English

 الكاتب:

د. علي الديري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تجـــريم المــولــوتــوف
القسم : سياسي

| |
د. علي الديري 2008-04-20 11:14:24



 بعد مقتل الشرطي ماجد أصغر، قررت هيئة مكتب مجلس النواب بشكل عاجل إدراج مشروع قانون تجريم المولوتوف ضمن جدول أعمال جلسة مجلس النواب بعد أن أدخلت لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس النواب بعض التعديلات البسيطة عليه. وقد تم في جلسة مجلس النواب إقرار قانون (تجريم المولوتوف). وينص القانون على أن يعاقب بالحبس والغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من صنع عبوات قابلة للاشتعال أو الانفجار بقصد استخدامها لتعريض حياة الناس أو أموالهم للخطر أو حاز أو أحرز ما صنع منها بذات الغرض.
شخصياً، ليست لدي اعتراضات على القانون، ولا تحفظات بشأن إمكانية إساءة استغلاله، ولا حتى على الطريقة التي تمّ بها إقراره.
لكني، أأسف أن القانون لن يحمل ذاكرة وطنية ولا إنسانية، ليس لأن هذا القانون لن يحمي المجتمع من العنف، أو يحد منه، وليس لأن ماجد أصغر (رحمه الله)، لم يكن مواطناً بحرينياً، وليس لأنه لم يكن في مهمة وطنية، وليس لأن حادثة القتل نفسها ليست مستنكرة إنسانياً.
بل، لأن السياق الذي جاء فيه القانون، يحمل خلفية اجتماعية وسياسية شديدة الاختلاف والتضارب والانقسام وتصفية الحسابات. نعم، هناك إجماع وطني على إدانة القتل، لكن ليس هناك إجماع وطني على تفسير القتل، ولا على حكايته، ولا على تداعياته، ولا على الموقف من إدارته، ولا على ما بعده، وربما ولا على ما بعد بعده.

القانون لا يستمد قوته من الشرعية الدستورية والمؤسسية فقط، ولا من إجماع القوى السياسية فقط، بل يستمد قوته أيضاً من المجتمع الذي يضعه، ومن التاريخ الذي يأتي في سياقه، ومن الحكاية التي تفسر من خلالها الناس غايته البعيدة. خصوصاً قوانين التجريم التي ترتبط بأوضاع خاصة وأحداث يمر بها المجتمع ويحتاج من خلالها إلى وضع قانون يحمي به نفسه ويحقق من خلاله العدالة.
علينا أن نفهم أن المجتمع أكبر من الجمعيات السياسية والقوى السياسة، مهما كانت درجة تمثيلها للمجتمع، وإذا كانت القوانين تقرّ أحياناً بسبب التسويات السياسية أو الصراعات السياسية، فإن ذلك لا يعني أنها تمثل إجماعاً وطنياً، يمكن أن نثق فيه ونعول عليه. ونطمئن أنفسنا بقدرة القانون المقر بهذه التسويات على أن يحمينا من العنف.

لقد وجّه رئيس تحرير جريدة أخبار الخليج أستاذ أنور عبدالرحمن يوم التصويت على قانون تجريم المولوتوف (رسالة عاجلة إلى حضرات نواب الأمة) في الصفحة الأولى من جريدته، يقول فيها: الإخوة الأفاضل.. السادة أعضاء مجلس النواب الموقرون، فلقد أراد الله أن تجيء هذه الكلمة مقياسا لأدائكم وإخلاصكم لوطنكم وموقفكم منه ومن قضاياه! يا أصحاب المقاعد الجليلة.. أسماؤكم اليوم ستكون في وجدان وميزان العمل الوطني.. تسلمونها إلى ذاكرة التاريخ التي لا تخطئ ولا تشيخ، كما تخلد هذه الكلمة في ضمير الأمة والوطن شاهدة عليكم بأنكم أبناء الوطن الذين أدانوا الإجرام في حق الوطن وتصدوا له.. أو باركوه!’’
يربط هذا، نداء هذه الرسالة القانون بالذاكرة والتاريخ والوطن، وهذا ما يؤكد أن القانون بحاجة دوماً إلى ذاكرة وتاريخ يستمد منهما قوته، لقد صوّت النواب على إقرار القانون، مع امتناع ثلاثة منهم عن التصويت، فهل ستكون أسماء النواب الذين أقروا القانون في وجدان وميزان العمل الوطني؟ أنا أشك في ذلك، ليس لأن هذا الإقرار لا يستحق أن يدخل ميزان العمل الوطني ووجدانه، بل لأن هذا الميزان لا يحتكم إلى معايير أحد ما، هو ميزان يحتكم إلى من يشكلون هويته الوطنية، وهم أمة المواطنين، وهؤلاء يكادون يحطمون هذا الميزان، لشدة اختلاف أوزانهم ومقاييسهم ومعاييرهم، بل منهم مطففون، وهناك فرق بين المطففين والطائفيين، فالطائفيون مطففون، ولكن المطففين قد يكونون غير طائفيين، لكنهم يلعبون بالميزان الاقتصادي لا العقائدي.

ميزان الذاكرة الوطنية، لا يحتكم إلى قانون، ولا يمكن لنداء أن يحكمه أو يحكم عليه، وهو لا يشتغل بالأمنيات، ولا باللعب بالمكاييل، ولا بالخطب العصماء، ولا بالتطمينات، ولا بزيارات القيادات السياسية العليا.
قد يكون القانون وطنياً، لكنه لا يحمل ذاكرة وطنية، فمسألة الذاكرة متروكة للزمن والتاريخ، ونحن لا نفعل أكثر من أن نتوقع ونتنبأ وفق السياق الاجتماعي الذي ينتج الأحداث والقوانين. لذلك حين أقول إن قانون تجريم المولوتوف لا يحمل ذاكرة وطنية، فأنا أقولها استناداً إلى ما أقرأه من احترابات خطابية في المجتمع، وليس استناداً إلى موقفي من القانون.

لذلك لا يمكن لقانون لم يهيأ له أن يحمل ذاكرة وطنية، كما هو قانون المولوتوف أن يسهم في تعزيز اللحمة الوطنية، كما يعوّل على ذلك الأستاذ على سيار مثلا ‘’قرار تجريم المولوتوف، لابدّ وأن يسهم في تعزيز اللحمة الوطنية وتقوية سلطة الأجهزة الأمنية المسؤولة عن الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم، وسلامة ممتلكاتهم، وهو ما يطمح إليه ذلك المواطن الذي يعرف قيمة الانتماء إلى الوطن وقيمة المحافظة على أمنه’’.
كي يحقق القانون غايته البعيدة لا عقوباته القريبة، هو بحاجة إلى سياق يحفظ له ذاكرة تاريخية. وإذا كان هذا القانون سيمكن وزارة الداخلية من أن تمد ذراعها الأمني بشكل قانوني، حين يمور قاع المولوتوف، فإنه لن يمكنها من أن تمدّ ذراعها حتى بشكل ودي، كي توقف ما يمور في قاع المجتمع من احترابات وتجاذبات. فما يمور في قاع المجتمع يشبه ما يمور في قاع المولوتوف، ونحن بحاجة إلى قانون يحمينا مما يمور في قاع الأول، كي نضمن القاع الثاني.

لقد أحال الخطاب الإعلامي، كل ما ارتبط بالحادثة إلى ‘’الإجماع الوطني’’، وكمراقب للخطابات وكلماتها، أشك أن الإحالة كانت إلى الإجماع الوطني، فقد كان هذا الأخير حاوية كبيرة تتسع لا للمواطنين ولا إلى ما يجعل منهم مواطنين (من قوانين ومشاريع وإنجازات ودساتير وروابط مدنية) بقدر ما كانت هذه الحاوية في استخداماتها المبتذلة تتسع إلى من يحقق مكاسب سياسية لأطراف لديها خصومات سياسية.
أخشى أن يتحول تجريم المولوتوف إلى تجريف المولوتوف، حينها لن نكون أمام خطأ مطبعي بين تجريف وتجريم، بل أمام خطأ وطني.


صحيفة الوقت
Sunday, April 20, 2008

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro