English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2008-12-23 16:43:01


تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ''إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم''.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ''عمل إرهابي'' و''تفجير عبوات مصنعة محلياً'' بهدف ''ترويع الأبرياء الآمنين''؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.
ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ''الصجم''. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ''اعترافهما''. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ''رهن التحقيق'' لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ''الاعتراف بالواقعة''.
بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أكتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ''التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين''. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟
لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على''مؤامرات'' يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ''مؤامرةٌ'' بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ''اعترافات'' وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.
لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ''باخرة الأسلحة'' أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ''الأخبار'' عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ''لدى بعض الخلايا الشيوعية''. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ''مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب''. لا يعرف حتى ''الجن الأزرق'' ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ''فرضة المنامة''. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و''الأشخاص المعينين'' الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و''الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب''. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.
لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro