدمنا بهشاشة الوضع وما آلت إليه صراعاتها وأفرزته تعارضاتها المتأسسة في جوهرها ومضمونها على انتماءات وتراكمات تاريخية وثقافية وإيديولوجية متقاطعة مع الاتجاهات الدينية والمذهبية والعرقية والإثنية والمصالح الطبقية، ما يجعلها تمس العمود الفقري الذي تتكئ عليه ثقافة المواطنة في الأصل. لهذا وذاك كان الجدل أقرب إلى حال التشخيص والإغراق التنظيري والتمني الذي يبتعد عن أرض الواقع .

 

المواطنة في حالتها الافتراضية

 

الأفكار التي عُرضت في الندوة تضمن بعضها مفهوم المواطنة في حالته الافتراضية، ومن حيث المتخيّل الذي تتأسس عليه دولة المواطنة من مقومات واشتراطات، من بينها كما أفادت الأكاديمية الإماراتية ابتسام الكتبي: اكتمال نمو الدولة وابتعادها عن ممارسة الاستبداد والتسلّط والفساد، وارتباطها بممارسة الديمقراطية المستندة على المساواة السياسية التي يتمتع في ظلها المواطن بجميع الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، على أنْ تلبي وتشبع حاجاته الأساسية حتى لا تتآكل مهمة قيامها بالواجبات ويهرب عنها المجتمع إلى مواطن جديدة ويرتمي في أحضان الجماعات الصغيرة فتظهر عندها قضايا الأقلية والغالبية. حقاً إنها لأفكار رائعة ومثالية، بيد إنها من أسف تصطدم بالواقع وعلى ما يبدو لم تغادر منذ نشأتها شرنقة الكتابات النظرية التي تزخر بها الكتب الأكاديمية. وإذا كان القول قد تكرر في الندوة، بأن الانتماء إلى الجماعات الحالية لا يتعارض مع الانتماء للدولة وأنّ الاختلاف الديني أو المذهبي والعرقي لا يحول من دون تحقيق المواطنة، فيفترض في هذا اليقين أنْ يستند في حده الأدنى على ما يجسّده الواقع من معطيات ومؤشرات، خصوصاً مع ما تتعرّض له مجتمعاتنا من هز وخض ما يجعل من هذه القناعة الراسخة مجرد كلام في الهواء، ولاسيما أنّ التكوينات الطائفية والولاءات العرقية والإثنية والمذهبية غدت سمة أساسية لتفاعل قوى المجتمع وصراعاتها واختلافاتها وتحديد هوياتها، آخذين في الحسبان تزامن ذلك مع انهيار بعض الدول أو تخلى بعضها الآخر عن القيام بمستوجباته إزاء المواطن سواء في توفير الحاجات الأساسية أو حماية المواطنة الاجتماعية والسياسية التي تفضحها بشكل فاقع ظاهرة الفقر والتهميش الاجتماعي والسياسي .

 

نظام القبيلة كائن لا يستوعب المواطنة

 

أما ما أورده الأكاديمي العُماني عصام الرواس في حديثه عن موبقات دولة الرعية والمواطن المرعي وما أفرزته الطفرة الاقتصادية من تعزيز لمفهوم النفعية وما صاحبه من إجبار للمواطن على ارتداء الهوية الجديدة غير المقتنع بها وربما حتى بمظاهر الإصلاح التي لا تراعي خصوصية مجتمعه، فضلاً عن العزلة الذاتية الاجتماعية والسياسية بين المواطنين والأجانب الذين يعيشون في كنتونات بحسب ما أشار إليه الأكاديمي الإماراتي سعيد حارب يُضاف إليه الشأن السياسي الذي لايزال مرتبطاً بنظام القبيلة الذي لا يستوعب طرح مفهوم المواطنة، وتأثيرات مظاهر العولمة والدين والانكفاء على التدين الذي جعل الأفراد يلجأون إلى الطائفية بسبب غياب مؤسسات المجتمع المدني الحاضنة للتنوع بجميع المذاهب في ظل صعود للتيارات الدينية وبروز لظاهرة الإرهاب، وما رسخته الثروة النفطية من مفهوم للحياة الاستهلاكية والعادات والتقاليد والتراث ودور الإعلام وإشكالية مسألة الانتماء التي لم تحل بعد .

 

السؤال: عن أيّ مجتمع أو بلد عربي أو خليجي يتحدثون؟

 

في حقيقة الأمر، الحديث لم يجر عن مجتمعات افتراضية وكائنات فضائية، إنما عن دول لها مسميات، فمن هي يا ترى تلك الدول التي يوجد بها كنتونات للأجانب وتفتقد لمؤسسات المجتمع المدني؟

 

وماهي الدول التي لا يؤمن أفرادها بالإصلاح القادم الذي لا يراعي الخصوصية؟ والأهم من هذا وذاك: لماذا وكيف؟

 

وعليه، هل يُفترض جدلاً، أنّ العُماني يتحدّث عن سلطنة عُمان مثلاً، والإماراتي عن دولة الإمارات؟ على أية حال، لايزال السؤال حائراً منتظراً الإجابات، ولاتزال علامة الاستفهام تواجه مرتفعات ومطبّات لكي تفك رموزها ويتسنّى للمرء التعرف على جذور الأزمة والإشكالية التي تحيط بمصطلح المواطنة ومفهومها في كل دولة خليجية وبالاسم !

 

ثم، هل المواطن الخليجي على استعداد للتخلّي عن تحصيل المنافع والعطايا والمكرمات الممنوحة له من دولة الرعية؟

 

وماذا عن فك حصاره الذاتي وأخذ المبادرة بالاندماج في مجتمع الكنتونات؟ فهل هذا ممكن؟

 

حتماً الإجابة محرجة، وتستدعي تجاوز خطوط التنظير. وهذا ما حدا بالباحث علي الكواري من قطر للمطالبة بضبط المصطلح والمفاهيم قبل الحوار حولها، وتساءل عمّا إذا كانت دول الخليج تأخذ بمبدأ المواطنة أم لا؟ وأجاب: «بلا»! لأنّ هذه الدول كما ذكر تأخذ بمبدأ الرعاية والمخصصات والعطايا والمناصب والمكرمات وكأن من يتسلمون ذلك عباقرة زمنهم، كما أردف المفكر علي فخرو، موضحاً أن تأثير دولة الرعية بالغ الأهمية ويتمثل في غنى الدولة وعدم حاجتها إلى المجتمع، بالإضافة إلى عدم التوزيع العادل للثروة .

 

إذاً نحن أمام حائط عال يقف دون تحقيق المواطنة، لسبب بديهي يكمن في تقاطع المفهوم وتعارضه مع مواصفات الدول القائمة بمكوناتها من مؤسسات وعلاقات سياسية مع المواطنين وقوى اجتماعية .

 

ما يعني طرح السؤال الآتي: هل هذه الدول أصلاً مهيأة للحديث عن المواطنة؟

 

صحيفة الوسط

Tuesday, March 11, 2008

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro