English

 الكاتب:

عبدالنبي العكري

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ندوة هيئة الاتحاد الوطني
القسم : عام

| |
عبدالنبي العكري 2008-12-04 18:26:20


 ندوة هيئة الاتحاد الوطني
الأربعاء 3/12/2008م
جمعية المنبر التقدمي ـ مدينة عيسى ـ مملكة البحرين 
 المستشار شارلز بلجريف وهيئة الاتحاد الوطني 
 المهندس عبدالنبي العكري
في الرابع من مارس 1926، اصطحب شارلز بلجريف زوجته مارجو لبل باريت لينارد، والتي توزجها من قبل شهرين فقط، في رحلة بحرية قادمة إلى بلد مجهول لا يعرف عنه شيئاً وهو البحرين. وهو البلد الذي أرتبط به مصيره طوال واحد وثلاثين عاماً، عندما غادرها بعد أن وجدت الإمبراطورية البريطانية أن خدماته لم تعد مفيدة لمخططاتها ومصالحها، لكن الأهم هو أن تاريخ البحرين وما شهده من تطورات حاسمه، كان فيها بلجريف اللاعب الأول.
لقد شهدت البحرين في عهد بلجريف أحداثاً جساماً كان فيها صاحب القرار في توجيه الأحداث، واستطاع بما توفره الإمبراطورية البريطانية من إمكانيات وما ارتضاه الحكم نفسه، أن يتجاوزها ويخرج منها منتصراً، لكن أهم حدث وقضية تعاطي معها بلجريف، هي قضية هيئة الاتحاد الوطني والأحداث التي ترافقت مع العدوان الثلاثي ضد مصر، والتي استغلها الانجليز وبلجريف بالذات للإجهاض على هيئة الاتحاد الوطني، ونفي أو سجن قادتها.
وبذلك أحبط بلجريف فرصة نادرة لتوافق شعب البحرين وحكم آل خليفة، على إدخال إصلاحات في البلاد وتأكيد شرعية حكم آل خليفة والسير بالبلاد نحو الاستقلال، وهو ما نجحت فيه الشقيقة الكويت في ظل أميرها الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، أب الاستقلال والدستور الكويتي.
جرت محاولات عديدة لتبيض صفحة شارلز بلجريف وتصويره بأنه رجل متنور قاد عملية تحديث في البلاد، وان البحرين تدين له بتطورها في العديد من الميادين مثل الإدارة، والتعليم، والصحة، والأشغال وفي الصراع العربي الذي جرى في البحرين ما بين الحكم من ناحية وهيئة الاتحاد الوطني من ناحية أخرى، فأن عدداً من الكتاب، عهدوا إلى وضع اللوم على الهيئة في ما آلت إليه من تصفيه، واعتبروا أن حركة الهيئة حركة اعتراضية على مشروع بلجريف التحديثي فهل هذا صحيح؟ وأين إسهام بلجريف في تطوير البحرين في جانب وإسهاماته في تلفها في الجانب الأهم وهو القصور السياسي والتحول الديمقراطي والاستقلال؟
وضعية بلجريف: 
جرى تصوير بلجريف وهو ما حاول هو أيضاً أن يؤكده أنه مجرد موظف بدرجه مستشار لحاكم البحرين، وان اختياره هو بمحض الصدفة، نتيجة قراءته لإعلان في صحيفة التايمز، لكن الصحيح هو أن السلطة البريطانية ممثلة بالمبجرديلي الوكيل السياسي في البحرين، والمقيم السياسي في الخليج الكولونيل بريدوكس ومكتب الهند في لندن ممثلاً بالسر أرثر باشرمان، المختص بشؤون الخليج والمستشار السياسي بوزارة الخارجية لشئون الهند، هم من اختاروه ليشغل هذه المهمة الحساسة بعد أن دققوا جيداً في سجله في خدمة  الإمبراطورية البريطانية فيما وراء البحار وإمكانياته المعرفية والقيادية.
عمل المستشار شارلز بلجريف إلى جانب حاكمين من آل خليفة هما الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة والشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، وعاصر عدداً من المقيمين السياسيين في الخليج والوكلاء السياسيين في البحرين، وظل هو في موقعة لأكثر من ثلاثة عقود، وهو أمر غير معتاد لكبار الموظفين المدنيين البريطانيين، إلا من أثبتوا جداره استثنائية في خدمة مصالح الإمبراطورية البريطانية.
يحاول شارلز بلجريف من خلال سلوكه في حضره حاكم البلاد سواء الشيخ حمد أو الشيخ سلمان وكبار أفراد الأسرة الحاكمة، وفي اللقاءات الرسمية أن يظهر شديد الاحترام للحاكم ويناديه دائماً (بسيدي)، ويعرف نفسه بأنه خادم سيده (Servent)، وهو ما حاول تأكيده من خلال يوميات (مذكرات بلجريف) ترجمه السيد مهدي عبدالله ونشر دار البلاغة في بيروت عام 2002م، لكن يومياته غير المنشورة، والتي أودعتها عائلته في مكتبه جامعة أكسفورد، تكشف عن شخصية مختلفة. فبالرغم من المحاذر إلا انه يصف الحاكم وكبار أفراد العائلة، وكبار التجار، وحكام السعودية وقطر بصفات سلبية جداً.
إن بلجريف أبعد ما يكون موظفاً بدرجة مستشار، بل كان على امتداد ثلاثة عقود هو الحاكم الفعلي المستبد، فهو المستشار ومسئول الموازنة والمالية والمشرف على التعليم والصحة والأشغال، وهو مسئول شئون النفط من جانب الحكومة أو المشرف على الجمارك والعلاقة مع التجار والقائد العام للشرطة، وكبير القضاة في المحاكم المختلطة، والمفاوض عن البحرين في العلاقات الإقليمية مع السعودية وقطر والكويت، بل وحتى في قضية الخلاف بين البحرين وقطر حول حوار. بل زوجته مارجو المشرفة على تعليم البنات وابنه جميس (حمد كما يدعي في البحرين) مسئول العلاقات العامة والإعلام لحكومة البحرين. 
  أن بصمات بلجريف واضحة في أي مشروع أو قانون أو جهاز حكومي أو قرار رئيسي سواء في الشئون الداخلية أو الإقليمية.
يعتقد بلجريف في أعماقه أن القدر ساقه ليقوم باسم الإمبراطورية البريطانية بعملية تحديث تدريجي لهذه البلاد، وفي ذات الوقت الحفاظ على حكم آل خليفة من أية أخطار داخلية أو إقليمية، ولا ننكر انه أسهم بقسط في ذلك لكن الأهم هو أن بلجريف وهو ذو العقلية الاستعمارية التي قاد بها قواته في أفريقيا والسودان، والمتشرب بالثقافة الاستعمارية فقد كان في أعماقه ذو نزعة استعلائية في نظرته للبحرينيين، كأناس قاصرين لا يعرفون مصلحتهم وغير مؤهلين لإدارة شؤونهم. وقد عبر عن ذلك في توارد خواطره وهو يغادر البحرين لأخر مرة ملقياً نظرته على الأرض التي حكمها طوال ثلاثة عقود، حيث عبر عن مرارته تجاه الطلبة الذين أدخلهم المدارس وخرجوا إلى الشوارع يتظاهرون ضده. كما عبر عن مرارته لنكران الجميل من قبل شعب سعى إلى تطويره. ويقارن بلجريف في مذكراته المنشورة وغير المنشورة عن الطفرة الواسعة التي قطعتها البحرين في عهده. 
لكن ما يهمنا هنا هو موقف بلجريف من المعارضة السياسية، ومن هيئة الاتحاد الوطني بشكل خاص، وسلوكه تجاهها على امتداد الثلاث سنوات 54-1956 والتي انتهت بالمحكمة الشهيرة التي نظمها بلجريف في البديع وأصدرت الأحكام النافذه المبرمة على قادة الهيئة بالنفي للثلاثه وهم عبدالعزيز الشملان وعبدالرحمن الباكر وعبدعلي عليوات وسجن اثنين هما إبراهيم فخرو وإبراهيم موسى.
 ما هو دور بلجريف في إحباط جهود الهيئة لجعل الانجليز ممثلين بالمقيم السياسي في الخليج والوكيل السياسي في البحرين للوقوف على الحياد، ولعب دور الوسيط بينهم بين الحاكم وتشجيع الحاكم لقبول مشروعهم الاصلاحي؟
هل تصرف بلجريف كمستشار نزيه حريص على مصلحة البحرين كبلد وشعب وحكم أم تعمد تحريض الحاكم وتخويفه من الهيئة وقياداتها، وتضخيم خطر الهيئة على النفوذ البريطاني في البحرين والخليج، كأمتداد لعدوهم التاريخي جمال عبدالناصر لا يتورع بلجريف أن يصف قادة الهيئة بأنهم مجموعة من الفاشلين غير الكفؤين الطامعين إلى الزعامة. وقد وصف عبدالعزيز الشملان بأنه إبن عبد رقيق سبق أن نفي أباه إلى الهند في العشرينات في حركة تمرد. ووصف عبدالرحمن الباكر بأنه تاجر فاشل، ترك بلده قطر، ليبحث عن زعامة في البحرين د. عبدعلي العليوات من أصل قطيفي والسيد علي كمال الدين من أصل عراقي.
يصف بلجريف صحيفة صوت البحرين بأنها أوراق دعاية (1)، ويصف الصحافة التي صدرت في عهد الهيئة من الميزان والقافلة والخميلة بأنها مجلات يحررها شباب تنقصهم المسؤولية ويتصورون أنهم كلما كتبوا بصورة أكثر حدة كلما ازدادت مبيعاتهم(2). وقد عمد بلجريف إلى إغلاق الصحف الوطنية الواحدة تلو الأخرى. والعجيب أن بعض مسؤولي هذه الصحف أشادوا مؤخراً في ندوة عن بلجريف بالرجل ووصفوه ببطل التحديث والتنوير. إن صحيفة صوت البحرين هي المنارة التي بثت الأفكار الوطنية المعادية للطائفية والتي أسهمت في قيام هيئة الاتحاد الوطني وبعض مسؤوليها مثل عبدالرحمن الباكر وحسن الجشي هم من قيادات الهيئة طرحت الهيئة عدة مطالب، وقامت بتحركات سياسية وجماهيرية وحشدت الشارع ونظمت الجماهير في منظمات العمال في إتحاد العمال البحريني، والشباب في كشافة البحرين والسواقين في صندوق التأمين فما هو موقف بلجريف من ذلك، هل حاول تفهم ذلك وإقناع الانجليز والحاكم بعدالتها أو على الأقل قبول بعضها، والاتفاق مع الهيئة في منتصف الطريق، أم على العكس سخفها وقلل من شأنها، وخوف الحاكم والانجليز من عواقبها.
1-      الطائفيـة:
إن من أهم عوامل إنبثاق الهيئة عامل التصدي من رجالات البحرين الوطنيين الواعين للأحداث الطائفية المؤسفة خلال 1953 ، لكن بلجريف من خلال يومياته غير المنشورة يتبنى مخاوف الحاكم من خطورة التقاء السنة والشيعة، وقد اتبع بلجريف السياسة البريطانية فرق تسد، في التعامل مع أي قضية أو خلاف بانفراد مع قيادات الطائفتين.
2-      المطالب الاصلاحية:
سعت الهيئة إلى عقلنة الحكم وتأمين المشاركة الشعبية من خلال مجلس تشريعي منتخب واصلاحات تشريعية وقضائية والسماح بإنشاء نقابات عمالية،وانتخاب المجلس البلدي ومجلس الصحة ففي رسالة من قبل الهيئة التنفيذية لهيئة الاتحاد الوطني إلى الحاكم في 9 فبراير 1955 تذكره فيها بمسؤولياته تجاه البلاد، وتذكره بالمطالب التي قدمها له في رسالة سابقة بتاريخ 28 أكتوبر 1954 وهي: (3)
1-      إنشاء مجلس تشريعي ينتخبه الشعب أعضاءه.
2-      تقنين الأحكام الجنائية والمدنية.
3-      السماح بإنشاء نقابات عمالية.
4-      إنشاء محكمة إستئناف عليا.
وقد سبق أن أكدت الهيئة على هذه المطالب في رسالتها إلى وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد بتاريخ 21/2/1955، من خلال المعتمد البريطاني السيد باردز، بعد أن رفض وزير الخارجية الاجتماع بوفد الهيئة أثناء زيارته إلى البحرين وفيها عبروا عن عتبهم لعدم مقابلته لهم، وذكروا بمواقف حكومة البحرين السلبية من مطالبهم الاصلاحية، ومحاولتهم المستمرة مع الحكومة البريطاينة للضغط على الحاكم لوقف الإستفزازات ضد الشعب، وحثه على إدخال الاصلاحات، وذكروا الحكومة البريطانية بالديمقراطية البريطانية وما تمنحه من حريات. وفي إشارة إلى دور بلجريف السلبي ذكروه بأن ما هو صالح عام 1926 لن يكون صالحاً عام 1955. وقد رد وزير الخارجية بسلبية على مطالب الهيئة ومواقفها من خلال تصريح مكتوب للمعتمد البريطاني بتاريخ 17 مارس 1955 (5)، وفيها أكد على رفض حكومته الأعتراف بالهيئة وتهديدهم في حالة اللجوء إلى العنف والابتعاد عن القانون بخسران تعاطف الحكومة البريطانية ووجه نصائح للشعب البحريني بالأعتراف بالتقدم والاصلاحات التي تحققت مؤخراً بمساعدة الحكومة البريطانية والمساهمة بأوسع قدر ممكن في اللجان المتعددة والمجالس المنتخبة المزمع إنشاءها المجلس البلدي ومجلس المعارف، والتخلي عن أفكار العنف والأعمال غير القانونية.
ورغم صدمة أعضاء الهيئة التنفيذية برسالة وزير الخارجية، إلا أنهم كتبوا رسالة مطولة وهادفه إلى الوزير سلوين لويد بتاريخ 29/3/1955 (6)، فندوا فيها مزاعمه بالتالي:
1-      عدم تطور تفكير الحكومة وأساليبها.
2-  إن الوسائل الملائمة الكافية لأن يعبر الشعب عن أفكاره ورغباته وأن يشارك في الإدارة العامة هو ضرب في الخيال، بما في ذلك بالطبع مجلس الحاكم.
3-  استغراب الهيئة من موقف الحكومة البريطانية بوصفها بالجماعة وطالبت بإجراء إستفتاء شعبي لمعرفة موقف الشعب من الهيئة، وأن المؤسسات التي وضعتها الحكومة البريطانية بالدستورية ما هي إلا مؤسسات شكلية معينة.
وبعد شكر الحكومة البريطانية من إهتمامها بالتقدم والتطور السلمي في البحرين، فقد دعتها إلى فهم حقيقة الأوضاع القائمة في البحرين مؤكدة أن الهيئة هي الممثل الحقيقي لشعب البحرين وأكدت على الطبيعة السلمية للحركة الإصلاحية مستنكرة إشارة وزير الخارجية البريطاني لمسألة الاخلال بالأمن.
ووقع الرسالة أعضاء الهيئة التنفيذية الثمانية وهم السيد على السيد إبراهيم ومحسن التاجر والحاج عبدعلي العليوات والحاج عبدالله أبوديب والحاج إبراهيم موسى وعبدالعزيز سعد الشملان وإبراهيم محمد حسن فخرو وعبدالرحمن الباكر.
ما هو دور المستشار بلجريف في كل ذلك؟
لقد كان المستشار بلجريف وراء إقناع المعتمد البريطاني السيد باروز بعدم اجتماع وزير الخارجية البريطاني سلوين لويد بممثلي هيئة الاتحاد الوطني، باعتبار أن قادتها ليسوا ذوي وزن اجتماعي كبير وأنها هامشية ولا تعد كونها تكرار لما حدث في الماضي (7) ومنذ نشأتها في نوفمبر 1954، فقد إستخف بلجريف وقلل من أهميتها وتمثيلها لشعب البحرين وقد جاء في مذكراته المنشورة: (8)
"في أواخر عام 1954 إنبثقت إلى الوجود لجنة مكونة من ثمانية الأعضاء واطلقت على نفسها اسم "الهيئة التنفيذية العليا" المواطنون تساءلوا أعلى من ماذا؟ إدعت اللجنة بأنها تمثل شعب البحرين، وهو أمر بالتأكيد غير صحيح، فالشيخ سلمان لم يعترف أبداً بهذه اللجنة ونظر إليها البحرينيون الذين يشعرون بالمسؤولية بالكثير من الارتياب والحذر ولكنها في الحقيقة، نواه لحزب سياسي، الأول من نوعه في الخليج، فيما بعد أصبح أسمها يعرف من قبل الجميع "بالهيئة" ولاقت التأييد بحماس من قبل المتعلمين الشباب بالمدن الذين يزعمون بأنهم مثقفون بناء على الدراسة السطحية التي تلقوها في المدارس الابتدائية والثانوية وعلى قدرتهم على الترديد بطريقة خاطئة في معظم الأحيان للشعارات والخطب المهجبة للعواطف التي يسمعونها من الإذاعات العربية أو يقرأونها في الصحف الصادرة من مصر وسوريا غالباً.
ويختتم تقيمه للهيئة بالقول (9):
لقد تعاطفت مع بعض مطالب الهيئة وأيدت جزءاً من زفرات الفئة المثقفة، لكنني لم أثق في الرجال الذين يقودونها لأنني أعرف أنهم لم يتحركوا بدوافع المصلحة العامة وحب الغير ويكشف موقف وتقييم بلجريف للهيئة وقيادتها عن إحتقاره للقيادات الوطنية البحرينية من موقف إستعلائي واستعماري ويمتد ذلك إلى المتعلمين واصفاً دراستهم بأنها سطحية وهو الذي يتفاخر بأنه أدخل التعليم الحديث إلى البحرين وفي موقف أخر يسخر بلجريف من ذكاء المواطنين البحرينيين (10)، في عنصرية واضحة.
سألت الرجال: لماذا أنتم مضربون؟ فردوا نحن لا نعلم السبب، لكنهم أخبرونا أننا إذا واصلنا الاضراب فسوف نحصل على أجوراً أعلى, ويسخر من المتعلمين البحرينيين أحد الشباب الأفضل تعليماً من البقية الحامل في الجيب العلوي لثلاثة أقلام باركر قال لي "نحن نطالب بحقوقنا" وعندما سألته: أي حقوق، ظهر عليه الارتباك والبلاهة، ثم رد بتكشيرة غاظبة "أنا لا أعلم ما هي هذه الحقوق، لكن ربما يكون بوسعك إخبارنا بالمطالب التي يفترض فينا أن نعرفها".
بل أن نظرة الأحتقار والأزدراء لبلجريف كما عبر عنها في يومياته غير المنشورة تمتد إلى الحاكم وكبار أفراد الأسرة الحاكمة ليس في البحرين وحدها بل في السعودية وقطر أيضاً من هنا فإن صدمة بلجريف كبيرة (11) عندما نزل الطلبة والطالبات الذين يعتبر بلجريف أنه تفضل عليهم بالتعليم، إلى الشوارع في نوفمبر 1956 إحتجاجاً على العدوان الثلاثي على مصر، والوجود العسكري البريطاني في البحرين، ومطالبين بطرد بلجريف. معتبراً ذلك نكراناً للجميل لأفضاله على شعب البحرين.
لقد أصبت بخيبة أمل كبيرة عندما تبين لي أن الكثير من المشاريع والخدمات التي عملت مخلصاً لتحقيقها في هذا البلد كالتعليم والأمن والصحة، أصبحت الآن مواضيع للهجوم بواسطة أشخاص استفادوا منها.
تعاطي بلجريف مع مطالب شعب البحرين والهيئة باصلاح القوانين وخصوصاً الجنائية، واصلاح النظام القضائي، ونظام ضمان الأراضي الزراعية واصلاح جهاز الشرطة، وتشكيل مجلس للمعارف بالانتخاب وتشكيل مجلس البلدية بالانتخاب، وإقامة صندوق تعاوني لتأمين سيارات التأكسي، وإصدار قانون حديث للعمل يسمح بإقامة إتحاد عمالي، وتشكيل مجلس تشريعي منتخب، وإنتفاع الشعب بالموارد النفطية، وتقنين العلاقة بين الأسرة الحاكمة والشعب، وتطلع شعب البحرين لالتحاق بأشقائه العرب، دعمه للقضية الفلسطينية وتأييده للمشروع القومي بقيادة عبدالناصر، ومعارضته للوجود العسكري البريطاني ولسياسة الأحلاف وخصوصاً حلف بغداد، بالاستخفاف والمماطلة والمراوغة باعتبار شعب البحرين قاصراً لا يفهم مصلحته واعتبار قادته جهلة وأنه هو من يفهم مصلحته، وأما تطلعاته القومية فهي استجابة عاطفية لدعايات عبدالناصر من خلال صوت العرب والصحافة المصرية المضللة.
وإذا رصدنا مواقف بلجريف على امتداد السنوات الثلاث من عمر الهيئة (1954 – 1956) فإنه لم يحاول أبداً أن يقنع الحاكم بما له من نفوذ وتأثير كبير عليه بأحقية هذه المطالب بل ولم يحاول أن يجمع الحاكم مع مطالب الهيئة في منتصف الطريق. وفي أحسن الأحوال فإنه دائماً ما يستعين بخبراء أنجليز وقيادات محلية هزيلة يجعلها في الواجهة ويحركها من الخلف.
فلاصلاح القضاء عمدت الحكومة باقتراح من بلجريف لتعيين جيوفري بس مستشاراً قضائياً بالمحكمة في الفترة ما بين 1954 – 1958 وخلفه السيد ديفيد همغرير (12) والمستشار بلجريف هو رئيس المحكمة المختلطة ويعتبر نفسه خبيراً بالقانون إكتسب خبرته في السودان عندما كان قائداً لاحدى كتائب الهجانه، ويستغرب بلجريف رفض شعب البحرين لتطبيق نظام جزائي بريطاني يطبق على المستعمرات البريطانية. (13)
ويستغرب بلجريف كما عرض هو في مذكراته إضراب العمال البحرينيين، وخصوصاً عمال بابكو ومطالبتهم بتحسين أوضاعهم، والسماح لهم بقيام نقابة تمثلهم، كما يستغرب إضراب سيارات الإجرة بفعل الرسوم المرتفعة التي تفرضها شركات التأمين البريطانية وخصوصاً نوروج، ويستغرب إضراب شعب البحرين تأييداً للمطالب السياسية التي طرحتها الهيئة. وعندما تضطر الحكومة للتعاطي مع هذه المطالب يلجأ بلجريف إلى التسويف، فلإصدار قانون للعمل، تشكل لجنة يرأسها خبير بريطاني في عملية اجتماعات ماراثونية امتدت في أبريل 1955 حتى أكتوبر 1956 (14)، ورغم ذلك جمد بلجريف قانون العمل المقترح، والذي طبق مبتوراً باستثناء حرية العمل النقابي في 1957 . ولم يتحمس بلجريف لمبادرة هيئة الاتحاد الوطني بتشكيل صندوق التعويضات وهو صندوق تعاوني لتأمين سيارات الأجرة.
تحت ضغط حركة الشارع الذي تقوده الهيئة وبعد الاضراب الشامل خضعت الحكومة  لمطلب تشكيل مجلس الصحة والمعارف (سته لكل مجلس)، ويكون نصف أعضاء كل مجلس بالانتخاب والنصف الآخر بالتعيين من قبل الحكومة. ونظراً لشعبية الهيئة فقد انتخب الشعب مرشحوا الهيئة، وسقط مرشحوا الحكومة، سقوطاً مريعاً، ولكن بمشورة بلجريف السيىء عهدت الحكومة إلى تعيين الفاشلين في الانتخابات والمحسوبين عليها في كلا المجلسين، وهو ما دفع الهيئة إلى دعوة الأعضاء المنتخبين لمقاطعة المجلسين.
وهكذا أفشل بلجريف تجربة المجالس المختلطة والتي كان يمكنها أن تتطور، وتهيى الأوضاع للمجلس التشريعي المنتخب، لقد جرى تجاهل مطلب الهيئة الرئيسي بايجاد مجلس تشريعي منتخب. وبدلاً من ذلك عين الحاكم حينها الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة عمه الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً رئيساً لمجلس إداري للبلاد من العائلة الحاكمة في فبراير 1956.
ظل بلجريف عدائياً للهيئة التنفيذية، وشجع الحكومة البريطانية ممثلة بالمقيم السياسي في الخليج والمعتمد البريطاني في البحرين، على عدم الاعتراف بها، وحرض الحاكم الشيخ سلمان ضدها وظل يصور له أن الهيئة تنوي الانقلاب عليه والاستئثار بالحكم لكن الحكومة البريطانية، وبعد أن أدركت عدم إمكانية تجاهل الهيئة، بعد ان أثبتت قدرتها على قيادة شعب البحرين، أوعزت للحاكم للاعتراف بالهيئة ولكن بشرط تغيير اسمها من الهيئة التنفيذية العليا إلى هيئة الاتحاد الوطني. وهو ما يصفه بلجريف باستخفاف بأن الهيئة التنفيذية العليا توقفت في أبريل 1956 عن ممارسة نشاطاتها وولدت مؤسسة جديدة أسمها هيئة الاتحاد الوطني، عدد أعضائها 7 أفراد جميعهم كانوا بالإدارة السابقة. لكن بلجريف يعرف ان أعضاء الهيئة هم بعشرات الألوف، لكن بلجريف لم يسلم بهزيمته فعمد إلى إقناع الحاكم بتشكيل تنظيم موال هو " هيئة الاتفاق الوطني" من شخصيات لا رصيد شعبي لها لكن رصيدها هو موالاتها المطلقة للانجليز والحكم.
كان الانجليز والحكم يتحينون الفرصة للانقضاض على الهيئة وتصفيتها. وهكذا حانت الفرصة عندما حدث العدوان الثلاثي على مصر، وكان طبيعياً أن يتحرك الشارع البحريني كما تحرك الشارع العربي في كل مكان احتجاجاً على العدوان والتواطؤ البريطاني الفرنسي مع العدوان الصهيوني، ومما ألهب الاحتجاجات في البحرين نزول القوات البريطانية في البحرين ووجود قواعد بريطانية في البحرين، لعبت دوراً خلفياً في العدوان والسيطرة البريطانية ممثلاً في المقيم السياسي والمعتمد البريطاني والمستشار البريطاني، وممثلاً في شركة النفط وغيرها من المؤسسات البريطانية.
لقد أضحى واضحاً أن كثيراً من أعمال الشغب والحرق قام بها عناصر من المخابرات بقيادتهم البريطانية (15). ولقد وقفت الهيئة بقوة ضد هذه الأعمال واستنكرتها لكن النية كانت مبيته لاستغلال أي ذريعة لأنها الهيئة وكان بلجريف أول المحرضين لذلك. وهكذا شهد فجر 5/11/1956م حملة القضاء على الهيئة حيث اعتقلت قياداتها وكوادرها بقيادة بلجريف ذاته.
ولعب بلجريف دور المدعي العام في المحكمة الصورية لقيادة الهيئة في محكمة ميدانية في البديع يومي 21-22 نوفمبر 1956 حسب بلجريف (22-23 ديسمبر 1956) حسب الباكر، وصدرت الأحكام الجائرة بالنفي والسجن ضد قادة الهيئة، وصدق بلجريف على قرار المحكمة باعتباره مستشار الحاكم ومفوض عنه.
وبلجريف هو الذي نسق مع الحكومة البريطانية من خلال المقيم السياسي والمعتمد السياسي لنفي قادة الهيئة الثلاثة "عبدالعزيز الشملان، عبدالرحمن الباكر وعبدعلي العليوات" إلى جزيرة سانت هيلانه النائية في شمال المحيط الأطلسي. لقضاء محكوميتهم بالسجن لمدة 14 عاماً، وهي الجزيرة التي نفى إليها نابليون وسجن فيها حتى موته مسوماً.
وقد كشفت المحاكمة اللاحقة من قبل محكمة بريطانية للقادة الثلاثة عن وجود ترتيبات للنفي سابقاً للاضطرابات، قد حكمت المحكمة البريطانية في شهر يوليو 1961 بعد أربع سنوات ونصف ببطلان محكمة بلجريف الصورية وبطلان النفي وضلوع بريطانيا في ذلك وأمرت بإطلاق سراحهم كما حكمت المحكمة الصورية بالسجن عشر سنوات للقائدين إبراهيم فخرو وإبراهيم موسى. 
قضوها في جزيرة جده. كما أجبرت السيد علي إبراهيم كمال الدين بالذهاب إلى المنفى في العراق حيث استقر في النجف الأشرف حتى عودته بعد الاستقلال في 1971 عهد بلجريف في مذكراته العلنية إلى عدم ذكر أي أسم من أسماء قيادة الهيئة إمعاناً في احتقارهم والاستخفاف بهم. 
1-       يوميات بلجريف ـ غير منشورة ، نشرت على بعض المواقع الالكترونية.
2-       م1كرات بلجريف، ترجمه مهدي عبدالله، منشورات دار البلاغة ـ بيروت، لبنان 2002 صـ  333
3-       البحرين 1920-1971 قراءه في الوثائق البريطانية، سعيد الشهابي ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت، لبنان 1996 ص 189.
4-       المرجع السابق صــ185.
5-        المرجع السابق صـ186.
6-       المرجع السابق صـ 188.
7-        المرجع السابق صــ 184
8-       مذكرات بلجريف  ـ مرجع سابق صـ 342 – 343
9-       المرجع السابق صـ 343
10-            المرجع السابق صـ 343 – 344.
11-            المرجع السابق صــ 344
12-            المرجع السابق صــ 345
13-            المرجع السابق صــ 345
14-            المرجع السابق صــ 354
15-            من البحرين إلى المنفى (سانت هيلانه)، عبدالرحمن الباكر ـ دار الكنوز الأدبية ـ بيروت 2002 صــ 116.
 

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro