English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ماذا بعد البلاغ المشترك؟
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-10-14 21:52:39



في السابع من هذا الشهر أصدرت جمعيتا العمل الوطني الديمقراطي والمنبر الديمقراطي التقدمي بلاغاً صحفياً مشتركاً[1] عن انعقاد اجتماع موسع بين قيادة الجمعيتيْن للبحث في ‘’قضايا التنسيق الثنائي بينهما، ومناقشة دور التيار الديمقراطي ومهامه في المرحلة المقبلة ’’.
واعتبر البلاغ أن تطوير التعاون والتنسيق فيما بينهما سيكون ‘’مقدمة لإشراك قوى وشخصيات وطنية وديمقراطية أخرى من أجل بلورة تيار ديمقراطي واسع في البلاد يناضل من أجل الحريات السياسية والدستورية، ومحاربة الفساد والدفاع عن القضايا المعيشية الحيوية لجماهير الشعب الكادحة، وصون حقوق المرأة والحريات المدنية ’’.
قد يرى المتفاؤلون في البلاغ بداية منعطف تاريخي بينما أراه مجرد بلاغ صحفي لا تملك قيادتا الجمعيتيْن تفعيل ما فيه. وبمناسبة ذلك اللقاء طرح أخونا أحمد العبيدلي، من موقع الصديق الودود والمتواضع والقلق، عدداً من الأسئلة تتلخص، حسب فهمي لها، في ثلاثة محاور[2]. أولها يتعلق بما إذا كان اللقاء ظرفياً وموقتاً في الوقت الذي يتربص فيه كل فريق بالآخر. والثاني يتعلق بما سيتمخض عنه اللقاء من رؤية سياسية وإستراتيجيات لنموذج الوطن الذي ستناضلان من أجل بنائه. أما المحور الثالث فيتعلق بقدرة الجمعيتيْن على إقناع الناس بأنهما تغيّرتا. فالشعبُ حسب العبيدلي ينتظر من الجمعيتيْن ‘’منذ دخولهما العلنية مراجعة صريحة وتحديدات واضحة إزاء الماضي، وخططهما المستقبلية ’’.
بسبب انشغالي في أمور المعيشة، لم أتمكن من متابعة ردود الجمعيتيْن المعنيتيْن على تلك الأسئلة. ولعل قارئا أو قارئة يتذكران أنني تناولتُ هذا الموضوع مراراً في محاولات فاشلة حتى الآن لتحريك النقاش حول أزمة التيار الوطني الديمقراطي. فمازلتُ على اقتناعي بأن أية محاولة جدية لاستنهاض التيار الوطني الديمقراطي تستلزم قيام مكوناته بمراجعة صريحة للماضي وخاصة القريب منه .
ليت لي تفاؤل ‘’أبي محمد’’ العبيدلي ولكنني لا أرى بارقة أمل في هذا المجال حتى الآن. أي مادام الرأي الغالب في الجمعيتيْن يرى أن تاريخ التيار الوطني الديمقراطي هو صفحة ناصعة لا يشوهها إلا إشارة مغرضة إلى رسالة الاسترحام الجماعية وإشارة مغرضة أخرى إلى خذلان الرفاق للرفاق وإشارات مثلهما في مذكرات هذا أو كتابات ذاك. وحين يستحيل تكذيب هذه الإشارات وغيرها كوقائع يقوم بعض إخواننا في الجمعيتيْن بإحالتنا إلى انتظار ‘’مشروع’’ الذاكرة الوطنية. وحتى ذلك الوقت فكل شيء تمام التمام ورايات الجميع بيضاء ناصعة لا تنتقص منها إلا إشارات الحاسدين الحاقدين ومن أيديهم في البارد .
نعم أغلب رايات التيار الوطني الديمقراطي بيضاء ناصعة. لكن ليس جميعها. فثمة رايات كالحة السواد وثمة رايات ذات ألوان ملتبسة. ورغم تلك الرايات السود والملتبسة فإن لدى التيار موروثا يفخر به كل من ساهم فيه ولو بمقدار خردلة أو خردلتيْن. فلولا حبات الخردل التي يحاول البعض عبثاً نفيها من تاريخنا ولولا حبات البذار التي نتغنى فخورين بها لما صار موروثنا النضالي بهذا الغنى. فمن حَمَلَ الراية بعد 1956 عندما ظنت السلطة ومن ورائها سلطة الحماية البريطانية أنها ‘’ تخلصت’’ من المعارضة نفت قادة هيئة الاتحاد الوطني وسجنت بعضهم وشرّدت آخرين؟ أليس هو التيار الذي ترتبط تضحيات شبانه وشاباته بأغلب الأحداث الرئيسية في تاريخ العمل الوطني منذ ذاك؟ أليست هي تلك التضحيات التي أسهمت في تشكيل وعي الناس بالوطن المشترك فوق الطوائف وخارجها؟
أقول هو موروثنا جميعاً بغض النظر عن مقدار إسهامنا فيه، خردلة أو خردلتيْن. وهو موروثٌ نملكه جميعاً مع الناس الذين من أجلهم أُستشهد من أستشهد وسُجِن من سُجِن وعُذِّب من عُذِّب ونُفِي من نُفِي. وهو موروثٌ ثابتٌ لا يملك أحدٌ أن يلغيه أو أن يصادره. ولأنه ملك الناس جميعاً فلا يستطيع احتكاره شخصٌ أو تنظيم. وبسبب هذه الخاصية فيه يلعب الموروثُ دوراً مزدوجاً. فهو لدى بعضنا حافزٌ من أجل المزيد وهو لدى بعضنا الآخر سلعة للبيع أو الإكراء أو التأجير. وهذا ما حصل حين تطلبت شروط الانخراط في لعبة التحالفات إكراء ذلك الموروث لحليفٍ أقوى اختارته تلك الجمعية وتلك. وعلى أية حال لم تجدِ عمليات التأجير والإكراء نفعاً. فلا يمكن تأجير أو إكراء ما هو مشاع للناس كافة .
ولقد رأينا كيف أوصلت لعبة التحالفات غير المتوازنة الجمعيتيْن إلى الإخفاق الذي وصلتا إليه في إنتخابات .2006 لا أتجاهل وجهات النظر الأخرى لتفسير ذلك الإخفاق. لكنني أشدد على ما فعل كلٌ من الطرفيْن الرئيسين في التجاذب السياسي القائم برديفه اليساري. ويطرح ذلك الإخفاق المزدوج سؤالاً على كل من يتصدى لتوثيق الذاكرة الوطنية. أليس هناك من يتحمل مسؤولية هذا الإخفاق؟ أليس ثمة حاجة لمراجعة أحداث سنوات ما بعد الميثاق ومراجعة القراءة السياسية التي بُنيت عليها ممارسات تلك السنوات وتحالفاتها؟ ما أقصده هنا هو القيام بمراجعةَ جدية الآن ما دمنا جميعاً أحياء وليس إنتظار أن يكتب هذا أو تلك مذكراتهما لننشغل بتكذيب تفاصيل صغيرة هنا وتصحيح تفاصيل أصغر هناك .
أحتاجُ في ختام هذه الملاحظات إلى الإشارة إلى بعض ما قاله لي واحدٌ من أحب أصحابي وأقربهم عندما كلَّمته مهنئاً بعيد الفطر. فلقد نصحني ألا أغتر، فَقُرَّاء هذه الصفحة لا يزيدون عن عدد أصابع اليد الواحدة. وأن أغلبهم، على كل حال، يستهجنون ما أكتب. وقال صاحبي كلاماً كثيراً غير هذا بحكم ما بيننا من محبة قديمة وثابتة رغم افتراق مواقفنا السياسية منذ .2002 بطبيعة الحال لم يقتنع صاحبي بردي حين كررتُ ما أقوله دائماً عن حاجة الجيل الجديد من المناضلين والمناضلات للاطلاع على مختلف وجهات النظر والتقييمات. فهذا الجيل الجديد الذي نستبشر به يحتاج إلى تثبيت خطاه بأن نمده بخبراتنا وبأن نصارحه بأخطائنا السياسية. ولا بأس إن تطلّب الأمر نشر ما يسميه البعض ‘’الغسيل الوسخ’’، فأعداء التيار الوطني الديمقراطي وخصومه يعرفون تفاصيل ‘’وساخة غسيلنا’’ تلك. ولقد رأيناهم يبنون على تلك المعرفة ويستفيدون منها . فلماذا نحرم أبناء هذا التيار وبناته من معرفتها؟ أليس من حق هذا الجيل الجديد من المناضلين والمناضلات معرفة ما ارتكبناه من أخطاء حتى يستطيعوا تفاديها؟
أقولُ، ليت لي تفاؤل أخينا أحمد وهو ينتظر أجوبة قادة الجمعيتيْن على أسئلته التي طرحها وهو صادق في قلقه، من موقع الصديق الودود والمتواضع .

- كاتب بحريني، أستاذ علم الاجتماع في جامعة «لوند» - السويد


 
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro