English

 الكاتب:

ناشط عربي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

اليهــود شعبــاً ودولــةً
القسم : سياسي

| |
ناشط عربي 2008-07-23 18:28:16


بقلم: سليم الحص
في السنوات التي أعقبت نكبة فلسطين كان العداء العربي لليهود في حال من الغليان، فكانت مقولة قذف اليهود في البحر من الشعارات الرائجة في الإعلام العربي ومن المسلّمات في توجهات الإنسان العربي، إلا أن هذا المنحى من التفكير تبدل مع الزمن وبات اليوم من المسلمات أن العرب يرفضون الكيان الصهيوني رفضاً قاطعاً، وأضحى المشروع العربي يتمحور على استعادة وحدة فلسطين وطناً يتساكن فيه العربي واليهودي مع حفظ حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم. حلت فكرة التعايش مع اليهودي محل فكرة قذف اليهود في البحر. بعبارة أخرى ما زال العربي يرفض الكيان الصهيوني أو الدولة اليهودية وإن كان يتقبل شراكة اليهود في دولة عربية علمانية.
هذا التحول في التفكير العربي يعود إلى جملة عوامل واعتبارات:
ميّز الإسلام بين منزلة اليهود ومنزلة المسيحيين، حيث جاء في القرآن الكريم: »لتجدنّ أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون« (المائدة: ٨٢).
ويلاحظ أن كتاب الله لا يقول إن المسلمين يناصبون اليهود العداء، وإنما قال فعلياً إن اليهود هم الذين يناصبون المسلمين العداء. فقد قال عن اليهود إنهم الأشد عداوة للذين آمنوا، ولم يقل إن المؤمنين هم الأشد عداوة لليهود. إذاً، منذ القدم، فالعرب لا يستعْدون اليهود بل اليهود هم الذين يستعْدون العرب. وهكذا في العصر الحديث، فالعرب لم يكونوا هم الذين اعتدوا على اليهود، بل اليهود هم الذين شنواً حرباً على العرب، فتقاطروا على فلسطين من كل أصقاع الدنيا مدججين بالأسلحة الفتاكة فاقتلعوا العرب من ديارهم وحلوا محلهم فيها، فوجد الشعب العربي الفلسطيني نفسه مشرداً، في حال الدفاع عن النفس، وكان قدر مئات الألوف منه أن يهيموا لاجئين داخل الأرض المحتلة أو في الجوار العربي، ومع الزمن تكاثر هؤلاء وهم لا يزالون، بعد ستين سنة على النكبة، لاجئين يعانون شظف العيش في حياة بائسة يفتقرون فيها إلى أدنى مقومات العيش الكريم.
إن حال العداء بين العرب واليهود مصدرها اليهود وليس العرب. وإذا كان العرب، عبر عقود من الزمن، قد اعتصموا بنظرية طرد اليهود عن أرضهم وقذفهم في البحر، فقد تطور التفكير العربي مع الزمن بحيث غدا العربي يتقبل مساكنة اليهود في وطن موحد عاصمته القدس مع حفظ حق العودة لجميع اللاجئين. هذا التحول في التفكير لم يكن نتاج صدفة أو مزاجية، وإنما نتاج منطق فرض نفسه في ظل المعطيات التاريخية والدولية المعاصرة. فحركة الهجرة بين الشعوب أضحت من معطيات الواقع الدولي في الوقت الحاضر. وكم من العرب هجروا الأرض العربية ليعيشوا في بلاد الاغتراب، وبينهم آلاف يقيمون في دول الأميركتين، وأيضاً في أقطار أوروبا، وكذلك في بلدان الشرق الأقصى وأستراليا. فإذا كان الغرب يتقبل المهاجرين العرب وكذلك الشرق، فلماذا لا يتقبل العرب الوافدين اليهود إلى فلسطين العربية؟
وظاهرة العولمة هي ظاهرة اختراق للحدود وتداخل بين أقطار العالم أجمع على مختلف الصعد الاقتصادية والمالية والسكانية، وهي ظاهرة تعاظمت خلال الفترة الأخيرة وما زال مدها يتنامى. والعرب من حقهم أن يدرأوا عن أنفسهم أخطار العولمة ولكنهم لا يستطيعون عزل أنفسهم كلياً عن مفاعيلها. وظاهرة العولمة، على الصعيد السكاني، تتبدى في أجلى صورة في بعض أقطار الخليج العربي، ولا سيما في إمارة دبي وسواها. إن زمن القوقعة والعزلة المطلقة قد ولّى إلى غير رجعة. وما يصحَّ على سائر الأقطار العربية يسرِ، ربما في شكل أسطع، على فلسطين.
إذا تحقق المشروع العربي فاستعادت فلسطين وحدتها لتضم العربي إلى جانب اليهودي، فإن الدولة الصهيونية تكون قد زالت من الوجود. وهذا في ذاته سيكون من شأنه إحداث تبدل جذري في نظرة كثير من اليهود إلى فلسطين، خصوصاً أن عودة اللاجئين العرب إلى ديارهم ستجعل كفة العرب في فلسطين هي الراجحة، كما أن المستقبل يمنّي بمزيد من الرجحان في كفة العرب على حساب كفة اليهود بالنظر إلى أن معدل التكاثر الطبيعي في الجانب العربي هو أعلى كثيراً منه في الجانب اليهودي. هذا الواقع سيدفع بكثير من اليهود إلى تغيير نظرتهم إلى فلسطين كوطن يهودي. وسيكون من جراء ذلك تزايد الانكفاء بين اليهود عن القدوم إلى فلسطين وكذلك استنكاف المزيد منهم عن استثمار مدخراتهم في فلسطين. ومما يذكر أن مسلسل الانتصارات التي سجلتها المقاومة اللبنانية على إسرائيل والصمود الأسطوري الذي سجلته المقاومة الفلسطينية في وجه أعتى قوة في الشرق الأوسط، كان لهما فعلهما في تعديل ميزان الهجرة والاستثمارات إذ تزعزعت ثقة اليهود بمستقبل فلسطين كوطن يهودي، فإذا بمنسوب الهجرة الخارجة من إسرائيل يغلب على منسوب الهجرة الوافدة. فلا غرابة في أننا بتنا للمرة الأولى نسمع بأن الكيان الصهيوني إلى زوال إن عاجلاً أم آجلاً.
حداني إلى كتابة هذه السطور نبأ ورد في الصحف الصادرة في ٢١/٧/٢٠٠٨ جاء فيه أن نائب الرئيس الإيراني إسفنديار رحيم مشائي نفى ما تناقلته بعض وكالات الأنباء من تصريحات نسبت إليه عن وجود علاقات صداقة مع الشعب الإسرائيلي، مؤكداً أن بلاده لن تعترف بإسرائيل. وإذ أكد أنه لم يصرح بأن الشعب الإيراني صديق للشعب الإسرائيلي، فإنه أردف القول: إن من مفاخر الشعب الإيراني أنه لا يضمر العداء لأي شعب.
هذا مثال واضح على الالتباس الذي قد يعتري الحديث عن الشعب اليهودي بالتمايز عن الدولة الصهيونية. نحن لسنا ضد اليهود كشعب، لكننا ضد الدولة الصهيونية إسرائيل. نتعايش مع الشعب اليهودي في فلسطين ولا نتعايش مع دولة تسمى إسرائيل.
ويحضرني مثال آخر في كلام سمعته من المناضل الكبير، الأسير العائد سمير القنطار، إذ أصرّ في حديث متلفز على تبرئة نفسه من مقتل طفلة يهودية في العملية التي نفذها يوم أصيب بعدة رصاصات وكان نصيبه أن يقضي في الزنزانات الإسرائيلية نحو ثلاثين سنة. إن التعفف عن قتل طفلة يهودية ينمّ عن تمييز بين الإنسان، وبالتالي الشعب، اليهودي، من جهة، والدولة الصهيونية من جهة أخرى.
إسرائيل تمتلك أكثر من مئتي رأس نووي. نحن ندعو أن لا يكون لدينا، نحن العرب، قنبلة نووية، وإيران ماضية قدماً في تخصيب اليورانيوم توصلاً إلى تطوير الطاقة لأغراض سلمية، وليس إلى تطوير قنبلة نووية. ولو كنا نمتلك قنبلة نووية لما فكرنا لحظة في استخدامها ضد الشعب اليهودي. فضميرنا، كما ديننا، ينهياننا عن القتل العشوائي والإبادة التي لا تميز بين مجرم وبريء.
السفير – 23 يوليو 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro