English

 الكاتب:

د. علي الديري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تقريب القرضاوي
القسم : عام

| |
د. علي الديري 2008-10-02 17:16:58


عقد في سبتمبر/ايلول 2003 في البحرين، مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية، تحت رعاية جلالة الملك، وهي رعاية تحمل في دلالتها الضمنية معاني مؤتمرات التقريب التي أصبحت واجهة سياسية للمشاريع الإصلاحية، يمكنك عبرها أن تلمع ما تريد وأن تمرر ما تريد وأن تَظهر بما تريد .
في هذا المؤتمر الذي استمتعت فيه كثيراً بوجبة الفطور الفاخرة، ولم تنغصها المشادة الكلامية التي أثارها التقريبيون فيما بينهم، بسبب فلتة من فلتات بعضهم على بعضهم. كان الشيخ القرضاوي مشاركاً بعلامة اعتداله الظاهرة على جنبه، فقد كانت إلى جنبه زوجته الشابة بحجابها الأنيق، تسنده بثقة امرأة عصرية منفتحة على الحياة .
على هامش المؤتمر، كنت والأستاذ عبدالجبار الرفاعي، والسيد هاني فحص، والدكتورة زينب شوربا، بين الجد والهزل نسخر بمرارة من استنفاد مؤتمرات التقريب لمفاعيلها، وتحولها إلى واجهات يُفيد منها السياسيون والدعاة ورجال الدين. لاحقاً كتبت (زينب) في جريدة ''السفير'' اللبنانية مقالة نقدية رصينة عن انطباعاتها عن مؤتمرات التقريب، ووصفت الكلام الذي يدور فيها بأنه (استعادة أبدية) وهو يكرر نفسه في كل مؤتمر، ويلتزم بشرط الاقتصار على الايجابيات والابتعاد عن السلبيات وعدم الاقتراب من حقل الألغام، حقل المسكوت عنه واللامفكَّر فيه، حقل السلطات، سلطات الأنظمة والفقهاء[1]. ما يؤكد ذلك، الزوبعة التي هي بالتأكيد ليست في فنجان بين الأطراف الأكثر فاعلية في مشاريع التقريب التي اندلعت مؤخراً، بعد مقابلة الشيخ القرضاوي الداعية والأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأحد أبرز نجوم مؤتمرات التقريب، مع جريدة ''المصري اليوم''، التي قال فيها: ''..أما الشيعة فهم مسلمون، ولكنهم مبتدعون وخطرهم يكمن في محاولتهم غزو المجتمع السني وهم مهيأون لذلك بما لديهم من ثروات بالمليارات وكوادر مدربة على التبشير بالمنهج الشيعي في البلاد السنية[2]''. إذا كانت مؤتمرات خمسين سنة تقريب، لم تتمكن من إصلاح لغة داعية وعالم دين ورئيس مجلس علماء عالمي ونجم تقريب بحجم الشيخ القرضاوي، ولم تتمكن أيضاً من إصلاح لغة خصومه التقريبيين، فعلى الجميع أن يواجه نفسه بحقيقة أن مصطلح التقريب لم يكن، ولم يعد فاعلاً في إنجاز خطاب عيش مشترك، وعلينا أن نقرّ مع السيد هاني فحص، بأن العيش المشترك لم يعد من مهمات مؤتمرات التقريب والدعاة، بل من مهمات مؤسسات المجتمع المدني. بل علينا أن نقرّ أن الدعاة يقربون الناس إلى دعواتهم الخلاصية، لا إلى العيش المشترك. إن (الأزمة، أو الفتنة، أو التراشق، أو السباب والشتيمة، أو حملات التشويه أو القذف أو ..) التي أعقبت خطاب الشيخ القرضاوي، مرآة للدعاة ولعلماء التقريب ولخطاباتهم الهشة عن الوحدة والتقريب. يجب على هؤلاء الفاعلين في مجال التقريب، ومنهم الشيخ القرضاوي والشيخ محمد علي التسخيري، الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم، أن يروا في هذه المرة أزمة خطابهم. وعليهم أن يعيدوا النظر في توصيفاته التي دأبوا على ترديدها بأنها اعتدال ووسطية وتقريب ووحدوية. وعلى المثقفين أيضاً، الذين اتخذوا إستراتيجية الاصطفاف، كما فعل الدكتور رضوان السيد، والإعلامي داوود الشريان[3]، وغيرهم ممن وقعوا بياناً باسم المثقفين في موقع المسلم[4]. عليهم أن يفكّوا خطابهم من ورطة الاصطفاف والتبرير لهذه الخطابات. فمهمة المثقف لا تكمن في الاصطفاف، فتلك مهمة السياسي. المثقف مهمته النقد الذي يفتح خطابات الأزمة على رؤى جديدة. مفهوم الابتداع الذي استخدمه الشيخ القرضاوي، تعبيراً عن رؤيته للشيعة، وتدليلاً على وسطيته واعتداله في مقابل من يقول بتكفير الشيعة، يحيل إلى ساحات احتراب الطوائف، لا ساحات التقريب ولا ساحات العيش المشترك. فهو يحمل شحنة دينية عقائدية فقهية، تحدد الحكم على الآخر أكثر مما تحدد رؤية الآخر. وهو حكم يقضي بقطيعة مع الآخر وإثارته واستفزازه، وما حدث من تراشق دليل على مفعول هذا الحكم (الابتداع) القاطع والمثير والمستفز. النظر إلى الآخر من خلال مصطلحات فقه القرون الوسطى، لن يقرّب غير العداوات والمشاحنات. والعيش المشترك يقتضي استبدال معجم المصطلحات الفقهية التي تعبر فيها الجماعات عن بعضها بالشك والريبة والغيرية والضلال والابتداع والنصب، بمصطلحات تنتمي إلى المجتمع المدني، الذي لا يفاضل بين الناس على أساس بوليصات ضمان دخولهم الجنة، بل على أساس حقهم في العيش المشترك .
إذا كانت خطابات القرضاوي، والتسخيري والسيد فضل الله، تقدم نفسها بصفتها داعية تقريب ووحدة، فعليها أن نواجه مصطلحات (البدعة والتكفير والنواصب والروافض والفرقة الناجية[5]) بقطيعة معرفية شجاعة ومن دون حيل فقهية. فهي تنتمي إلى صراعات تاريخية، ليس من الحكمة استعادتها اليوم من قبل دعاة التقريب .
إن صراحة القرضاوي التي دفعته لاستخدام (مبتدعين) مقابل (الفرقة الناجية) التي عبر عنها بقوله ''.. ونحن أهل السنة نوقن بأننا وحدنا الفرقة الناجية، وكلُّ الفرق الأخرى وقعت في البدع والضلالات[6]''. ومبدئيته التي عبر عنها بقوله: ''ما قلته عن محاولات الغزو الشيعي للمجتمعات السنية، أنا مصرٌّ عليه، ولا بد من التصدي له، وإلا خنَّا الأمانة، وفرطنا في حق الأمة علينا. وتحذيري من هذا الغزو، هو تبصير للأمة بالمخاطر التي تتهدَّدها نتيجة لهذا التهوُّر[7]''. بحاجة إلى أن تتحول إلى شجاعة لمواجهة الذات ومآزقها من دون الحاجة إلى استحضار أوهام الأعداء وخطاب التهويل والتحذير والعويل التي يتفنن فيها الدعاة ويرقصون عليها أتباعهم. لا نجاة في الدنيا ولا في الآخرة لأحد وحده. وإذا كنا لا نستطيع أن نتحرر من أوهام الفرقة الناجية وسياقها السياسي التاريخي الذي روّج لفكرتها، فكيف يمكن أن نحرر ذواتنا وننجيها من حروب الماضي .
وإذا كان الشيخ القرضاوي ينبهنا من أجل المستقبل ''عندما نبهت لهذا الأمر أردت أن أحول دون الفتنة الكبرى المستقبلية، وهو نوع من استشراف المستقبل، ومن الاحتياط للغد حتى لا نقع في معارك بين أبناء الأمة بعضهم البعض[8]'' فلنا أن نسأله: هل يمكن استشراف المستقبل بمفاهيم تحيل على الماضي؟ وهل يمكن أن نتجنب معارك بين أبناء الأمة بعضهم البعض بالمفاهيم التي أنتجت معارك الماضي؟ وهل يمكن أن نحول دون الفتنة بمفاهيم الفتنة نفسها ومفاتيحها؟ مفاهيم مثل (البدعة والتكفير والنواصب والروافض والفرقة الناجية) كلها تنتمي إلى تراث الاحترابات الماضية، واستشراف المستقبل يكون بالقطيعة مع هذه المفاهيم التي ترينا المستقبل بعيون الماضي .
مؤتمرات التقريب مع الأسف لم تعمل على استشراف المستقبل إلا عبر عيون هذه المفاهيم، والتقريبيون أهون عليهم أن تفقأ عيونهم ولا تفقأ عيون هذه المفاهيم. فهي تقرّب المستقبل من الماضي، وتقرّب معارك الماضي إلى المستقبل، فتدخر للأمة وأبنائها معاركهم المؤجلة .
يمكننا أن نقول مع فهمي هويدي ''أخطأت يا مولانا[9]''، لكن ليس بمنظور فقه التوازنات والأولويات الذي تحدث عنه فهمي هويدي، بل بمنظور استشراف المستقبل. زينب شوربا ، انطباعات عن مؤتمر التقريب بين المذاهب، جريدة السفير،13 أكتوبر/تشرين الأول .2003

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro