English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

التضامن مع أهلنا في غزة
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-08-27 00:55:57



نشرت «القدس العربي» في عدد نهاية الأسبوع الماضي تقريراً لوكالة الأنباء الفرنسية يشير إلى أن مصر التي تعرضت في السابق «إلى اتهامات إسرائيل والولايات المتحدة بالتقصير في مكافحة تهريب الأسلحة إلى قطاع غزة، قررت الاستعانة اعتباراً من حزيران/ يونيو بفريق من الاختصاصيين الأميركيين لرصد الانفاق[1 ]».
وتتضمن المعونة التي حصلت مصر عليها تدريب حرس الحدود المصريين وتزويدهم بالمعدات المتطورة في مجال الكشف عن الأنفاق علاوة على إيفاد «وحدة من المهندسين التابعين لوزارة الدفاع الأميركية لمساعدة حرس الحدود المصريين، وهي اتخذت مواقعها، لكنها تبقى متوارية عن الانظار ». ولقد أدى هذا التعاون الأميركي المصري إلى نجاح السلطات المصرية في إغلاق نحو 197 نفقاً منذ بداية العام الجاري. كما صادرت كميات كبيرة من السلع الغذائية والوقود والسجائر كانت داخل هذه الأنفاق إضافة إلى مضخات وأنابيب بلاستيكية تستخدم في ضخ الوقود من الجانب المصري إلى الجانب الفلسطيني. يذكر في هذا الصدد أنه ومنذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة العام 2005 قامت الحكومة المصرية بنشر 750 عنصراً من حرس الحدود إضافة إلى عناصر الشرطة على طول الحدود المشتركة مع قطاع غزة. كما أقامت على الحدود الواقعة بين البحر والصحراء جدران من الاسمنت والأسلاك الشائكة. وتكمل هذه الجدران الجدار العازل الذي أقامته إسرائيل على حدودها مع غزة .
في اليوم نفسه نشرت وسائل إعلام مختلفة خبر وصول أكثر من أربعين من نشطاء التضامن الدولي على متن سفينتين إلى شواطئ غزة. وحسبما نُشر في وسائل الإعلام فإن من بين ركاب سفينتيْ « كسر الحصار» راهبة كاثوليكية عمرها 81 عاما جاءت مع آخرين من حَمَلة ستة عشرة جنسية للمشاركة في نقل مساعدات غذائية وأدوية إلى أهلنا في غزة. ويهدف المشاركون بجانب إعلان تضامنهم مع المحاصَرين إلى تسليط الأضواء على تدهور الظروف المعيشية والصحية والأمنية التي يعاني منها سكان قطاع غزة منذ أن فرضت إسرائيل الحصار عليهم . ومعلومٌ أنه حصارٌ صارمٌ لا نعرف عنه إلا بعض تفاصيله بسبب حصار إعلامي قلَبَ الصورة رأساً على عقب فجعل غزة جانية وإسرائيل ضحية .
لقد أُضطرت إسرائيل إلى التراجع عن تهديداتها باستخدام القوة لمنع السفينتيْن من الوصول إلى شواطئ القطاع المحاصر. وتمكنت السفينتان بعد سنتيْن من التخطيط والإعداد من كسر الحصار رغم الصعوبات التقنية والمالية ورغم مرورهما بالقرب من واحدٍ من حقول ألغام زرعتها إسرائيل في الممرات البحرية المؤدية إلى السواحل الفلسطينية. وحسب تقرير نشرته صحيفة «الوقت[2]»، فلقد وصلت السفينتان إلى شواطئ غزة رغم محاولات إسرائيلية في آخر لحظة لتعكير أجواء المناسبة بإطلاق النار على قوارب فلسطينية أبحرت لتستقبل السفينتين .
يعرف أهلنا في غزة، كما تعرف إسرائيل، أن لسفينتيْ كسر الحصار وللنشطاء الدوليين على متنهما دوراً مهماً يفوق في إلحاحه نقل المساعدات وإعلان التضامن. ويتمثل هذا الدور في فضح الجرائم الإسرائيلية التي تُرتكب تحت غطاء الحصار المتستر بما يسمى بشرعية الحرب ضد الإرهاب. وعلى هامش هذا الدور يمكن أيضاً تسليط بعض الضوء على الإسناد العملي، لوجيستياً وسياسياً وإعلامياً، الذي تقدمه دولٌ عربية لإسرائيل، والولايات المتحدة الأميركية، لأحكام حصارهما لقطاع غزة وللتستر على جرائمهما في ظل ذلك الحصار. بل إنني أرى أن في صمت الدول العربية الأخرى دعماً لا يُستهان به، خصوصاً تلك الدول التي تتباهى بعلاقاتها المميزة وتحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة .
بضعة كيلومترات هي المسافة الجغرافية التي تفصل بين نقطة الحدود المصرية في رفح وبين شاطئ غزة، حيث رست السفينتان «الحرية » و«غزة الحرة». إلا أن المسافة الأخلاقية بينهما كبيرة. فعلى نقطة حدود رفح تتشدد السلطات المصرية في تنفيذ إحكام الحصار على قطاع غزة. بينما نرى على الشاطئ الغزاوي كيف استطاع أربعون ناشطاً من مختلف بلدان العالم كسر الحصار الإسرائيلي بعد جهود استمرت طيلة عاميْن. أي منذ أن أعلنت إسرائيل حصارها على غزة الذي تبعه انسحاب المراقبين الأوروبيين العاملين في معبر رفح وإيقاف عمل آلات التصوير التي كانت تبث صور الواصلين والمغادرين إلى غرفة القيادة والتحكم الإسرائيلية. ومعلومٌ أن الموقف الرسمي المصري لا يعكس الموقف الشعبي فيها. فالموقف الرسمي يحكمه الابتزاز الأميركي وضغوط المعونة الأميركية ناهيك عن القيود الذي تفرضها اتفاقيات كامب ديفيد. ومما يزيد من شدة الحصار الإسرائيلي على أهلنا في غزة هو إصرار النظام المصري على تأكيد التزامه بشروط اتفاقيات أخرى، مثل اتفاقية المعابر بين السلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس وإسرائيل، رغم أن مصر نفسها ليست طرفاً مباشراً في تلك الاتفاقيات .
لا يستطيع حتى أكثر الناس تفاؤلاً أن يرى في وصول السفينتيْن « الحرية» و«غزة الحرة» نهاية أحزان أهلنا في غزة. ولكنها تزيدهم إيماناً بأنهم ليسوا وحدهم. وبالمقابل لا يستطيع حتى أكثر الناس تشاؤماً أن يقول إن التشدد الرسمي المصري في الالتزام بالشروط الإسرائيلية/ الأميركية سيؤدي إلى استسلام المقاومة الفلسطينية في غزة أو إلى يأسها من مصر وشعبها. فأهل غزة هم أكثر العرب معرفة بإسهامات مصر وبدورها في طليعة حركة التحرر الوطني العربية حين لم تكن تكبلها قيود الاتفاقيات ولم تكن تبتزها شروط المعونة الخارجية .
هما موقفان متباينان. موقفٌ أخلاقيٌ يحكمه حب الناس والتضامن مع ضحايا الظلم والاضطهاد بغض النظر عن أصولهم وجنسياتهم ومعتقداتهم الدينية والسياسية. وموقفٌ نفعيٌ يحكمه الخوف من إزعاج أميركا أو استفزاز إسرائيل حتى ولو كان أهلنا هم أول ضحاياهما .

[1]
انظر: «مصر تكثف البحث عن أنفاق التهريب إلى قطاع غزة»، القدس العربي، 23 و24 أغسطس/ آب .2008
[2] «
غزة استقبلتهم بحرارة وحشود رسمية وشعبية»، سفينتا النشطاء الأجانب تكسران إرادة إسرائيل’’، الوقت 24 أغسطس/ آب .2008

-
كاتب بحريني، أستاذ علم الاجتماع في جامعة (لوند) - السويد

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro