English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المقاومة والناس
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-08-19 12:30:19



اهتم أغلب الإعلام الغربي بالمظاهرة السياسية التي نظمتها الولايات المتحدة في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الدائرة في العاصمة الصينية. فحين دخل الوفد الأميركي ساحة استاد «عش الطير» رأينا أن حامل الراية الأميركية هو الرياضي «لوبيز لومونج» وهو لاجئ من مواليد دارفور في السودان وحصل على الجنسية الأميركية في السنة الماضية. وقرأ معلقون في ذلك رسالة احتجاج أميركية ضد الصين التي تتهمها بمساندة حكومة السودان.
لا أقصد الاستهانة بدوافع أعضاء الوفد الرياضي الأميركي حين أشير إلى أنهم تظاهروا باسم حكومة بلادهم وللتعبير عن موقف إدارتها. ولا حين أعتبر مثل كثيرين من المتعاطفين مع أهلنا في «دارفور» أن التظاهرة الأميركية كانت استغلالاً لمأساة أولئك الناس. وهو استغلال يزيد من قسوته ما تقترفه الإدارة الأميركية من جرائم في مناطق أخرى من العالم. فلم تكن مشاركة الرياضيين الأميركيين في تلك التظاهرة تعبيراً عن تضامن إنساني بل جزءاً من «مهمة» رسمية لا تكلف المشارك فيها شيئاً. إلا أن أسوأ ما في تلك التظاهرة هو أنها تأتي في سياق الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والصين وتنافسهما السياسي والاقتصادي بشأن السودان وغير السودان. ولا يُستبعد أن تتناسى الإدارة الأميركية كل «دارفور» وأن تتركها لمصيرها حين تتوصل إلى تسوية بشأن أمور عالقة بينها وبين الصين.
لم تكن تلك «الحركة» أول محاولة للاستفادة مما توفره مناسبة كونية في وزن دورة الألعاب الأولمبية من مجال لتوصيل الرسائل. ولن يكون الأميركي/ السوداني آخر «سعاة البريد». ومعلومٌ أن محاولات الاستفادة من المناسبات لا تنحصر في كبرياتها مثل الأولمبياد الصيفي أو الشتوي أو مسابقات كأس العالم. فلا أحد يقبل الدعوات العقيمة إلى «عدم التسييس». ولا أحد يصدق الادعاء بأن «لا دخل للرياضة في السياسة». فالسياسة، بمضمونها التجاذبي، تتداخل في كل أنشطتنا الاجتماعية مهما كبرت أو صغرت. فهي تؤثر في الشأن العام مهما كان اتساعه، كما تؤثر في الشأن الخاص مهما كانت حميميته.
كغيري من المتابعين لم يكن لي بدٌ من مقارنة تظاهرة الاحتجاج الأميركية في حفل افتتاح دورة بيجين الأولمبية وبين تظاهرة احتجاج أميركية أخرى جرت في أثناء الدورة الأولمبية التي نظمتها مدينة مكسيكو في .1968 ومثل غيري رأيتُ شتان بين الاثنتيْن. ولكي أشرح هذا الفرق الشاسع سألخص ما حدث في مدينة مكسيكو قبل أربعين عاماً.
في تلك دورة ,1968 فاز العداءان الأميركيان تومي سميث وجون كارلوس على التوالي بالميدالية الذهبية والبرونزية في سباق مئتيْ متر. وأثناء عزف النشيد الوطني الأميركي في نهاية حفل تقديم الميداليات قام الاثنان برفع قبضتيهما المغطيتيْن بقفازات سود في الهواء بالطريقة المعروفة آنذاك بين نشطاء الحقوق المدنية في أميركا. كانت الحركة التي تبدو بسيطة الآن ذات دلالات سياسية كبيرة ستمتد تأثيراتها إلى مختلف أنحاء العالم. فلقد كانت قبضتا اليد المرتفعتان إلى السماء تمثلان آنذاك احتجاجاً صامتاً وإن واضحاً، على السياسة العنصرية في أميركا. وما زاد من الأهمية الرمزية لذلك الاحتجاج إعلان الفائز بالميدالية الفضية، الأسترالي بيتر نورمان، تضامنه مع زملائه على المنصة.
وقف العالمُ ليلتها مبهوراً أمام صورة نقلتها جميع وسائل الإعلام. هاهما اثنان وصلا إلى قمة المجد في حقلهما ومع ذلك لا يرَيَان مناصاً من الاحتجاج على واقعٍ ظالمٍ[1]. بل ولا يرَيان حرجاً في مواجهة تبعات احتجاجهما على الظلم. صورةٌ لعزة النفس في أكمل تجلياتها. تلك كانت صورة شابيْن في بداية العشرينات من عمرهما يرفضان دخول جنة النظام التي فتحت لهما أبوابها. بل ويُصرّان على الالتحاق بركب المناضلين من أجل نظام لا يقوم على الاضطهاد والاستغلال، بل يسعى إلى ضمان العدالة والمساواة بين الناس. في تلك الصورة التي تحولت ملصقاً منتشراً في كل مكان شرح سميث وكارلوس ببلاغةٍ، وهما صامتان، الفرقَ بين فعْلِ الاحتجاج وفعْل المقاومة. وفي لحظات جسَرا المسافة بين الفعليْن. بمقدار ما كان احتجاج العدّاءَين سميث وكارلوس مفاجئاً كانت ردود الفعل عليه متوقعةً تماماً. فلقد هاج أغلب الإعلام الأميركي وأدانهما لأنهما «شوَّها» سمعة بلادهما. وتحدث بعض ذلك الإعلام عن طفولية ذلك الاحتجاج وعن أنه تصرفٌ مراهقٌ يعكس عدم النضج والرغبة في الظهور. أمّا اللجنة الأولمبية الدولية فلم تتأخر إجراءاتها العقابية القاسية. فبعد أن أشارت إلى رفضها «إقحام الرياضة في متاهات السياسة»، طردت العداءَين الأميركيَين من الدورة وسحبت ميداليتيْهما كما أعلنت منعهما مدى الحياة من المشاركة في أنشطة الحركة الأولمبية. جديرٌ بالذكر أن رئيس اللجنة الأولمبية الدولية آنذاك هو الأميركي أفيري برونداغ المعروف بمواقفه الغارقة في اليمينية علاوة على صداقته الحميمة مع عدد من عتاة اليمين الأوروبي وفي مقدمهم الدكتاتور الإسباني الراحل الجنرال فرانكو.
لم يكن مستغرباً أن تتضافر جهود مختلف الأطراف لمعاقبة سميث وكارلوس على جرأتهما. فهما لم يكتفيا بالاحتجاج، بل حوّلا احتجاجهما إلى فِعْل مقاومة. فلم ينحصر جرْمهما في احتجاجهما على العنصرية والاضطهاد الذي يتعرض إليه السود وبقية الأقليات في أميركا. ولا في أنهما لم يتنازلا حين أتيحت لهما الفرصة أن يدخلا نعيم النظام بعد أن أحرزا الميداليات الأولمبية. ففوق كل ذلك لم يكن احتجاجهما قراراً فردياً أو ابن ساعته، بل كان جزءاً من نضالهما في إطار حركة الدفاع عن الحقوق المدنية الناشطة في مختلف أرجاء الولايات المتحدة. ولهذا كان الثمن الذي فُرض عليهما دفعه فاحشاً. ونحن لا نتحدث عن مجرد جائزة أو عن مسابقة عادية، بل عن ميداليات أولمبية يحلم بمثلها الآلاف كل أربع سنوات ولا يتمكن من الوصول إليها إلا نخبة النخبة. ونحن لا نتحدث عن مكافأة مالية تأتي وتذهب ليأتي غيرها، بل عن مستقبل كان يمكن أن يكون باهراً لولا أن أقفلت أبوابه اللائحة السوداء. ومع ذلك صمد الاثنان فدخلا التاريخ لا كأفراد احتجّا على الظلم والاضطهاد، بل كأشخاص انتظموا في مقاومة نظامٍ يقوم على الظلم والاضطهاد. وبهذا حافظا على صورتهما حيّة في ذاكرة أجيال من المدافعين عن حقوق الإنسان في بلادهما وخارجها. صورةٌ محرضةٌ بكل المقاييس. صورةٌ شامخة لا يفهم مغزاها ولا يقدر قيمتها التاريخية أولئك الذين تعودوا إحناء الرأس خوفاً أو طمعاً أو تزلفاً.
 (1) Amy Bass، «Not the Triumph but the Struggle -The 1968 Olympics and the Making of the Black Athlete». University of Minnesota Press،.2002
- أستاذ علم الاجتماع في جامعة لوند (السويد)
الوقت – 19 أغسطس 2008
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro