English

 الكاتب:

خالد المطوع

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

الشركات بدلاً من «حوار الأديان»!
القسم : عام

| |
خالد المطوع 2008-05-26 11:08:21



يكثر الحديث عن ضرورات «الحوار بين الأديان» وأن يكون هنالك فيض وسيلان من الجهود مدعوم ومحفز من قبل أعلى المستويات كما أنه وعلى السياق ذاته، فهنالك المؤتمرات والندوات والأمسيات التي تعقد وتنظم وكذلك الدعوات والمبادرات العليا، ومنها ما تردد أخيراً في مختلف الأوساط الإعلامية عن مبادرة العاهل السعودي للحوار بين الأديان التي لاقت ترحيباً وتشجيعاً كبيراً من قبل العديد من النخب الفكرية العربية التي دعت إلى إحياء مثل هذه المبادرات الهادفة إلى «ترسيخ الوئام الحضاري في ما يصلح حال البشرية عامة» بالإضافة إلى تكرار ظهور الشارات الصورية المعهودة لتعانق الهلال الإسلامي والصليب المسيحي ونجمة داود اليهودية، وكأنما باقترابها يصلح حال الأمة البشرية جمعاء، إذ كالعادة يسبح الشيخ والقس والحاخام بدعواتهم الخطابية في فلك التسامح والتصافي الإنساني! ولكن بالعودة إلى جذور العديد من المحارق البشرية الكبرى في تاريخ الإنسانية بما في ذلك عهدنا الحديث بما فيها حرب احتلال أفغانستان والعراق والتي في معظمها انطلقت من باطن الرغبات الجشعة في بسط النفوذ الاستراتيجي على موارد الطاقة والثروات الطبيعية والتحكم في المنافذ تمهيداً واستعداداً لمعارك استراتيجية أكبر، والتي لربما أحسنت تمثيلها في الآونة الأخيرة مصالح أخطبوط الشركات المتعددة الجنسيات مثل «هالبرتون» وغيرها من «كارتلات» النفط والسلاح ووجدت لها تحالفاً إعلامياً تسويقياً غير مسبوق شكلته إمبراطورية الملياردير روبرت مردوخ الإعلامية، وبتنا في قلب ما بات يعرف بحسب المفكر الاقتصادي العالمي سمير أمين بأنه عسكرة نيوليبرالية بائسة تستلزم وضع حد لمغامرات ومجازفات فوضوية في باطن الرأسمالية العالمية المتوحشة دفعت الإنسانية ثمنها كثيراً، وابتليت بما خلفه سعار التراكم الرأسمالي من تدمير بيئي واستنزاف للموارد الطبيعية وتقويض إمبراطوريات لحساب إمبراطوريات أخرى مستحدثة.

بل إن هنالك الكثير من المؤرخين المعاصرين وليسوا بالضرورة ممن يتبنون المنظور الماركسي في قراءة التاريخ وتحليل الحوادث والمنعطفات المصيرية والحاسمة ينطلقون في استشفافهم لمسببات الحروب والصراعات العالمية الكبرى في أنها تعود إلى عوامل إقطاعية - حضارية، ومساع لزيادة تراكم رأس المال ونهب الثروات من دون أن يكون من بين هذه العامل أي دافع وحافز حيوي مرتبط بالدين والمذهب إلا أن يتم استخدامهما كغطاء «شرعي» وكتدبيج يبتغي الحصول على أكبر كم ممكن من التحريض والتأييد كما هو حاصل مع الحروب الصليبية التي اتهم الإقطاع الأوروبي القروسطي بالمسئولية الرئيسية حولها، إلى جانب أحداث مصيرية مثل اكتشاف القارة الأميركية والحرب الأهلية الأميركية وغزو العراق وغيرها من مغامرات استكشافية واحتلالية سابقة على أيام بريطانيا العظمى التي أفل مجدها الإمبراطوري، وربما حتى نفرة الرئيس الأميركي جورج بوش الأخيرة على حكام وحكماء العرب في شرم الشيخ! فهل كانت الأديان في حد ذاتها مسئولة عن كل ما جرى أم أن هنالك أسبابا ودوافع أكثر عمقاً وأشد اندلاعاً والتهاباً في بواطن القرارات والمقدرات الخفية؟! وهل تنعكس صورة الأديان المتناحرة على الحقيقية الأبدية والحجم الحقيقي لهذا الصراع وتلك المآسي الإنسانية، أم أن تناحر الأديان إنما هو أداة ووسيلة فقط من بين الأدوات والوسائل التي يتم اختبارها ممن يسعون لحقيقة الربح الأبدي ويؤمنون بالسقف الرأسمالي الذهبي الذي لا غيوم ولا سموات فيه أو تعلو عليه!

أرى أن هنالك حاجة عملية أكثر إلحاحاً لاختزال الطريق السالك دوماً نحو انتقاء نموذج وعناصر محددة كل مرة من رجال الدين من ذوي الوجوه البيضاوية السمحة ليتحاوروا ويتشاوروا ويتعانقوا ويصدروا التوصيات تلو التوصيات الوردية، بل لابد من استبدال حوار الأديان وحوارات المذاهب بحوارات الشركات المتعددة الجنسيات وحوارات «الضيعات» وحوارات الإمبراطوريات الإعلامية والبنى الطبقية المتعدية للهويات والتي تشكل في واقعنا المعاصر طبقة عليا وخارقة تفرض هيمنتها ووصايتها المعولمة على الكوكب وأهله وموارده، والتي ينبغي أن ترادفها وتنظمها وتشرف على إدخال أباطرة وقراصنة الرأسمالية المتوحشة إلى «جنة الحوار»، فلربما تعيش حينها الإنسانية سلاماً وحنيناً أكثر دفئاً وألقاً واتساعاً للجميع، وربما أكثر مما قد نراه بعد نزول المسيح عليه السلام اذ «‏تَرْتَعَ ‏ ‏الْإِبِلُ مَعَ الْأُسْدِ جَمِيعًا وَالنُّمُورُ مَعَ الْبَقَرِ وَالذِّئَابُ مَعَ الْغَنَمِ وَيَلْعَبَ الصِّبْيَانُ وَالْغِلْمَانُ بِالْحَيَّاتِ لَا يَضُرُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»!

 

صحيفة الوسط
Monday, May 26, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro