English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

علشان خاطر كارتر
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-10-07 16:17:34


لم يهتم كثيرون بالخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية البحريني حديثاً في الجمعية العامة للأمم المتحدة. فليس من العادة أن يهتم الإعلامُ بما يقوله ممثل دولة صغيرة عندما يتحدث رؤساء وقادة الدول الفاعلة دولياً وإقليمياً حول المشكلات الكبرى التي تواجه العالم. إلا أن الوزير خالد بن أحمد اختار أيضاً أن تنشر صحيفة «الحياة» اللندنية مقابلة معه ليعيد طرح دعوته إلى إقامة «منظمة إقليمية تضم الدول العربية، إسرائيل، إيران، وتركيا ».
وبحسب ما ورد في تقارير صحافية أثارت الدعوة احتجاج نواب وعدد من قادة الرأي في البحرين[1]. إلا أن تلك الاحتجاجات لم تزد عما يمكن اعتباره رفع عتب وإبراء ذمة. فحتى النائب عادل المعاودة الذي رأيناه يزبد ويرعد ضد حفلة كانت ستحييها نانسي عجرم نجده يكتفي الآن بإبداء أسفه لدعوة إسرائيل للمشاركة في المنظمة الإقليمية. أما النائب الإسلامي الآخر جلال فيروز فهدد بمساءلة الوزير برلمانياً، في حال «صحَ ما نُقل» عن الوزير. وكأن النائب عافاه الله لا يقرأ الصحف ولا يستطيع أن يطلب نص الخطاب والمقابلة من ديوان وزارة الخارجية. وعلى أية حال، ها قد صح ما نقل عن الوزير فهل لدى النائب فيروز القدرة ناهيك عن الجرأة على مساءلة الوزير؟ وعلى أية حال فللنائبَيْن عذرهما حينما تركا الموضوع لينشغلا مثل غيرهما بتداعيات «المخطط الإرهابي[2]» بعد أن عثرت أجهزة الأمن في قرية دمستان «على 35 زجاجة فارغة و14 زجاجة بها فتائل جاهزة للاشتعال و14 من الإطارات الكبيرة في منزل مهجور ».
دافع بيانٌ أصدرته وزارة الخارجية[3] عن موقف وزيرها، مؤكداً أن الوزير «لا يهدف من بعيد أو قريب إلى ما ذهبت إليه التصريحات التي نشرتها الصحف المحلية». فالوزير، بحسب البيان، ينطلق من مبدأ تؤيده دول مجلس التعاون وآخرها في دورة المجلس الوزاري المنعقدة قبل شهر في جدة. ترافقت هذه اللهجة المتراجعة مع تصعيد يقوم به بعض الإعلاميين المتحمسين لكل ما تقوم به السلطة التي ويعتبرونها أختاً لهم ينصرونها ظالمةَ أو مظلومة. بل لقد رأى أحدُ الصحافيين[4] في تصريحات الوزير فتحاً في عالم السياسة باعتبارها دعوة «تعبّر عن الواقع والواقعية في علم السياسة بوصفها فن الممكن.. وهو فنٌ للأسف لم تعرفه علماً ولم تعرفه فناً في إدارة القضايا السياسية معظم العقول العربية المستغرقة في عنترياتها ».
أقولُ رغم إشغال الناس بـ «مولوتوف دمستان» وإجراءات الأمن في «المناطق المضطربة» في البحرين، فإن ما طرحه وزير الخارجية يستحق الاهتمام بالتوازي مع الاهتمامات الأخرى التي تشغل الناس. ولا يكفي أن تصدر الوزارة بيان علاقات عامة يخفي أكثر مما يعلن. بل إنني حين فرغتُ من قراءة البيان انتابني القلق على أن وزارة خارجيتنا ستعود أدراجها لتصبح كما كانت قبل عقود مجرد دائرة للعلاقات العامة تعتمد الأسلوب الذي رسمه لها مؤسسها المرحوم جيمس حمد بلغريف في نهاية الخمسينات .
لا يستند اعتراضي على ما طرحه وزير الخارجية إلى العنتريات، بل على رغبة صادقة في مزيد من التوضيح. فلا يتضح من بيان الخارجية ما الأسس التي اعتمدها الوزير لصياغة دعوته لإقامة ما يمكن اعتباره حلف بغداد معدّلاً. نعم هو، يشير إلى «متغيرات متسارعة» في المنطقة تتطلب ألا تفقد الدول العربية «زمام المبادرة في التعامل مع قضاياها المصيرية، وأن تبادر في طرح حلول واقعية وعملية لما يحفظ حقوقها». لكنه لا يحيلنا إلى أيٍ من الدراسات الاستراتيجية التي قامت الوزارة بها أو استندت إليها لكي تقرر أن تتخطى «مبادرة السلام العربية». ومعلومٌ أن تلك المبادرة هي تعديل لمقترحات طرحها العاهل السعودي الملك عبدالله وأقرتها القمة العربية في بيروت. فهل لدى خارجيتنا معطيات جديدة لا يعرف أحدٌ بها؟ فإذا كان الأمر كذلك ألا يمكن الإفصاح عن تلك المعطيات أو على الأقل الإشارة إليها؟ وخصوصاً أن هناك من يقول إن ثمة معطيات تتراكم وتشير إلى الاتجاه الآخر وخصوصاً منذ أن أسقط انتصار حزب الله في حرب يوليو/ تموز 2006 مشروع الشرق الأوسط الجديد وبقية مشروعات المحافظين الجدد. ومعلومٌ أيضاً أن ثمة تداعيات استراتيجية لابد منها لما حدث في جيورجيا وللفشل الأميركي في أفغانستان والعراق وللانهيار المالي الذي تمر به الولايات المتحدة الأميركية الآن .
وقبل الإجابة على هذا السؤال أو ذاك ألا يستحق المواطنون، مباشرة أو عبر مجلس النواب أو عبر الكفاءات المتوافرة في الجمعيات السياسية ومعهد التنمية السياسية ومركز البحوث والجامعات وفي أجهزة الإعلام أن يناقش الوزير معهم مسودات مشروعاته الاستراتيجية قبل أن يطرحها على العالم؟ ألا ترى وزارة الخارجية أن في البحرين كفاءات محلية ومقيمة تستطيع المساهمة في مناقشة التغيرات المتلاحقة التي تمر بها منطقتنا أو تؤثر فيها؟
صادف إعدادي لهذه الملاحظات أن قرأتُ جزءاً من مذكرات وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية الأسبق بطرس بطرس غالي بشأن مفاوضات «كامب ديفيد[5]». ويتناول ما قرأتُ من المذكرات بعض التفاصيل المخفية، الصغيرة منها والكبيرة، التي تفضح مستوى بعض أهل الحكم في بلداننا. ولقد توقفتُ، وفي ذهني ما جاء في خطاب وزير خارجيتنا ومقابلته الصحافية، عند قصة «علشان خاطر كارتر» التي وردت في مذكرات بطرس غالي. إلا أنني أرجو أن تكون حالنا أحسن من حال أهلنا في مصر في عهد السادات. أي حين كانت القرارات الاستراتيجية تُتخذ بالبركة أو على طريقة العلاقات العامة .
أما قصة « علشان خاطر كارتر» فهي باختصار شديد أن السادات كان يتثاقل التعاطي مع وزير الخارجية الإسرائيلي موشى دايان في الوقت الذي كان فيه ودوداً تجاه وزير الدفاع حاييم وايزمان. ولقد فشل كبار أعضاء الوفد المصري المفاوض في تغيير موقف السادات بضرورة لقاء وزير الخارجية الإسرائيلي لحل المسائل العالقة في المفاوضات. إلا أنهم فوجئوا ذات يوم بتغيير السادات موقفه بعد أن تدخل الرئيس الأميركي كارتر. وكان تفسير السادات لقراره المفاجئ أنه سيقابل دايان «علشان خاطر كارتر». ولهذا، يقول بطرس غالي، حظيت هذه العبارة بشعبية وسط المندوبين المصريين فكلُ طلبٍ نراه ضد المصالح العربية صار يُوصف بأنه «علشان خاطر كارتر». فهل كانت الدعوة إلى إقامة منظمة إقليمية تضم الدول العربية وإسرائيل هي أيضاً «علشان خاطر كارتر»؟

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro