English

 الكاتب:

كاتب سياسي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

هل سنراجع الرأسمالية التي تبنينا؟
القسم : سياسي

| |
كاتب سياسي 2008-10-04 18:49:56


بقلم: الدكتور علي فخرو

لا توجد رأسمالية واحدة، بل رأسماليات في صور مختلفة بالنسبة لممارساتها ولأيديولوجياتها. ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية برزت على الساحة الدولية ممارستان أساسيتان للرأسمالية، إحداهما في الولايات المتحدة الأميركية والأخرى في العديد من الدول الأوروبية الغربية. الرأسمالية الأميركية نحت دوماً نحو رأسمالية السوق الحرة غير المقيَّد وغير المنضبط وغير الحامل لمسؤوليات اجتماعية، في حين الرأسمالية الأوروبية نحت نحو رأسمالية السوق الاجتماعية المنضبطة إلى حد ما والحاملة لالتزامات نحو مجتمعاتها.
وهكذا ولدت في أوروبا دولة الرعاية الاجتماعية التي التزمت تجاه شعوبها بتوفير مستويات معقولة مجانية من التعليم والصحة والإسكان وبتوافر فرص العمل والمساعدات للعاطلين عن العمل وللمهمشين بسبب العجز أو كبر السن. في حين نأت الدولة الأميركية بنفسها عن تلك الالتزامات وتركت إلى حد كبير المسؤوليات الاجتماعية الديناميكية وتذبذبات القطاع الخاص غير المستقرة وغير المنضبطة. ومنذ حكم مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغان في أميركا اندفعت رأسمالية السوق الحرة بقوة وبدأت تحتل المكانة الأبرز في العالم في حين تراجعت رأسمالية الالتزامات الاجتماعية الأوروبية كثيراً، بل ويظهر أنها في طريقها للزوال في المستقبل المنظور.
لكن الأزمة المالية الحادة الحالية في أميركا، والتي ولّدتها الرأسمالية المنفلتة المتوحشة التي ترفض أية ضوابط من قبل الدولة، والتي أوصلتها الأيديولوجية الليبرالية الجديدة إلى أعلى قمم الهمجية وغرائز الطمع والأنانية، وهذه الأزمة عادت وطرحت الأسئلة الكبرى حول النظام الرأسمالي برمته. ما يهمنا نحن العرب، وعلى الأخص في دول البترول الغنية، هو ألا تمر علينا هذه الأزمة الأميركية، وإلى حد ما العالمية، ونحن نتفرج عليها بعقل كسول لا مبالٍ.
ذلك أن التوجهات الاقتصادية عندنا، خصوصاً أثناء العقد الأخير، نحت بقوة ومفاخرة نحو نسخ التجربة الأميركية الرأسمالية برمتها.
وقد رأينا الخطوات الحثيثة نحو تخصيص كل الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية ونحو تخلي الدولة التدريجي عن مسؤولياتها الاجتماعية في التعليم والصحة والسكن والعمل وعن مهماتها في ضبط وتيرة الحياة الاقتصادية من الشطط والجنون الذي تصاب به الأسواق بين الحين والآخر. وبمعنى آخر فإن دولة البترول العربية التي تبنّت سابقاً نموذج الدولة الرأسمالية الأوروبية، دولة الرعاية الاجتماعية لشعوبها، تخلّت عن ذلك التبني وأحلّت محله النسخ الأعمى للنموذج الأميركي، فكراً وممارسة وتخطيطاً لايصاله بالكامل للتجذر في حياة مجتمعاتنا.
ومن هنا شاهدنا في دول البترول أزمات البورصات وأزمات العقارات والاستقطاب الأهوج في توزيع الثروة ما زاد الأغنياء غنى وزاد الفقراء فقراً وأضعف الطبقة الوسطى. ومن هنا أيضاً بناء مجمعات ومدن الرفاهية التي لا دخل لها بحاجات السكان وإنما تتوجه إلى حاجات الاستثمار للأغراب.
ومن هنا أيضاً توجه بعض حكومات تلك الدول لتصبح شركات لا يهمها إلا التوسع والربح وزيادة أعداد الزبائن. أما وأن النموذج الأميركي يتخبط في جحيم جنونه ويضعه العالم على محك التساؤل والشك، فهل ستملك أنظمتنا السياسية الشجاعة لتعيد النظر في كل توجهاتها وممارساتها الاقتصادية والاجتماعية التي سارت عليها أخيراً وذلك قبل أن تودي بها وبمجتمعاتها إلى مشاكل بالغة الخطورة وإلى أوضاع مجتمعية بالغة التفجّر؟ لنتذكر جيداً ضعف الدولة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كاد أن يودي بها إلى الإفلاس، لنتذكر الاضطرابات المالية التي فاجأت دول نمور آسيا والتي لم تتخلّص من آثارها حتى اليوم، لنتذكر الحراك المجتمعي الأوروبي ضد الرأسمالية العولمية الانتهازية بعد أن فقد مواطنوهم أغلب امتيازات دولة الرعاية، لنتذكر تذبذب أسعار البترول وخضوعه لجنون الأسواق ووصوله إلى ست دولارات للبرميل الواحد منذ بضع سنوات.
لنتذكر كل ذلك لندرك أننا لن نكون في منأى عن العواصف وأننا يجب أن نعود إلى علم العلماء وإلى حكمة العقلاء وإلى ضمير الملتزمين ليطرحوا الأسئلة الصعبة قبل أن يقودنا المغامرون والمبهورون والجهلاء من كل أنواع المسؤولين إلى مشارف أودية سقوط الأمم والمجتمعات.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro