English

 الكاتب:

كاتب بحريني

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

نبيل تمام: عندما وطأت قدماي أرض غزة العزة سوق الجنة يكتبها هذا الاسبوع: نبيل تمام
القسم : عام

| |
كاتب بحريني 2009-03-08 20:49:10


                                              Tamam.jpg     بقلم: باسمة القصاب ا نه الدكتور نبيل تمام استشاري الأنف والأذن والحنجرة. لكن قبل أن يكون طبيباً تغمره طبيعة عمله التي غالباً ما تأخذ أصحابها عن المشاركة في الحياة الاجتماعية فضلاً عن السياسية، كان عضواً للاتحاد الوطني لطلبة البحرين فرع القاهرة في السبعينات. نشأ ناصرياً، وتلقى تربية حزبية تجعله قلباً في الحدث القومي، لا هامشاً .
كان القرار الذي اتخذه وزميله علي العكري، بالذهاب إلى قلب غزة إبان القصف الوحشي، كافياً ليلفت نظر الجميع نحو انسان جنته ما يفعل، لا ما يقول
  
 ========================================================= 
 
صورة على جدار القلب
هنـــاك على أحـــــد جدران حائـــط مجلسنا الكائن في منطقة النعيم، ثمة صورة تشغل تفكيري. طفل أساءل من صاحب تــــلك الصــــــورة المرسومــة بريشة فنان؟. كبر الطفل وأصبح شاباً يافعاً ولاتزال الصورة تزين الجدار وتنتقل لمنزل آخر في المنطقة نفسهـــــا. كانـــــت صــــورة ' ' جمال عبدالناصـــر ' ' . أبديــــت اهتماماً مبكــــراً بالقضايــــا المشتركـــــة (قضية فلسطين) وطمـــوح الشعــوب العربية للوحــــدة العربية. شاركت في المظاهــــرات الطلابية في المرحلة الإعداديــة والثانويــة. تغير المنزل والجدار، وتبدلت الصورة الناصرية، وعُلقت صورة أخرى بدلاً منها، تحولت توجهات من حولي إلى منحى آخر، إلا أن صورة عبدالناصر مطبوعة على جدار قلبي، أسمع خطاباته وتعبئته للنضال وسحق الصهيونية. شخصية ذلك الرئيس وشعاراته لعبت دوراً كبيراً في بلورتي. 
  إلى الطب
في العام ,1978 كانت صورتي ضمن المتفوقين الثلاثين الأوائل على مستوى مدارس الثانوية العامة في البحرين. أحمل حقيبة سفري مغادراً لجمهورية مصر العربية لدراسة الطب بجامعة عين شمس. عبر الاتحاد الوطني لطلبة البحرين فرع القاهرة (عضواً ثم رئيساً في السنتين الأخيرتين للدراسة)، زاد اهتمامي بالعمل الوطني، من دون أن يؤثر ذلك على تفوقي الدراسي. تأثرت بالتربية الطلابية، الإيمان بالحركة الوطنية والسياسية، ومجالسة المثقفين والسياسيين. كنت أحضر حلقات النقاش التي يخوضها الشباب من حولي مستمعاً فقط وملتزماً الصمت. علمتني تلك الحوارات احترام الرأي الآخر.
عدت البحرين حاملاً شهادة بكالوريوس الطب العام ,1986 وفي العام نفسه عقدت قراني على جميلة يوسف الوطني التي تحمل توجهاً مماثلاً، كان للعيش في بيئة متشابهة ومنطقة واحدة دوره في ذلك. غرقت في مهنة الطب لمدة سبع سنوات كطبيب معالج. واصلت للحصول على درجة طبيب أول. بعد 4 سنوات حصلت على الجزء الأول من الزمالة البريطانية.
لم تتوقف اهتماماتي السياسية رغم انشغالي بالعلم والدراسة من جديد للحصول على الدراسات العليا والتدريب المهني في مجال التخصص الأنف والأذن والحنجرة. قضيت أربع سنوات في مستشفى سانت ثوماس (أكبر وأعرق مستشفيات لندن) للحصول على درجة زميل الكلية البريطانية في أدنبره، مجال التخصص الأنف والأذن والحنجرة (FRCS) العام .1995 في العام نفسه رزقت بطفلي الأول هشام.
واستمر التدريب بلندن حتى العام ,1996 وتمت ترقيتي العام 1999 لدرجة استشاري في التخصص الأنف والأذن والحنجرة، وفي العام 2004 رزقت الطفل الثاني إرم وعمره 4 سنوات. 
 قرار الذهاب
كان كل شيء يتحرك سريعــاً. بجد كبير وبخطوات واسعة تشكلت لجنة علاج جرحى غزة وبدأت تعمل.
الجميع متكاتف من أجل شعب فلسطين. بين ليلة وضحاها اجتمعت اللجنة التابعة لجمعية الأطباء البحرينية وكان سؤالها من سيرشح نفسه لتوصيل المعونات المالية. التبرعات التي أسهم بها شعب البحرين تثبت أنه مع أخوته الفلسطينيين قلبا ونبضاً.
كانت كلمة نعم. قررنا أنا والزميل علي العكــري استشــاري جراحـــة عظــام، الذهاب إلى غزة لتوصيل المعونات، وللإطلاع عن كثب على الأوضاع والحاجات الماسة من أجهزة وأدوية ومؤن وغيرها. تلك الأوضاع التي لن يعرفها إلا من كان هناك. في قلب الداخل. حيث الأوجاع حقائق نراها بأعيننا ونتلمسها بأيدينا. هناك كل شيء مشاهدة تنطق بنفسها لا تحتمل الاشتباه أو الاستبهام. هناك كل شيء رؤيـة عين لا رواية لسان أو إعلام. 
  اعتصام رفح
غادرنا في اليوم التالي مباشرة. الثلثاء 6 يناير/ كانون الثاني .2009 اتجهنا إلى مطار القاهرة الدولي، ومنه عبر البر إلى الفندق الوحيد في منطقة العريش. كان يسكن في هذا الفندق جميع الأطباء الذين أتوا يحملون أرواحهم على أكفهم من أجل نصرة. من جميع دول العالم يأتون: النرويج، بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، إندونيسيا، اليونان، مصر، السودان، اليمن، الأردن، المغرب، سوريا، وليبيا. كان الحماس كبيراً والإصرار تحدياً تمتلئ به عزيمة الجميع.
في صباح اليوم الثاني، انعقد اجتماع اتحاد أطباء العرب، بحضور الدكتور سمير الحداد ممثلاً جمعية الأطباء البحرينية بالاتحاد المذكور. دارت نقاشات مستفيضة، انتهت بقرارات عدة: إنشاء مستشفى ميداني. محاولة إدخال طواقم طبية لمساعد الأطباء الفلسطينيين داخل قطاع غزة الجريحة الصامدة. إدخال المعونات الطبية متمثلة في الأدوية، والمعدات والأجهزة الطبية حسب القوائم المستحدثة من داخل مستشفيات القطاع والتي في معية اتحاد أطباء العرب.
بعد الاجتماع توجهنا إلى الاعتصام أمام معبر رفح البري من الجانب المصري. ذلك المعبر الذي كان مغلقاً أمام كل شيء. لم يسمح حتى بعبور الأطقم الطبية بدءاً من الأطباء العرب والأجانب والمصريين المتطوعين. الجميع كان مصراً على العبور إلى قلب غزة. الجميع غير آبه بشدة القصف الذي كنا نستشعره قريبـــاً منا ونحن على أرض منطقة رفح المصرية. كان صـــوت الإصرار أقوى من صوت المنع، وصــوت الصــمود أقــوى من صـــوت الاستســلام.
هكذا شكل الاعتصام الصامد لمدة خمسة أيام متتالية، ضغطاً سياسياً على حكومة جمهورية مصر العربية.
كنا نقف منذ الساعة الحادية عشر صباحاً حتى غياب الشمس أي في تمام الساعة الثامنة مساءً. نرتدي معطف الطبيب الأبيض (البالطو). نعتصم. نصّر.
لا نتراجع. نقف هناك منادين بفتح المعبر. ولم نكـــن لنتنازل، ولم نكـــن لنتراجـــع إلا متقدمين نحو غزة. 
  العبور من المعبر!
يستجيب الأمن المصري أخيراً لضغط الاعتصام، ويفتح المعبر أمام وفود الأطباء للدخول على شكل مجموعات. ورغم العوائق التي وضعها، إلا أن ذلك لم يجعلنا نتراجع، بل زادنا إصراراً وتحدياً. طلبت منا أوراق رسمية من سفارة البحرين، وهناك طُلب منا التوقيع على إقرارين مفادهما أن مصر لا تتحمل ما يحدث لنا بمجرد عبورنا بوابة المعبر، وأننا مسؤولون مسؤولية كاملة عن تهديد حياتنا للخطر جراء القصف المتواصل. فكان ذلك.
دخلنا مع الفوج الثالث المكون من الأطباء المصريين. كان ذلك يوم الثلثاء الموافق 13 يناير/ كانون الثاني .2009 أي بعد 6 أيام من الاعتصامات المتواصلة عند المعبر. وبعد أن تم تفتيشنا تفتيشاً دقيقاً، سُمح لنا بالعبور. كانت قلوبنا قد سبقت أجسادنا بالعبور. أخيراً ها هي أجسادنا تلتحق بقلوبنا. ها نحن نعبر ذلك المعبر الممتنع. نحن الآن عند باب غزة. 
  ادخلوها ساجدين
ما إن وطأت أقدامنا الأرض الطاهرة، حتى سقطنا سجوداً. جباهنا تتمرغ على تراب أرض فلسطين المباركة. نقبـّل التراب الطاهر ونبكي. عشقاً وحباً واعتذاراً وألماً وحماساً. تمتزج دموعنا بتراب أرض العزة والكرامة. قلوبنا تخفق بسرعة وخطواتنا أسرع. لم نصدق أنفسنا. نحن في أرض غزة الدامية. نسينا أصوات قصف الصواريخ وأصوات القذائف. الأصوات قريبة جداً كأنها فوق رؤوسنا. كان يوم دخولنا هو عينه يوم الاجتياح البري لدبابات العدو الصهيوني. الآن نحن في ظلمة دامسة. لا نستطيع أن نرى حتى أكف أيدينا، في تلك الظلمة كانت سيارة الإسعاف تسير باتجاه المستشفى الذي حدده لنا مسؤول حماس على المعبر من الجانب الفلسطيني. كان المسؤول رحب بالجميع أجمل ترحيب، أخذنا في أحضانه واحداً واحداً، شعرنا حينها بأهمية مهنتنا في مثل هذا الوقت بالتحديد.
حملنا أكفاننا على أكتافنا غير مبالين، ملبين حاجة أخوتنا. نضمد جروح الأمهات الثكلى. نمسح دموع طفل هنا ونعالج آخر هناك. نعالج جرحى الأبطال البواسل إذا ما جاء أحدهم ولما تفارق روحه الطاهرة نحو السماء بعد. 
  في المستشفى
هناك في البعيد. تواصل سيارة الإسعاف طريقها لتقلنا إلى مستشفى ' ' الشهيد أبو يوسف النجار ' ' . وصلنا. يستقبلنا الجميع من إداريين وممرضين وأطباء. حين تم تعريفنا بأننا من البحرين بدت على وجوههم علامات الاستغراب! تساءلوا ما الذي أتى بكما إلى هنا. أنتم شعوب تقدم المال لا الأرواح؟ ابتسمنا وقلنا ها نحن معكم، ونتمنى أن نكون لكم عوناً دائماً. دخلنا أروقة المستشفى. كان متواضعا في مبناه وشامخاً بصموده وعالياً بما يقدمه من عمل أمام تلك المجزرة الإسرائيلية البشعة.
في اليوم الثاني، يزداد دوي الصواريخ والمدفعية. وأضواء النيران المشتعلة هنا وهناك. أصوات البيوت التي تهدم وتنهار متساقطة عن بكرة أبيها، كانت تسمع على مقربة من المستشفى الذي يعتبر هو المكان الوحيد الآمن. إلا أنه لم يسلم من سقوط صاروخ قريب منه على بعد أمتار عدة. يؤدي الصاروخ إلى تكسير زجاج المستشفى، نهرول إلى غرفة الطوارئ. الجميع بخير. بعدها يبدأ العمل الحقيقي. شهيد تلو الآخر. تمتلئ الثلاجات. ستة شهداء دفعة واحدة. مقاتلين ومدنيين. تبدو على أجسادهم علامات غريبة. نعلم بعد التقصي والبحث أنها آثار لأسلحة حارقة محرمة دولياً يطلق عليها قنابل الدايم (DIME). تم تطويرها حديثاً بعد أن استخدمت في حرب العراق على منطقة الفلوجة، وتم تجربتها في هذه الحرب على الفلسطينيين.
يستمر العمل بلا توقف. نعايش محنتهم. نواسيهم بل يواسونا على محنتنا. زميلي علي العكري يشاطرني المأساة. نحن القادمون من بلد لم تعرف الحرب. لم نعتد على ما نراه هنا من الدم والقتل والموت، وما نسمعه من أصوات الانفجارات التي لا تتوقف. معنويات الطاقم الطبي من الفلسطينيين لم تكن تكسرها قذيفة دبابة أو صاروخ طائرة العدو. 
  فجر الأحد..
يستمر قصف العدو الغاشم طوال الوقت على غزة، ونستمر في العمل في علاج الجروح لليوم الثالث على التوالي. أجساد ممزقة. أرجل مبتورة. أيد مبتورة. أو كلاهما معاً. رؤوس مهشمة. لم نكن نقدر على رؤية تلك المناظر البشعة. ما أبشعها من حالات لا إنسانية. تعلمنا منهم الصبر. التحمل والصمود أمام المحن والمصائب تعلمنا الكثير الكثير. نعمل بما هو متوافر من معدات وأجهزة وأدوات بسيطة. الأدوية تبدو قليلة، لكنها لم تعق عملنا معهم يداً بيد. نعيش في غرفة واحدة مع زملائنا الأطباء المصريين. لا نكف عن الدعاء. حرب اشتعلت لإبادة كل ما يتخيله العقل. الأخضر واليابس. الإنسان قبل الحيوان والطير. لم تسلم مستشفياتها ولا مدارسها لا هوائها ومائها، تلوث كل شيء. بقى الدم الفلسطيني الطاهر على سرير ذلك المريض أو في ثلاجة ذلك الشهيد.
انتظرنا مع العالم بأجمعه وقف إطلاق النار. كانت الساعة تشير إلى الثانية من فجر يوم الأحد بتاريخ 18 يناير/ كانون الثاني ,2009 عندما أعلن وقف إطلاق النار. تنفس الجميع الصعداء. هل هذا ليعني أن لا مزيد من الشهداء ستأتي؟ تنفسنا الصعداء. بل تنفسنا الهواء الملوث بالأغبرة والمواد الكيميائية السامة. خرجنا من حرم المستشفى في ذلك اليوم لنرى بأم أعيننا الدمار وقد عاث في كل شيء. 
  قبل العودة
في اليوم الثاني، قررت مع علي العكري أن نتجه شمالاً لمستشفى العودة بمخيم جباليا. كانت تبعد 40 كيلومتراً. قررنا تقصى بقية الحقائق، ودراسة الاحتياجات بأنفسنا بعد وقف إطلاق النار لنقدم العون طبياً ومعنوياً. في الطريق رأينا دمارا كاملا يعجز المرء عن وصفه. كأن زلزالاً قد دمر كل شيء. كل شيء سُوي بالأرض في تلك المنطقة التي يطلق عليها عزبة عبد ربه. وكذلك منطقة تل الهوى. لم يسلم من الدمار ما يقارب 6 ألاف منزل و10 ألاف وحدة سكنية، 27 مسجداً، مستشفيات، ومدراس. جرفت الأراضي الزراعية بمساحات شاسعة. قتلت المزروعات التي يقتات منها الناس، دمار للمصانع والمخابز وغيرها.
وصلنا مستشفى العودة التابع لاتحاد لجان العمل الصحي. قمنا بواجبنا تجاه أخوتنا وأبنائنا في العيادات الخارجية والعمليات حتى حان موعد الرجوع للوطن، قررنا ذلك بعد أن تأكدنا من الإداريين بكل من مستشفى العودة ومستشفى الشفاء (الذي قام الدكتور العكري بأكثر من زيارة ميدانية له) أنه يوجد ما يكفي من الأطباء لتغطية الحاجة. 
  بكاء العودة ما إن وطأت قدمي مطار البحرين عائداً من غزة، استقبلت أولاً من قبل الأصدقاء في المطار بباقة ورد استلمتها من زميلتي الدكتورة حنان معرفي والدكتورة كوثر العيد، من لجنة دعم غزة. ولم يلبث أن ارتمى في حضني ابني هشام ذو الرابعة عشر من عمره باكياً منتحباً، كأنها المرة الأولى التي أفارقه فيها رغم كثرة أسفاري للخارج. أعلم أن هذه السفرة لا تشبه أي سفرة أخرى. بكيت أنا أيضاً معه. تذكرت ذلك الجريح ذا أربعة عشر ربيعاً في غزة. تذكرت كل الشهداء الذين هم في مثل عمره. كانت صورهم المؤلمة تمر أمام عيني وابني آمنا في حضني. صور الجرحى على أسرة المرض والشهداء في الثلاجات. تلك الصور التي لا تغادرني. فجأة يحدث ما يقطع علي استرسال الصور الحزينة. تعج القاعة بالمستقبلين، بالأهل والأحبة والمشموم وباقات الورود والصحافيين والمصورين وهتافات الزملاء تدوي في قاعة المطار (غزة.. غزة رمز العّزة) و(يا للعار ياللعار غزة بيعت بالدولار).

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro