English

 الكاتب:

كاتب بحريني

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ذُلُّ إسرائيل
القسم : سياسي

| |
كاتب بحريني 2008-07-08 12:52:35


في اليوم التالي لإعلان مصادقة الحكومة الإسرائيلية على صفقة تبادل الأسرى بينها وبين حزب الله كتب الروائي اللبناني إلياس خوري[1] ''أمس انتهت حرب تموز .''2006 وكم هو محقٌ في ذلك. فنحن نشهد الآن نهاية حرب انتصر فيها بضعة آلاف من المقاومين اللبنانيين تحت راية حزب الله على القوة العسكرية الأعظم في المنطقة.
تندرج الهزيمة الإسرائيلية ضمن سلسلة الإخفاقات العسكرية في منطقتنا. إلا أنه إخفاق لم نرتكبه نحن العرب هذه المرة. بل ارتكبته إسرائيل التي أعجبتها كثرتها وكثرة عتادها وما تتلقاه من دعم أميركي وما تعرفه عن الوهن الرسمي العربي. نعم كانت مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج ولكن من قام بها هو إسرائيل. وليس لنا الآن أن نتذكر مساعي بعض الإعلام العربي ومسؤولين عرب لإدانة حزب الله حتى وهو يخوض حرب الإبادة التي كانت إسرائيل تشنها على لبنان وشعبه. بل إن تذكر الدعوات لمحاسبة الحزب لقيامه، قبل استشارة الحكام العرب، باستفزاز إسرائيل.
أصرّ بعض الإعلام العربي ومسؤولون عرب على ترويج ذلك الموقف المتخاذل حتى بعد نشر تقرير لجنة التحقيق الإسرائلية برئاسة القاضي فينوغراد [2]. ومعلومٌ أن تقريرها يستخلص أن القرار الإسرائيلي بالرد على عملية أسر الجنديين ''ردا عسكرياً فوريا وحادا لم يستند الى.. دراسة دقيقة للطبيعة المعقدة للساحة اللبنانية''. فلو تمت مثل تلك الدراسة. كما يقول التقرير، لاتضح مدى محدودية قدرة إسرئيل على تحقيق انجازات عسكرية ذات تأثير سياسي. وفوق ذلك لم يقبل إعلامنا الرسمي تأكيد التقرير المذكور وغيره على أن تلك الحرب شكلت اخفاقاً كبيراً وخطيراً لإسرائيل لأنها اثارت الأسئلة حول قدرتها على الصمود والبقاء. فإسرائيل كما يشير التقرير لم تتمكن من أن ''تستخدم بشكل عقلاني وناجع قوتها العسكرية في حربها على لبنان ولم تتوصل إلى إنجاز سياسي ولا إلى إنجاز عسكري''.
نعم نشهد الآن نهاية تلك الحرب التي وقف فيها ''الجيش الذي لا يقهر'' عاجزاً أمام إصرار اللبنانيين على الدفاع عن أرضهم وكرامتهم. ولا شك أن نتائج تحليلات الإنجاز العسكري والصمود الشعبي اللبناني ستوفر دروساً يستفيد منها دارسو الاستراتيجية والتكتيك في مختلف أنحاء العالم. وقد تستفيد من هذه الدروس المؤسسات العسكرية العربية التي استكانت لعقيدة عسكرية عتيقة تعتبرُ الأمنَ حصيلة كثرة العدة والعتاد. ومعلومٌ أن هذه العقيدة العسكرية قد ثبت فسادها في مختلف مناطق العالم. والأمثلة على فسادها متعددة في منطقتنا العربية بما فيها حرب الأيام الستة في 1967 وتحول النصر العسكري الباهر في بداية حرب أكتوبر/تشرين أول 1973 إلى هزيمة عسكرية وسياسية ناهيك عن سهولة اجتياح الكويت في أغسطس/ آب 1990 ثم سرعة احتلال بغداد في أبريل/نيسان .2003 هذه الأمثلة وغيرها تشير إلى أن كثرة العدة والعتاد وإن أعجبت صاحبها قد لا تغني شيئاً ولا تمنع أن تضيق الأرض عليه حين تغيب الاستراتيجية الملائمة وحين لا يكون لديه من هم على استعداد للتضحية حين يضعونها موضع التنفيذ.
عند الإعلان عن مصادقة الحكومة الإسرائيلية على صفقة تبادل الأسرى بينها وبين حزب الله قال رئيس الوزراء إيهود أولمرت إنه دعا للتصويت على تلك الصفقة رغم ''الثمن الباهظ'' الذي ستدفعه إسرائيل. وناشد وزراءه وجمهوره بأن لا يكون لديهم أوهام. فإسرائيل ستعرف حسب قوله ''حزناً لا يوازيه سوى الإحساس بالذل نظرا إلى الاحتفالات التي ستجرى في الطرف الآخر[4]''.
نعرف الآن أن الذل الذي اشتكى منه إيهود أولمرت هو ذل متعدد الأضلاع. فمن جهة أولى هو ذلٌ ناجم عن فشل مغامرتها العسكرية في لبنان قبل سنتيْن. دولة تملك مئتيْ رأس نووي وتقف عاجزة عن المحافظة على مواقع احتلتها لساعات أو لأيام في قرى جنوبية. دولةٌ ترى نفسها ''مناراً أخلاقياً'' للعالم ولكنها ترتكب المجزرة بعد الأخرى في ''قانا'' وغير ''قانا''. وهو ذلٌ ناجمٌ عن اضطرارها للدخول في عملية تفاوض لتبادل الأسرى رفضتها منذ اليوم الأول بصلافة وبعنجهية. وهو ذلٌ ناجمٌ عن انكشاف كذب أسطورة الجيش الذي لا يُقهر. وهي الأسطورة التي صدقها حكام إسرائيل نفسها كما صدقها حكامنا فرسموا على ضوئها خريطة المنطقة منذ توقيع اتفاقيات ''كامب ديفيد'' في العام .1978 فلو قبلت إسرائيل بإجراء التبادل ولم تقم بمغامرتها العسكرية في صيف 2006 لما استطاع بضعة آلاف من أبناء وبنات الرعاة والفلاحين وبقية المحرومين في الجنوب اللبناني أن يفضحوا انكشافها الاستراتيجي رغم كل عدتها وعديدها ورغم الدعم غير المحدود الذي تقدمه لها الولايات المتحدة الأميركية.
لا يعرف الذل إلا من كابده. و لقد أذلتنا إسرائيل طوال العقود التي صدَّق فيها قادتنا أسطورة ''الجيش الذي لا يُقهر'' ولكن صمود اللبنانيين أسقط تلك الأسطورة وأذلّ إسرائيل. وسنرى قمة ذلك الذل حين يعود الأسرى اللبنانيون والفلسطينيون إلى ديارهم وحين تخرج الناس ابتهاجا باستعادة أسرانا حريتهم وهم مرفوعو الرؤوس. ولن يوازي الفرحة بعودة الأسرى كما يكتب إلياس خوري سوى ''الفرحة بعودة الذاكرة''. فمن بين الجثامين التي ستضطر إسرائيل إلى تسليمها جثمان الشهيدة دلال المغربي التي لها مكانتها في ذاكرة منفيين بحرينيين شاركوا أباها الفدائي السابق سعيد المغربي وبقية أهلها حزنهم عليها وافتخارهم بها. ومعلومٌ أن دلال المغربي وهي ابنة العشرين عاماً استشهدت قبل أكثر من ثلاثين سنة وهي تقود مجموعة فدائية فيها يمنيون ولبنانيون وفلسطينيون لإنجاز عملية نوعية وجريئة استهدفت قلب تل أبيب. ولعل الصدفة وحدها هي التي جعلت أن يكون قائد المجموعة العسكرية التي واجهت قافلة الشهيدة هو إيهود باراك وزير الدفاع الحالي في الحكومة الإسرائيلية[4]. ولعل الصدفة أيضاً هي التي ستجعل من عودة جثمانها فرصة لكي نشاهد مرة أخرى وضاعة باراك من خلال الصور التي التقطت له وهو يعبث بجثمان الشهيدة.
نعم ستنهي صفقة تبادل الأسرى والجثامين حرب 2006 على لبنان. ولكن تلك الحرب لم تكن إلا فصلاً في سفر التصدي لإسرائيل وما تمثله في الجهود الإمبريالية لإدامة الهيمنة على منطقتنا. ونحتاج أن نتعلم من دروس الصمود والمقاومة في لبنان حتى نستطيع أن نسطر صفحات انتصار أخرى في ذلك الكتاب.
 [1] إلياس خوري، ''عن دلال المغربي''، القدس العربي، 1 يوليو/تموز .2008
[2] ''نص موجز تقرير لجنة فينوغراد المرحلي''، موقع مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات عبر الوصلة: http://www.alzaytouna.net/arabic/?c=129&a=39407
[3] راجع: ''خمسة مقاتلين من حزب الله ورفات 10 مقابل الجنديين - أولمرت: نوافق ''بذُلٍّ'' على صفقة الأسرى، صحيفة (الوقت) 30 يونيو/حزيران 2008
[4] راجع: ''استذكار للشهيدة دلال المغربي بطلة عملية هرتسيليا'' موقع قناة المنار عبر الوصلة:
http://www.almanar.com.lb/NewsSite/NewsDetails.aspx?id=48278

بقلم: عبدالهادي خلف 
* كاتب بحريني - أستاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد

 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro