English

 الكاتب:

سبيكة النجار

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

لنفتح باب التعليم للتغيير
القسم : عام

| |
سبيكة النجار 2008-06-05 08:45:00



كلما حاولت التوبة عن ممارسة التعليم بأي شكل من الأشكال تضعني الظروف أمام طفل أو طفلين من عائلتي لأشرح لهم بعض ما استعصى عليهم من مواد دراسية وخصوصاً قبل موعد الامتحانات بأيام قليلة. هذا الوضع الذي أعاني منه في فترات متعددة يدفعني إلى التفكير في واقع وإشكالات التعليم في البحرين. فمن بين الملاحظات المتكررة التي لاحظتها هو عدم قدرة أولئك التلاميذ على القراءة بشكل صحيح، سواء في باللغة العربية أو الإنجليزية، وعدم معرفة الطريقة الصحيحة للمراجعة، إضافة إلى طريقة الإجابات على الأسئلة المتعلقة بالدرس، والتي تتسم بالاختصار الشديد أو حسب التعبير المصري «كلمة ورد غطاها». طبعاً، هذه الطريقة لا تعلم التلاميذ الكتابة ولا تنمي فيهم هذه الملكة، وبالتالي لا يستطيعون كتابة رسالة قصيرة أو تقرير عندما يدخلون إلى سوق العمل.

في البداية، اعتقدت أن هذه مشكلة تخص الأطفال الذين أدرسهم ولكنني اكتشفت أنها مشكلة عامة يعاني منها كثير من التلاميذ لدرجة كونها ظاهرة عامة في المدارس الحكومية. سألت إحدى مدرّسات اللغة الإنجليزية عن السبب في عدم مقدرة التلاميذ على النطق السليم للكلمات، ناهيك عن تهجئتها وتذكر معانيها، واكتشفت عدم وجود حصص للقراءة خصوصاً في الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية والإعدادية. علاوة على ذلك، فإن التلاميذ لا يعرفون استعمال القاموس بشكل صحيح. والقاموس بحد ذاته يشكل ثروة لغوية لا يستهان بها ولكنها مهملة في مدارسنا. المشكلة كما ذكرت سابقاً غير مقتصرة على اللغة الإنجليزية، بل تتعداها إلى اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم وتشكل هويتنا كعرب ومسلمين.

مشكلة التعليم عندنا لن تحلها مدارس المستقبل ولا إدخال أحدث النظم التكنولوجية ما لم يتم إصلاح النظام التعليمي إصلاحاً جذرياً بحيث يتعلم التلاميذ مهارات الحياة إلى جانب العلوم المختلفة. ولعل هذا هو السر في تطور التعليم في اليابان على سبيل المثال لا الحصر. وفي هذا المجال يذكر نيكولاس كريستوف الكاتب في مجلة «نيويورك تايمز» أن السر يكمن في كلمة واحدة هي «القيادة». فأطفال المدارس اليابانية يديرون شؤون فصولهم ومدارسهم إلى حد تنظيف الحمامات الخاصة بالمدرسة. وهم كما يقول يستفيدون من كل شيء يتعلمونه ويجعلون منه نبراساً في حياتهم وسلوكهم.

ذكرني ذلك بمشهدين مختلفين في مدارسنا: الأول الحالة التي عشناها نحن الجيل السابق حيث كنا نتسابق على ترتيب وتنظيف صفوفنا وفناء المدرسة ونعتبر ذلك جزءاً من مسؤولياتنا، وهذا الوضع علمنا حب العمل وعدم النفور من أية مهمة توكل إلينا. وما يؤسف له أن الصورة تنعكس تماماً في مدارسنا الآن. وأدلل على ذلك بالمثال الآتي: ففي روضة أوال يتعلم الأطفال مساعدة أنفسهم وتحاول الروضة تنمية مهارات الأطفال وروح العمل الجماعي لديهم بأن توكل إليهم مهمات بسيطة تحت إشراف مدرساتهم كترتيب السفرة التي يأكلون عليها صباحاً. وعندما علم أحد أولياء الأمور بذلك ثارت ثائرته ورفض أن تشارك ابنته معتبراً هذا من عمل الخدم وتباهى أمام مديرة الروضة بأنه يستطيع جلب عشر خدم ليقوموا بالمهمة عن ابنته.

في مدارسنا يلعب المدرس دور السلطة المطلقة، فهو الآمر الناهي، ينعم على المحسن ويعاقب من يسيء التصرف، وعلى التلاميذ السمع والطاعة، في حين تنعكس الصورة تماماً في اليابان فالطلبة اليابانيون حينما يرتكبون خطأ ما لا يقوم المعلمون بتصحيح الخطأ، إنما يوكلون هذا الأمر إلى طلبة آخرين، ولا يعاقب المعلمون الطلبة الذين يسيئون التصرف، بل يوكلون هذه المهمة إلى باقي الطلبة ليناقشوا الخطأ المرتكب ويقرروا طريقة معالجته. وهذا حسب رأي الكاتب هو مفتاح التعليم الابتدائي وما قبله في اليابان. طبعاً، هذا لا يلغي دور المعلم الذي يكون حاضراً دائماً للتأكد من عدم انحراف العملية التعليمية عن مسارها المرسوم لها.

في اليابان يعد التلميذ منذ مرحلة الروضة ليكون إنساناً فاعلاً في مجتمعه وناجحاً في عمله. وحيث إن العمل في فريق أو ما يسمى بلغة الإدارة «team work» هو أساس النجاح في الحياة العملية يتعلم الأطفال منذ بداية الروضة كيف يعملون مع زملائهم كفريق متجانس، وبالتالي يصبح ذلك سلوكاً يلازمهم مدى الحياة. فمثلاً يكتب المعلم السؤال على السبورة ثم ينقسم التلاميذ إلى فرق يناقشون السؤال ويجيبون عليه إجابة جماعية. بعد ذلك يقوم ممثل المجموعة بشرح ما اتفق عليه أمام التلاميذ. ومن القيم السلوكية التي يعتادها التلاميذ التقييم والمتابعة والنقد والنقد الذاتي وتصحيح الأخطاء وحل المشكلات، وذلك عن طريق عقد جلسات يومية أو بعد كل مهمة يتم إنجازها. كما يتعلمون القيم التي يتميز بها اليابانيون مثل اللطف والمحبة.

استطاع اليابانيون في فترة قصيرة من عمر الأمم أن يقفزوا على فقرهم وتخلفهم ليصبحوا دولة عظمى في المال والتكنولوجيا والتصنيع. ومفتاح السر في ذلك هو الاستثمار الصحيح في التعليم، ثم التعليم ثم التعليم. فماذا أنجزنا هنا على مستوى إعداد الفرد ليصبح فاعلاً في مجتمعه وناجحاً في عمله؟ أعتقد أننا بحاجة إلى جلسات تقييم بعيداً عن مركزية السلطة وسياسة الغرف المغلقة التي يخاطب بها المسؤولون أنفسهم. دعونا نفتح المدارس على مصراعيها لاستقبال رياح التغيير لخلق الإنسان الجديد قبل أن تسبقنا الشعوب الأخرى ونبقى نحن على الرصيف عاجزون بانتظار يد تمتد لمساعدتنا.

 

 

صحيفة الوقت
Thursday, June 05, 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro