English

 الكاتب:

عبدالله مطيويع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المشهد السياسي في السبعينيات... دروس من الماضي القريب(1-2)
القسم : سياسي

| |
عبدالله مطيويع 2008-04-08 15:43:05


هذه صفحات من تاريخ الحركة العمالية في البحرين، في إحدى الفترات المهمة من تاريخ البحرين منتصف السبعينيات. كانت السلطة قد بدأت في تطبيق ما رسمته من خطة، لضرب اللجنة التأسيسية التي صدعت رؤوسها طوال 6 شهور، من جمع للتواقيع والاجتماعات في كل أنحاء البحرين. وحقيقة الأمر أن اعتقال علي الشيراوي في مطار البحرين يوم 10 مارس/آذار 1972 كان قادماً من دمشق بعد أن مثل اللجنة التأسيسية في المؤتمر التأسيسي للاتحاد الوطني لطلبة البحرين في 25 فبراير/ شباط 1972. كنا في المطار أنا وعائلة الشيراوي أبوه، أخته، الدانة، ووجدي.

دخل إليهم أبوه محمد قاسم الشيراوي، ولم يسمحوا له بمقابلته، أخذوه من الأبواب الخلفية إلى القلعة ومن ثم إلى المخابرات. كان الضابط ع.ع. ط. من قام بالتحقيق معه عن سفره، وعن اللجنة التأسيسية وسأله عن المؤتمر الطلابي. كان اعتقال الشيراوي مؤشراً لبدء الهجوم على اللجنة التأسيسية واجتثاثها، وتلاه اعتقال حسن رضي الستراوي من منزلهم في سترة. في اللحظة التي كنا، يوسف يتيم وعباس عواجي وأنا كنت أقود السيارة التي تخص الشيراوي، وقد تركها عندي نستخدمها في تحركاتنا أيام الانتفاضة.

أم حسن رضي كانت تولول ليلتها وتردد علينا نحن أصحابه وهي تعرفنا بالوجوه. كانت تصرخ باللهجة الستراوية: أخذوا ولدي حسن.

كنا فتية طلعنا للتو من انتفاضة 1965 وهزيمة حزيران 67 وإضراب عصيب غير ناجح العام 1970، لكنه شكل العتبة الأولى للولادة. وكان الإضراب في طيران الخليج لتسعة أيام شل الحركة في المطار لبضعة أيام (من 1 حتى 9 مايو/ أيار1970) ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة يوثانت كان قد غادر البحرين في أبريل/ نيسان 1970 بعد أن استمع إلى أراء شعب البحرين في ما سمي بـ «تقصي الحقائق»، وليس استفتاء على عروبة البحرين، وقد قال شعب البحرين رأيه بوضوح وأعطى ولأول مرة الشرعية عن طريق ما يشبه الاستفتاء أن البحرين دولة عربية، وحكامها آل خليفة. ويريد شعب البحرين أن يساهم في إدارة بلده عن طريق سلطة تشريعية ينتخبها الشعب انتخاباً حراً.

على خلفية هذه الأجواء ولدت اللجنة التأسيسية وتمسكت بقانون العمل 1957 الباب الثالث وطالبت بتطبيقه. واحتار الحكم فيما يفعل بهذه اللجنة التي تطالب بتطبيق قانونٍ صادق عليه وأصدره، وكان أحد ثمرات نضال هيئة الاتحاد الوطني ورجالاتها على رأسهم ذلك الداهية عبدالرحمن الباكر، الوحيد الذي قبره ليس في وطنه (البحرين)، وكما أراد له الإنجليز والحكم آنذاك.

ولدت اللجنة التأسيسية التي بدأت بقيادة ثلاثة نقابين هم هشام الشهابي ويوسف الصباح البنعلي وكاتب السطور، ثم توسعت ليصير عددها 13 عضواً بجانب وجود لجان فرعية عمالية في كل مواقع العمل: «بابكو»، «ألبا»، «الكهرباء»، «المقاولين»، «طيران الخليج» (أهم المواقع العمالية آنذاك).

في هذه المرحلة بدأ صدر المخابرات يضيق ذرعاً بهذا الحراك، وقد شكل اعتقال علي الشيراوي، وحسن رضي الستراوي إشارة قوية إلى ما تريد السلطة أن تفعل. يومها لم يتضح لنا أساليب الحكم، فقد باتت هناك حكومتان، حكومة تتفاوض معنا في النهار، وحكومة ترسل لمنازلنا ليلاً الأجياب والشرطة والعسس للاعتقال. وحين تصل الأوضاع إلى أقصى درجات التأزم والاحتقان يرسلون لنا (علي فخرو) للحديث معنا مفاوضاً عن الحكومة، ويرسل علينا وزير العدل سابقاً (المرحوم الشيخ خالد بن محمد آل خليفة) للذهاب إلى منزله في الرفاع ليسمعنا ما فحواه أن هناك مؤامرة على البحرين وأنتم تجهلونها.

«أخذوا أخوكم حسن يا ولدي». هكذا كانت أم حسن رضي تولول بحرقة وبعباراتها التي تقطع القلب وتشحننا بالمزيد من الإصرار والمضي قدماً فيما نحن فيه.

كان شباب قرية «مهزة» متجمهرين عند باب بيت حسن رضي، وبعض العائلة يتفقدون ما قامت به الشرطة فساداً بالمنزل. دخلت وسألت الشباب: ماذا أخذوا من البيت؟ قال لي أحدهم ولعله الوزير: لقد أخذوا بعض الكتب والأوراق وانصرفوا مسرعين لأن أهالي القرية بدأوا في التوافد إلى البيت وانتشر خبر اعتقال حسن رضي الذي كان يعمل في «سيتي بنك» ويدرس الحقوق بجامعة الحسن الثاني بالمغرب عن طريق الانتساب.

عدنا أنا وعباس عواجي ويوسف يتيم ويوسف البنعلي بحذر عبر جسر بابكو ـ سترة الخشبي، الموصل الوحيد عبر الرفاع إلى الجزيرة الأم. تشاورنا في الأمر، فنحن نواجه بداية هجمة منظمة لسحق كل ذاك الجهد المنظم منذ 6 شهور، وعلينا الآن التفكير بشكل يتناسب وهذه المرحلة. أخذنا قراراً باعتبار اللجنة التأسيسية في حالة انعقاد متواصل، نتداعى إليها كلما احتاج الأمر لأخذ خطوة أو قرار آخر، وهكذا كان طوال أيام الانتفاضة منذ 11 مارس/ آذار حتى 21 مارس 1972.

المشهد في البحرين كالتالي، منذ صبيحة 13 مارس دوارات الشوارع الرئيسية وجسر المحرق نصبت عليها مدافع 500 بشكل مموّه، وجنود قوة الدفاع يتمركزون عند خزانات النفط (سترة ـ عراد) ومعمل التكرير.

الضابط هندرسون يبدأ حملة الاعتقالات ويبعث بعناصر من البوليس إلى منازل أعضاء اللجنة التأسيسية وكل النشطاء من العمال في اللجان الفرعية (لجان العمل) حتى وصل عدد المعتقلين المئات. المظاهرات تعم شوارع المنامة، وتتعطل الدراسة والطلبة يتضامنون مع العمال، ويتصدون لقوات الشغب بالحجارة، وما يقع تحت أيديهم، ومسيلات الدموع تنهال على المتظاهرين. وهراوات شرطة الشغب تطال أي تجمهر ومظاهرة صغيرة هنا وكبيرة هناك، والأحياء القريبة من مواقع تجمع العمال والمتظاهرين تطالهم مسيلات الدموع. العمال الذين عادوا إلى مواقع العمل والاعتصام بها مثل عمال ديلونك ومبي، وجورج ومبي، وبرون اند روت، لاحقتهم الشرطة ونزلت فيهم ضرباً بالهراوات.

الحكومة تشكل لجنة وزارية برئاسة وزير العدل الشيخ خالد بن محمد آل خليفة، ووزير العمل جواد سالم العريض، ووزير البلديات والزراعة الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة. لكن هذه اللجنة لم تجتمع على الإطلاق مع التأسيسية بشكل مقصود، والاجتماع الوحيد تم في منزل الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في الرفاع الغربي الذي لم يخرج بأي اتفاق. وكرر أعضاء اللجنة التأسيسية فيه مطالبهم التي قالوها للجنة الوزارية عبر البوابة الحديد لمبنى الحكومة (السكرتارية). وبمزيد من الشرح والتفصيل التي استمع إليها الشيخ خالد ورد عليها بطريقته. إنكم تطلبون الجزء والحكومة ستعطيكم الكل، ومن ثم سنبت في القضية. وأصر على رأيه بعودتنا إلى العمل ليعود الهدوء إلى البلد، لتتسنى للحكومة دراسة المطالب العاجلة بصورة أشمل وأوسع.

أما مطلب النقابات فمن المؤكد أن الدستور الذي ستعلن عنه حكومة البحرين سيتضمن حصول العمال على نقابات عمالية. كما لم تخلُ تلك الجلسة من عتاب الشيخ لنا على ما فعلناه من «شوشة» وفوضى. وأن من بيننا مندسين أوعز لهم الإنجليز من قبل أن يخربوا البحرين ويعملوا بها فوضى قبل أن ينسحبوا، وهذا ما يفعله دوماً الإنجليز قبل أن ينسحبوا من البلدان التي استعمروها، لابد أن يفتعلوا بها الفوضى، لكي يقال إن الإنجليز هم من كان يفرض النظام والقانون.

لكننا قلنا له: يا طويل العمر نحن لم نأتِ بالقانون من عندنا (قانون العمل 1957) الحكومة هي التي وضعت القانون وعليها تطبيقه. لا أكثر ولا أقل.

انصرفنا من مجلس الشيخ خالد وكنا نحو الستة عمال. وعيوننا تلتفت يميناً وشمالاً بحثاً عن سيارات الشرطة. لكن الشيخ خالد كان صادقاً في وعده فلم تقترب الشرطة من منزله ليلتها على رغم يقيننا أن المخابرات كانت تعلم بهذا الاجتماع مسبقاً، وعُدنا لنخبر بقية أعضاء اللجنة التأسيسية بما دار من حديث بيننا وبين رئيس اللجنة الوزارية التي أعلنت عن تشكيلها الحكومة.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro