English

 الكاتب:

خالد المطوع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

رسالة من تحت المعاناة!
القسم : عام

| |
خالد المطوع 2008-04-19 15:19:40



احتشدت في الفضاء الدولي العديد من التقارير والبحوث المنذرة بعواقب وخيمة في حال استمرار ارتفاع أسعار مواد الغذاء، وهو ما يعني بحسب البنك الدولي دخول مئة مليون إنسان ضيوفاً ونزلاء آخرين إلى قماقم الفقر والمجاعة. كما أعطت تقارير الأمم المتحدة للأزمة أبعادها المصيرية في كونها تهدد بنسف منظومات الأمن الاجتماعي وقد تهدد الاستقرار في العديد من البلدان، إذ كان من بين الضحايا حكومة هاييتي بالإضافة إلى أزمة الخبز في مصر حسبما أشارت الكثير من الصحف الدولية إلى ذلك، كما أننا وفي أوساطنا المحلية برز مرة أخرى وبسمة طارئة ومعتادة تداول مفهوم «الأمن الغذائي» ومستقبله مع استمرار التضخم الجنوني في أسعار المواد الغذائية الرئيسية وهو ما شكّل بحسب خبراء دوليين أحد أكبر الأزمات المعيشية العالمية منذ عقود!

وفي تقرير نشر بصحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 10 أبريل/نيسان 2008 ذكرت فيه الكثير من النسب المئوية لمعدل إنفاق شعوب العالم من مستوى دخلها على شراء المواد الغذائية، حيث يشكل معدل إنفاق النيجيريين على شراء المواد الغذائية الرئيسية حوالي 73في المئة من الدخل، و الفيتناميين بحوالي 65في المئة والاندونيسيين بحوالي 50في المئة،ولكننا نتساءل عن معدل متوسط إنفاق البحرينيين على شراء المواد الغذائية من متوسط الدخل، فهل هنالك دراسات وبيانات مقارنة ترصد ذلك، ولنقل على وجه الدقة في «ما قبل الأربعين مليوناً» و «ما بعد الأربعين مليوناً»؟

التقرير يستشهد بتصريح رئيس البنك الدولي روبرت زوليك الذي قام بتحذير 33 دولة من مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، كما أشار التقرير إلى أنّ انفراج مثل هذه الأزمة العالمية ليس وارداً ومحتملاً حتى الآنَ!

وإنْ كنّا قد استهلنا هذه المقالة بخيوط المشهد العام التي التقطت صورتها بعدسة عالمية، وإن كنا نشير إلى ضرورة وجود علاج استراتيجي شامل ومتكامل لانعكاسات هذه الأزمة محلياً التي تمس جميع فئات وطوائف المجتمع مهما تفاوتت مداخيلهم وإمكاناتهم المادية، فإننا نؤكّد مرة أخرى التزامنا بتبيان نماذج لمواطنة بحرينية منقوصة تقع في الدرك الأسفل من استعارة المعيشة، وترزح في أعباء الغلاء من دون أنْ يلبى لها نداء!

وصلتني قبل أسابيع رسالة أرجو ألا تكون قد طالت وثقلت كثيراً بحبال الرجاء وقد أحببت أنْ أسميها بـ» رسالة من تحت المعاناة» وذلك من قبل أحد المواطنين المتقاعدين ويدعى «م.ي»، والذي شرح لي بؤس وضعه وطلب مني أنْ أتحدّث عن هموم ومعاناة المتقاعدين المادية والمعيشة، فأخونا «م.ي» الذي لديه ستة من الأبناء كان قد عمل لمدة 11 سنة في قوّة دفاع البحرين وبعدها عمل 16 سنة كرجل أمن في إحدى المؤسسات التعليمية البارزة، ولعلّ النقطة السوداء الفارقة في حياته كانت حينما تعرض منزله الكائن في مدينة حمد إلى حريق كبير تسبب في تدمير محتوياته فحاصرته حينها جميع الظروف الخارجة عن الإرادة والمتتاليات السوداء، ونكّدت عليه معيشته وتراكمت عليه الديون تلو الديون إلى أنْ أجبرته على أنْ يجازف بطلب الاستقالة والمطالبة بحقوقه من مؤسسته عسى أنْ يتمكن من الحصول على مبلغ ملائم يؤهله للحصول على قرض لدى أحد المصارف يساعده على تسديد ديونه، إلا أنه كان من دون أن يدري على موعد مع صدمة مفاجئة من الوزن الثقيل لدى صندوق التقاعد حينما أخبروه بأن معاشه التقاعدي هو 150 ديناراً مع مكافأة زهيدة، وقد ارتفع بعدها إلى 180 ديناراً بعد أما أصبح هذا المبلغ هو الحد الأدنى للتقاعد، أخونا المواطن المسكين وجد نفسه مضطراً حينها إلى ترك بيته في مدينة حمد للانتقال للعودة مرة أخرى للعيش في بيت والدته بالمحرق!

وهو لطالما حاول مع مختلف مؤسسات الدولة من دواوين فمؤسسات ومسئولين، فمكان عمله الأصلي مرة أخرى على أمل الحصول على وظيفة تكفل له الحياة والمعيشة الكريمة وتمنحه اعتباراً كمواطن إلا أنه لم يوفق أبداً في كل ذلك، كما أنه حاول مع الجمعيات الخيرية الإسلامية التي لم ترد أبداً على طلبه وتقدم له أيّ عون مسعف،وألح في طلبه إلى أنْ أقعده الإحساس الثقيل بالعزّة والكرامة في البيت مرة أخرى وقد خابت جميع محاولاته!

أما بالنسبة إلى محاولاته مع نواب الشعب أو نواب الخدمات بمن فيهم المحسوبون على الكتل الإسلامية فجميعها أتت بالخيبة والإحباط خصوصاً حينما يجيبه النائب «حاضر أخي الكريم بيّض الله وجهك .. بارك الله فيك...من عيوني» دون أنْ يلبي له بعدها أية خدمة أو طلب أو حتى يكلف نفسه عناء الإجابة على الاتصالات والرد على الأقل في مختلف الأوقات!

لعلّ أشد أوجه المعاناة والضيق التي تكدر على أخينا معيشته هي حينما يجد نفسه وقد أصبح رهينة لمراكز الشرطة والمحاكم التي تتقاذف به وتجرجره في كل حدَب وصوب وعلى رأسه أثقال الديون المتراكمة التي لا يستطيع سدادها، فهم وكأنما يلاحقونه في كل وقت ومكان حتى قبل الإفطار في شهر رمضان، وهو يحلم لو أنّ بإمكانه أنْ يسوق سيارة يملكها لوحده ولو لعشر دقائق يصول ويجول بها فذلك حاله منذ سبع سنوات تقريباً، وهو يخجل من دعوة أصدقائه لزيارته كيلا يقع في أكبر المصائب مع نفسه وسوء حاله!

سألته إنْ كان له نصيب من فضيحة يوم السبت «إعانة الغلاء» فأجابني:

«هم نشروا اسمي كاملاً في يوم السبت من بين أشد المستحقين، لكنني لم أعثر على رقمي الشخصي بعدها أبداً في القائمة التالية، فلما راجعتهم قالوا لي إّ البيانات غير موجودة لدينا وأنا بالتالي غير مستحق لهذه الإعانة، فقمت بالتسجيل مرة أخرى وأنا كلي أمل في أنْ أكون من المحظوظين والفائزين القابضين على الخمسين ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله!»

أذكر في حديث لي مع أحد كبار الأطباء البحرينيين وقد كان حينها يبدي لي قلقه وخوفه مما يجده هو وأمثاله من بعض المصاعب المعيشية في الوقت الراهن، فهو وزملاؤه لا يمكنهم أن يتملكوا العقار أو شراء بيت للسكن، فهم الآنَ ما دون الطبقة الوسطى بالمرة، فكيف إذا أخبرته بحال صاحبنا المواطن المسكين الذي حار من تجاهل الجميع، وكأنما هو شبح غيرمرئي أو مصاب بلعنة شيطانية، أو تم استهدافه بــ»اطبوب» من قبل أحد المشعوذين والعياذ بالله!

فمن سيفرج حينها كربة هذا المواطن البحريني المسكين وأمثاله الكثير عسى أنْ يفرج الله عنه كربات يوم القيامة؟!

وأين هي قيامتنا الوطنية؟!

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro