English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

زراعة التشطير
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-11-04 23:27:17



  كنتُ المتحدث الثاني في تلك الندوة غير الاعتيادية التي احتضنها نادي العروبة قبل سبع سنوات لمناقشة أولويات المرحلة. في تلك المداخلة القصيرة تناولتُ ما أعتبره أول الأولويات. أي حاجة بلادنا إلى التغلب على آثار انعدام الثقة بين أهل الحكم والناس. إلا أنني لن أتوقف عند هذا الموضوع، فلقد عرضتُه في مجالات مختلفة بما فيها هذه الصفحة[1].
بالمقابل سأستعيد بعض ما طرحه أخونا رسول الجشي وخصوصاً ملاحظاته المنهجية على الحوار الدائر. من موقعه كشخصية وطنية مخضرمة. بدأ الجشي بالاشارة إلى خطأ الحديث السياسي الذي يصور الأزمة القائمة بين الشعب والنظام على أنها أزمة ربع قرن أو ثلاثين سنة. فعلينا أن نعود إلى الوراء قليلاً لمعرفة الأسباب التي جعلت الثلاثين سنة الماضية تأخذ الشكل الذي اتخذته. فما حدث في حقبة أمن الدولة هو استمرار لما كان يحدث قبلها. ويتضح هذا الاستمرار في أداتيْن اعتمدهما البريطانيون لإحكام سيطرتهم على البلاد. تتمثل الأولى في زرع الطائفية واعتماد التشطير الطائفي كأداة من أدوات الحكم. ويضرب الجشي مثلاً على كيف استغل البريطانيون الإشراف الرسمي على التعليم النظامي لزرع الطائفية ورعايتها. فلقد كان تلاميذ المدرسة الواحدة يُقسمون حين تحين حصة درس الدين إلى قسميْن. واحدٌ يتولاه مدرس شيعي والآخر يتولاه مدرس سني. كنا صغاراً، يقول أبوغسان، ولم ننتبه إلى أن تلك كانت بداية زرع الطائفية التي استخدمها البريطانيون ضمن نهجهم المعروف «فرق تسد». أما الثانية فتتمثل في أن البريطانيين جعلوا «القلعة»، التي أصبحت وزارة الداخلية فيما بعد، مركز الثقل في البلاد وبؤرة القرار فيها. ولم يتأثر هذا الدور المركزي الذي تلعبه «القلعة»، أي الهاجس الأمني، بخروج البريطانيين. بل نراه قد استمر بعد إعلان استقلال البلاد وما تلا الاستقلال من تطورات إلى يومنا.
لا مجال لتفصيل الجوانب العنصرية في الايديولوجيا التي استند إليها وروَّج لها الاستعمار الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً. إلا أن من المهم التأكيد على أن سلطات الحماية البريطانية في البحرين لم تكن طائفية بالمعنى الحرفي للكلمة. إلا أن ممارسات السلطات البريطانية سواء في «بيت الدولة» أو في «المستشارية» كانت طائفية وتمييزية. بمعنى أنها كانت تستخدم الطائفية والتمييز كأداتيْن من أدوات الحكم وإدامته. ولقد لعب نهج «فرق تسد» بصوره المختلفة دوره في إضعاف كل الأطراف عبر تشجيع التنازع فيما بينها وعبر إبراز أهمية الطرف البريطاني كوسيط بينها. ولهذا أصبح «بيت الدولة»، مقر المقيم السياسي البريطاني، هو القبلة التي تُيمم نحوها الوجوه. وإلى سيد «بيت الدولة» تتقدم الأطراف المتنازعة بشكاواها وهو الذي يحل منازعاتها. وحين تتعقد الأمور تبقى «القلعة» وما ترمز إليه من جهاز لحفظ الأمن ولتأكيد هيبة السلطة.
عبَّر الجشي عن رأي كثيرين حين أشار إلى أننا لن نستطيع أن نفكر في المرحلة المقبلة بعيداً عن آثار المرحلة السابقة وتاريخها. ولهذا دعا إلى التنبه إلى هذه المشكلة ومعالجتها حتى لا تكون «المرحلة المقبلة استمراراً للمرحلة الحالية التي ننتقدها». لم يأتِ ذلك التنبيه من فراغ، ولم يكن الكلام كلاماً إنشائياً. إلا أن رنين الذهب أصمَّ آذاناً وبريقه أعمى بصائراً. من جهتهم ظن ناشطون آخرون أن استحقاقاتهم الطائفية أهم من استحقاقات بناء الدولة الدستورية. ولهذا رأينا كيف تراجعت الأمور سريعاً لتعود إلى ما كانت عليه. ولهذا أيضاً صار من الممكن تفسير تراكض الناس نحو واحات طائفية منعزلة عن بعضها. فلقد شاهدوا كيف تخلت أقسامٌ مهمة من النخبة السياسية عن دورها التنويري لصالح وجاهة لدى السلطة أو الطائفة. بل لقد شاهد الناس أطرافاً ذات تاريخ مشهود في الحركة الوطنية تتخلى عن مشروعها البديل لمجرد أن قيل لبعض قادتها أن لهم حصة في غنائم الإصلاح.
حين أُعيد الاستماع إلى ما قاله الجشي يزداد وضوح دور تلك الأداتيْن في عرقلة تحول بلادنا إلى دولة دستورية مستقرة. فكما أن «القلعة»، بكل ما ترمز إليه، هي أحد أهم أسباب أزمة الثقة فهي في الوقت نفسه أحد أهم نتائج تلك الأزمة. وكما أن التشطير الطائفي هو أحد أسباب تلك الأزمة فهو أحد نتائجها أيضاً. وحين تتداخل آثار الأداتيْن تزداد الصورة قتامة.
أقول، متكئاً على ما قاله الجشي، إن التشطير الطائفي ومركزية الهاجس الأمني لايزالان يلعبان دوريهما المهميْن في تعميق الهوة بين الناس والسلطة. وهي هوة نرى بعض انعكاساتها في السلوك اليومي الذي تتمثل بعض أشكاله في إصرار عدد من الجهات الرسمية بما فيها وزارتيْ الدفاع والداخلية على عدم السماح لمواطنين بالخدمة فيها. ونراها أيضاً في عجز مجلس النواب عن مناقشة الموضوع أو حتى التحقيق فيه.
في مثل هذه الأيام قبل أربعة وعشرين عاماً، أي في 31/10/1984 قام اثنان من حراسها الشخصيين باغتيال رئيسة وزراء الهند إنديرا غاندي. وكان القاتلان ينتميان لطائفة السيخ يثأران لمئات الضحايا من طائفتهما الذين سقطوا في مجزرة المعبد الذهبي في أمريتسار بعد أن أمرت إنديرا غاندي باقتحامه. لم يؤدِّ اغتيال غاندي ولا ما سبقه من مواجهات مع المتطرفين السيخ إلى حرمان أبناء وبنات تلك الطائفة وهم أقلية عددية في الهند من العمل في أجهزة الدولة المختلفة بما فيها القوات المسلحة أو قوات الشرطة والأمن. ولم يعتبر أحدٌ من المسؤولين الهنود أحياءَ السيخ أو مناطقهم «مناطق اضطرابات» ولم يجرؤ أحدٌ على التهديد بوقف مشروعات التنمية فيها إن لم يرْعَووا. وفوق ذلك لم يطالب أحدٌ بإقالة رئيس الجمهورية جياني زيل سنغ، وكان من طائفة السيخ، بل استمر في منصبه الرفيع حتى نهاية فترته الدستورية في .1987 ولهذا تبقى الهند، رغم ما تعانيه من مشكلات وما تمر به من أزمات ومصائب، دولة مستقرة وديمقراطية. وباعتبارها دولة مدنية لم تلجأ إلى التشطير الطائفي والعزل بين الطوائف والجماعات. ولهذا تتعاظم الهندُ وتنمو. ولهذا أيضاً أرى البون شاسعاً بيننا. فحين أستعيد بعض المسلكيات في بلادنا والتي أشار إلى بعضها رسول الجشي وغيره من المشاركين في ندوة نادي العروبة قبل سبع سنوات أعرف مقدار المسافة التي تفصلنا عن إنجاز مشروع الدولة الدستورية التي تؤسس للمساواة بين جميع مواطنيها ومواطناتها. دولة كتلك التي كان الباكر وجيله يحلمون بها أو على الأقل كالتي كان بعض المشاركين في ندوة نادي العروبة يأملون أننا كنّا على عتبتها.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro