English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أشكال من المقاومة غير الموثـقـة
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-05-06 01:54:20




تتعلق القصة الأولى بمواطن مغربي في الثالثة والسبعين من عمره تناقلت وكالات الأنباء iخبر الإفراج عنه بعفو ملكي. اسمه محمد بوقرين وهو ناشط يساري دخل المعتقل لأول مرة في السابع عشر من مارس/ آذار 1960 وآخرها في السادس من يونيو/ حزيران.2007 خلال هذه السنوات توالى على الحكم في المغرب ثلاثة ملوك. فالاعتقال الأول حدث في عهد السلطان محمد الخامس على خلفية الصراع السياسي الدائر آنذاك بين أنصار الملكية المطلقة وبين المطالبين بدولة ملكية دستورية حديثة تكون السيادة فيها للشعب. وحدث الاعتقال التالي في العام 1973 في عهد الملك الحسن الثاني وكاد أن يودي بحياة بوقرين بسبب اتهامه بالمشاركة في تمرد مسلح. أما الاعتقال الأخير فحدث في العام 2007 إثر مشاركة بوقرين في مسيرة لإحياء الأول من مايو/ أيار وحُكِم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات لإدانته بجريمة ''التطاول على شخص الملك''. بعد صدور العفو الملكي لم يرسل الشيخ السبعيني برقيات الشكر وأسمى آيات العرفان المعهودة بل أعلن احتجاجه على العفو الملكي الذي اعتبره إهانة له ولنضاله. ولا شك أن هناك من سيعتبر محمد بوقرين ناكراً للجميل. ولكن هناك من يرى أن قصته تتكرر بصياغات مختلفة في بلدان عدة بما فيها البحرين. فالحقيقة تبقى أنه لم يرتكب جريمة حتى يُهانَ بعفوٍ ملكي.
القصة الثانية تتعلق بأسيرة فلسطينية سابقة اسمها أمية الدمج قضت في السجن الإسرائيلي أربع سنوات سبقتها فترة اعتقال وتعذيب. بعد خروجها من السجن تعاونت أمية الدمج مع عددٍ من الأسيرات المحررات الأخريات على تجهيز منزلٍ مهجور في مخيم جنين وتحويله ليصبح معرضاً للتراث الشعبي. فهذه حسبما يشير تقرير صحافي ii هي وسيلتها لإعلان تضامنها مع عشرات الآلاف من الأسرى الذين يقبعون في سجون العدو الإسرائيلي. لم تستكن تلك الشابة ولم تقبع في بيتها فخورةً بما قامت به في سبيل تحرير بلادها ولم تسمح للسواد الذي يحيط بفلسطين بأن يُحبطها كما أحبط كبار المسؤولين في بلادها. فهي تؤمن بأن ''فجر الحرية قادم لا محالة'' ولهذا عملت على أن تعيد الحياة إلى ذلك المنزل المهجور الذي دمَّره جيش الاحتلال الإسرائيلي، بل وأن تجعله رمزاً للصمود والرغبة في الحياة.
أما القصة التالية فتتعلق بأمٍ بحرينية تعمل موظفة في دائرة البريد منذ العام 1983 شاركت زملاءها في العام 2002 في تأسيس نقابة للدفاع عن حقوقهم. في منتصف العام 2006 نشرت صحيفة محلية كلاماً أدلت به نجية عبدالغفار وهي مقتنعة بأنها تمارس حقها في التعبير وتؤدي واجبها النقابي. بعد ذلك تحرك مسؤولي الضبط والربط في إدارة البريد لتأديب الموظفة الناشز التي قامت وبدون تصريح مسبق بنشر ''بيانات ومعلومات عن الأعمال الوظيفية''. وعلى رغم ما تشير إليه تقارير صحافية من أن رؤساءها قد شهدوا لها بالكفاءة في عملها إلا إنهم لم يتأخروا في إصدار قرارهم التأديبي الأول القاضي بتوقيفها عن العمل بدون راتب لمدة ثلاثة أيام. وتتالت التحقيقات وتتالت القرارات التأديبية وتكرر التوقيف عن العمل بدون راتب وازدادت أيام وقف الراتب. وظل ''الرأس يابساً'' وبقيت نجية عبدالغفار على موقفها رغم أنها تعرف الآن أنها تواجه جبروت ''الدولة'' وليس غضب مسؤولٍ في إدارة البريد تضاعف غضبه، لأن امرأة تتحدى سلطته ولا حتى غضب سَدَنَة اللوائح والتعميمات الإدارية في مجلس الخدمة المدنية.
تتعلق القصة الرابعة بمظاهرة نسائية جرت في ''ساحة مايو'' في العاصمة الأرجنتينية بيونس أيريس في 26 يناير/ كانون الثاني .2006 كانت تلك المظاهرة فريدة وتاريخية مما يفسر حجم اهتمام وسائل الإعلام العالمية. فلقد كانت تلك المظاهرة هي الأخيرة ولكنها كانت المظاهرة رقم 1500 في سلسلة منتظمة من المظاهرات التي نظمتها مجموعة من النساء عُرِفن إعلامياً باسم ''أمهات ساحة مايو''. ولهذا لم يكن مستغرباً بعد خمسة وعشرين سنة أن تتراوح أعمار المشاركات في تنظيم المظاهرة الأخيرة بين السبعين والتسعين سنة. صمدت أولئك الأمهات والجدات في وقتٍ كان اليأس يخيم على بلادهن. فكنّ شوكة في خصر الحكم العسكري، وكانت تظاهراتهن تكذيباً منتظماً أسبوعاً بعد أسبوع لادعاءات النظام الدكتاتوري وأربابه في الولايات المتحدة الأميركية. فطوال ربع قرن تظاهرت الأمهات وهن يحملن اللافتات التي تطالب بمعرفة مصير ثلاثين ألف شخص مفقود من أنصار الحركات اليسارية اختطفتهم أجهزة الأمن في الفترة ما بين 1976 و.1983 لقد صمدت الأمهات في وقت كان آخرون قد قرروا التوافق مع شروط الواقع الذي خلقته الطغمة العسكرية. بذلك الصمود وبذلك ''العناد'' انتصرت ''أمهات ساحة مايو'' وإستطعن منع جلاوزة النظام العسكري من الإفلات من العقاب تحت راية ''عفى الله عما سلف''.
تختلف القصص الأربع. ففيها ما استحق ان تتناقله وكالات الأنباء العالمية وفيها ما لا يعرفه سوى قلة من المهتمين بحقوق الإنسان. ولكن ثمة خيط أحمر يجمعها. ففي كل واحدة منها يبرز دور الفرد كفاعل اجتماعي. فمهما كان الفرد ضعيفاً أو مُستضعفاً أو مُستهاناً به فهو قادر على فعل المقاومة. ثمة قاسم مشترك آخر يتمثل في أن القصص الأربع تدل على أن تغيير الواقع يستلزم الخروج عن المألوف والاستعداد لدفع ثمن ذلك. أسارع للتأكيد على أنني لا أرى في إعادة سردها ترويجاً للعمل الانفرادي أو الفوضوي بل محاولة لتأكيد قيمة التغريد خارج السرب. فبالتغريد خارج السرب تتولد الأنغام الجديدة ويعاد تشكيل السياق ومحدداته. فلولا وجود أصحاب ''الرؤوس اليابسة'' من أمثال محمد بوقرين وأمية الدمج ونجية عبدالغفار و''أمهات ساحة مايو'' وغيرهم ممن نعرف ولا نعرف، ولولا امتلاك بعضنا الجرأة على النشوز، ولولا أن بيننا من لا يروْن خياراً أمامهم سوى الخروج عن المألوف وتحدي مختلف أنواع السلطة مهما كانت التَبِعات لأَسَنَ الواقِعُ ولتَوَّقفَ التاريخ أعيد فيما يلي سرد أربع قصص تختلف في الزمان والمكان. قد يعتبر أحدٌ أن هذه القصص تفتقر إلى خيطٍ وأنها قصص فردية يعاني أبطالها وبطلاتها من العناد وعدم المرونة. وقد يتفق أحدٌ معي على أن فيها ما هو أبعد من الفردي والاستثنائي. بل ولربما يوافق على وضعها تحت عنوان واحد واعتبارها أشكالاً مختلفة من المقاومة


صحيفة الوقت
06 مايو, 2008

.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro