English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

في فم الشيخ ماء
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-11-18 23:48:41


أعود لمواصلة التذكير ببعض مداخلات المشاركين في ندوة نادي العروبة عن «أولويات المرحلة». إلا أنني سأتجاوز اليوم عددا من المداخلات المهمة لأصِل إلى مداخلة الشيخ عيسى بن محمد الخليفة. فلقد أغنى الشيخُ الندوة بما قاله وكذلك بما لم يقله. ومازلتُ ألومُ نفسي لأنني ركزتُ فقط على ما قاله الشيخ تصريحاً ولم أنتبه بسبب غفلتي إلى ما لم يقله .
ولعل من حضر الندوة أو حصل على تسجيلاتها يعود لملاحظة أن مشاركين سألوا الشيخ عيسى بعد أن اختتم مداخلته عن توقعاته الشخصية. فاكتفى بترديد القول المشهور «في فمي ماء وهل ينطق من في فيهِ ماءٌ؟». وبطبيعة الحال لم يكن الشيخ عيسى خائفاً من إبداء رأيه ولم يكن أحدٌ منا يشك في جرأته. فهل كان يعرف من الأمور ما لم يكن أيٌ منا قادراً على توقعه ناهيك عن معرفته؟ هل كنا عدا الشيخ، في غفلة مما يدور حولنا ونحن نحسب أنفسنا سياسيين مخضرمين أو مثقفين معجومين؟ هل كانت الأمور قد حُسمت قبل أن نصل إلى نادي العروبة وإننا كنا نوهم أنفسنا بأننا نسهم في حسمها؟ لا أعرف الجواب حتى الآن .
قد يجد قارئ وقارئة هذه الملاحظات تبريراً آخر لهذا التجاوز في الدعوة التي وجهها قبل أيام الشيخ عيسى بن محمد رئيس جمعية الإصلاح إلى الجمعيات السياسة والاجتماعية. أي إلى ما سماه «إطلاق مبادرات جديدة بشأن التعايش نتجاوز فيه الكلام في السياسة والعقيدة إلى تبني رؤية وطنية واجتماعية». وتضمن الخبر الذي نشرته صحيفة «الوقت»[1] إشارة الشيخ إلى أن جمعيته قامت بدورها «فتبنت المبادرة للالتقاء بجماعة الشيخ عبدالأمير الجمري». وكذلك تأكيده على أن الحديث كان واضحاً في تلك اللقاءات بين الطرفيْن حين ركّز على «ضرورة وأد فكرة التمييز لأن الوطن يسع الجميع ».
لن أتعرض إلى الدعوة نفسها. فهي دعوة موجهة إلى الجمعيات السياسية والاجتماعية وعلى هؤلاء مسؤولية التعامل معها بما فيه مصلحة البلاد وأهلها. فلا أظن أن عاقلاً سيقف ضد تشجيع اللقاءات بين القيادات والشخصيات المعنية بالشأن العام للبحث عن مخارج عقلانية من المأزق الذي وقعت البلاد فيه بعد سنوات من ارتباك الخطاب السياسي على الصعيدين الشعبي والرسمي وعلى جانبيْ الموالاة بأشكالها والمعارضة بدرجاتها. ويستحق أخونا عيسى بن محمد الشكر الجزيل. فلقد وضع ثقله السياسي والاجتماعي والشخصي وراء فكرة أتمنى نجاحها ونجاح المساهمين فيها على الأقل في وقف استمرار التدهور السياسي الذي نشهده. أكتب هذا رغم أنني أرى أن دعوة الشيخ ناقصة .
ما الفائدة التي يرتجيها الشيخ من الدعوة إلى «وأد» فكرة التمييز إذا لم يتزامن ذلك مع دعوة إلى «وأد» التمسك بالامتيازات؟ فببساطة لا يمكن الحديث عن واحدة دون الأخرى. ولا يمكن حتى ولو حاولنا، أن ننجح في «وأد» واحدة دون أن نئد الأخرى. وهذا الترابط بين الاثنتيْن ليس شأناً خاصاً بالبحرين بحكم تكوينها الديمغرافي والخلفية التاريخية لهذا التكوين. فالتمييز ضد المرأة يرتبط بما يتمتع به الرجل من امتيازات. والتمييز ضد الأقليات مرتبط بامتيازات تتمتع بها الشرائح العليا في الأكثرية. وهكذا الحال مع أشكال التمييز الأخرى .
ما اغتنى غني إلا بفقر فقير. هي حكمة تختصر حقلا واسعاً من حقول المعرفة. فلا يفتقر فقراء الناس إلا بغنى آخرين منهم. ولا تكون امتيازات من دون تمييز. والعكسُ في الحاليْن صحيح. أسارع هنا للتأكيد على أن هذا ليس وقت المحاججة في أيهما الأسبق: أهي البيضة أم الدجاجة؟ الفقر أم الغنى؟ التمييز أم الامتيازات؟
في الوقت نفسه فلا يجادل اجتماعي في صحة القول بأن لا أحد «أفضل» من الفقير إذا كان راضيا. فحين لا يشتكي الفقير يكون راضياً بنصيبه من الدنيا. وحين لا يشتكي الفقراء فلا خوف منهم ولا من مخاطر تمردهم. وعندها يظن الأغنياء أنهم في نعيم سيدوم. قد يقتنع الأغنياء أيضاً بأن العلة هي في الشكوى وليس في الفقر. لكن ماذا يفعل الأغنياء والمتمتعين بالامتيازات حين لا يكون الفقير راضياً بنصيبه؟ ما العمل إذا أصر الفقير على الشكوى سراً وعلانية؟ نجد بعض الإجابة عبر التاريخ وإلى يومنا فيما يبذله الأغنياء وأهل الامتيازات من جهود لإقناع الفقراء وضحايا التمييز بالصبر والاحتساب وعدم الشكوى لغير الله أو بدفعهم للتنازع فيما بينهم بشأن أمور شتى ليس من بينها التعرض لعلة الفقر والتمييز .
من جهة أولى نرى أهل الغنى والامتيازات يجندون من احترفوا استغلال الدين لإقناع الناس بالصبر والقناعة بما قسم الله لهم حتى يقضي أمراً كان مفعولا. ولهذا لم يكن مستغرباً أن ينسب بعض هؤلاء إلى الرسول الأعظم الأحاديث المختلقة من قبيل «يا معشر الفقراء ألا أبشركم إن فقراء المؤمنين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بنصف يوم - أي خمسمئة عام[2]». أليس في أمل الفقير أن يدخل الجنة قبل جاره الغني بمدة خمسة قرون ما يسلي النفس عن عذاب بضعة عقود في ضنك العيش والمهانة؟ ومن جهة ثانية يعمل أهل الغنى والامتيازات على تفرقة الفقراء وضحايا التمييز بمختلف الأساليب. فليس بعيداً ما فعل الاستعمار البريطاني بنا ولا ما يفعل الاحتلال الأميركي الآن بالعراقيين. ولعل في القصص المعروفة عن تقسيم العبيد إلى فئتين هما «عبيد المنزل» و «عبيد الحقل» ما يكفي لتوضيح ما أرمي إليه. إذ بلغت تلك الجهود قمة نجاحها حين اقتنع عبيد الحقل أن غرماءهم هم عبيد المنزل وليس من يملك الاثنيْن .
حين تنجح تلك الجهود يصبح سهلاً على أهل الغنى والامتيازات إقناع الجميع، سواء أكانوا من عبيد الحقل أو من عبيد المنزل، بأن العلة تكمن في الشكوى ذاتها. ويصبح سهلاً أيضاً دفع الناس، حتى الفقراء وضحايا التمييز إلى الخوف من عواقب الشكوى. حينها يركز الناس على الشكوى وليس على معالجة أسبابها. بل ونراهم يتقبلون القول بأن الإصرار على التذمر والاحتجاج سيؤدي إلى انقسامات ومواجهات تعصف بالجميع. فهل ثمة عاقل يريد مواجهات عاصفة كهذه؟ الجوابُ هو لا بطبيعة الحال. لكنه جوابٌ ناقصٌ حين يكون في شكل دعوة إلى «وأد» الشكوى من الفقر دون الغنى و«وأد» الشكوى من التمييز دون الامتيازات. «عيسى بن محمد يعتبر الحديث عن التمييز اجتهادات»، «الوقت» 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2008

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro