English

 الكاتب:

عبدالله جناحي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

العاطلون قادمون من فوهة النظام الاقتصادي
القسم : اقتصادي

| |
عبدالله جناحي 2008-12-05 15:22:06


دون شفافية وفي غياب الصراحة والعلنية والبيانات الدورية نسمع الهمسات التي تؤكد بأن عددا من البنوك والمؤسسات المالية والاستثمارية والعقارية قد بدأت في تسريح موظفيها وتجميد بعض إداراتها الاستثمارية ووقف التوظيف، مع بقاء كبار المدراء ذوي الرواتب العالية في مناصبهم، في ظل غياب شبه تام عن كشف التقارير التي توضح الوضع المالي لهذه المؤسسات والمصارف ومقدار خسائرها من جراء الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة.
وهكذا هو قانون الرأسمالية المتوحشة، حيث أول من يتضرر صغار الموظفين والعمال أمام أية أزمة تواجه مؤسساتها، غير أن الفرق بين دولنا والدول الرأسمالية العريقة بأن الأخيرة لن تتردد في كشف أرقامها المتعلقة بإلغاء الوظائف وفصل الموظفين وتبيان عدد العاطلين.
فها هي الدول الغربية تعلن عن إلغاء 6000 وظيفة في شركة (رينو) و1600 وظيفة في شركة (نيسان) و3500 وظيفة في شركة (بنز) و159 ألف وظيفة في قطاع البناء في الولايات المتحدة الأميركية، وحسب تقرير وزارة العمل الأميركية فلقد تم خفض الوظائف في القطاعات غير الزراعية في حدود 240 ألف وظيفة خلال شهر أكتوبر فقط، وفي بريطانيا أعلنت كل من “وولوورث” و”أم أف أي” كأضخم شركتين تجاريتين أنهما في الطريق لإلغاء 30 ألف وظيفة.
ومكتب العمل الدولي أصدر تقريراً يوضح فيه بأن البطالة ستصيب 210 ملايين شخص في العالم من شهر نوفمبر ولغاية نهاية عام 2009م، أي بإضافة 20 مليونا على الرقم الدولي الحالي للعاطلين.
حكومتنا كما هي الحكومات الرأسمالية الغربية تضع الخطط وتضخ الملايين والمليارات من الخزانة العامة ومن دافعي الضرائب والرسوم وأموال التقاعد ومن عرق وقوة عمل الكادحين والمنتجين ومن ثروات الأمم لإنقاذ المؤسسات المالية التي تعلن إفلاسها وانهيارها، غير أن للأزمة الراهنة مضاعفات محسوسة أخرى تجاهلتها خطط الإنقاذ الحكومية، ومنها غياب خطط إنقاذ المواطنين من فقدان وظائفهم، حيث لا تكفي صناديق التأمين ضد التعطل والمعونات والمساعدات المؤقتة.
وكبار قادة الدول الصناعية ومعهم الآن، بعد الأزمة الراهنة، كبار قادة النفط وأصحاب الصناديق السيادية ذات مئات المليارات من الدولارات وأصحاب الشركات القابضة، وهم يجتمعون وسيجتمعون بعد شهور لم نقرأ بأن قراراتهم تهدف إلى إعادة أسس النظام الاقتصادي والمالي منه على وجه الخصوص، وإنما جل هدفهم تنظيف هذا النظام من التجاوزات فقط، والاعتراف بوجود بعض الأخطاء وغياب الرقابة وضعف القيود على المصارف وسياسات الاقتراض، في حين المطلوب حسب جميع المعطيات والدعوة لتأسيس نظام اقتصادي جديد يعتمد على أسس مالية ونقدية جديدة، يضع في اعتباره التغييرات الكبيرة في الجيوسياسية الجديدة في العالم، منها الانتقال النسبي ولكن المؤثر في الثقل الاقتصادي من الولايات المتحدة الأميركية إلى القوى الاقتصادية الجديدة كالاتحاد الأوروبي والصين. فعلى سبيل المثال يكشف مارتين بولار في مجلة لوموند ديبلوماتيك بأن الصين فعلياً أصبحت هي مصرف أميركا، حيث تمتلك أكبر احتياطي بالدولار في العالم (حوالي 2000 مليار دولار) أي أكثر من ثلثي الإنتاج الصيني في السنة.
ولذا فإن أميركا لم يعد بإمكانها أن تتخلص من تحويلات الصين، وليس بمقدور الصين أن تتغاضى عن مصير العملاق الأميركي، فمصالحهما أصبحت متداخلة، وانهيار النظام المالي الأميركي الذي سيجرف الدولار معه سوف يؤثر على مصدر الثراء الصيني.
وهذا الأمر ينطبق على اليابان التي تمتلك ثاني احتياط عالمي، وتأتي روسيا في المرتبة الثالثة.
إن النظام العالمي يحتاج بالتالي إلى إعادة النظر في دور الدولار في المبادلات العالمية، وهو الثمن الذي يدفعه الجميع الآن بعد أن تم القبول بهذه العملة ليس فقط كعملة دولية للتداول بل كمخزن للقيمة وقوة العملات الأخرى. وفي هذا الشأن لنا مرئيات سنستعرضها في مقالات أخرى قادمة.
إعادة النظر في أسس النظام الاقتصادي العالمي لا تتوقف عند هذا الحد المذكور أعلاه، بل لابد من العودة إلى ربط عالم المال والخدمات مع الإنتاج المادي الحقيقي، في الحالة الاقتصادية العالمية الراهنة هناك انفصام تام بين البورصات والمليارات من العملات الساخنة والطيارة والمراهنات والمضاربات سواء في القطاع المالي أو العقاري وبين الإنتاج المادي والاقتصاد الفعلي.
ففي عام 1971 كان 90 % من الصفقات المالية يتعلق بالاقتصاد الحقيقي كالتجارة والاستثمار طويل الأمد، وكان 10 % يتسم بطابع المضاربة، وبحلول عام 1990 انخفضت النسبة المئوية، وفي عام 1995 كان حوالي 95 % من المبالغ الهائلة يتسم بطابع المضاربة وبسيولات يومية منتظمة تتجاوز احتياطي التبادل الأجنبي للدول الصناعية السبع الأكبر كلها، أي ما يزيد على ا تريليون دولار في اليوم وبأمد قصير جداً حيث حوالي 80 % منها ترحل ذهاباً وإياباً لأسبوع أو أقل من دولة لأخرى. (المصدر: نعوم تشومسكي في كتابه الربح على حساب الشعوب، الليبرالية الجديدة والنظام الكوكبي)، ورغم أن كثرة من الاقتصاديين المعروفين حذروا من هذه اللعبة التي ستؤدي إلى تراجع في النمو وانخفاض في الأجور، غير أن المحافظين الجدد والليبراليين من جماعة (إجماع واشنطن) كانوا منبهرين من الأرباح الضخمة والهائلة لهذه المضاربات.
هذا على الصعيد الدولي والاقتصاد السياسي الكلي، أما على الصعيد العربي وعلى وجه الخصوص الدول النفطية فإنها وهي تشارك منتشية في القمم الصناعية العالمية إحساساً بمسؤولياتها العالمية!! عليها أن تتعلم من دروس وتجارب التاريخ، ومنها أن النظام الرأسمالي الأميركي عبر تاريخه كان يفكر دوماً بمصالحه الخاصة حتى ولو على حساب مصائر الشعوب واقتصاديات حلفائها، وكان ضمن مبادئه ضرب أي استقرار لاقتصاد في طريقه إلى النمو والقوة ومن ثم المنافسة.
وحسب رؤية نعوم تشومسكي فإن (ضرب الاستقرار من أجل تحقيق الاستقرار) هو شعار الرأسمالية الأميركية المتوحشة والمخادعة، ولقد مورس هذا المبدأ ثلاث مرات في خليجنا العربي وكانت نتائجه ليس فقط تدمير الاقتصاد والمجتمع في العراق وإيران والكويت وباقي دول الخليج وإنما تفريغ موازناتنا من المليارات من ثروة النفط وتحويلها إلى اقتصاديات الغرب الرأسمالي مقابل تكاليف هذه الحروب.
ونحن الآن في حرب اقتصادية رابعة من ضمن أهدافها الصناديق السيادية الخليجية والفائض الكبير لثروات النفط والمقدر بتريليون دولار والذي لم يكشف إلا جزء منه في الموازنات العامة، وهو احتياطي لأجيالنا القادمة وليس لإنقاذ رأسمالية متوحشة وأنانية!!.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro