English

 الكاتب:

باسمة القصاب

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

بيت عبدالرحمن النعيمي..
القسم : عام

| |
باسمة القصاب 2009-04-05 15:19:59


  حركـة الحُــب
(1) 
 
' 'كان العمل يتطلب السرية، وتمويه التحرك على الأهل، فنحن ذاهبون إلى عالم آخر، تاركين كل الشهادات وكل المناصب وكل العلاقات العائلية وكل الإغراءات المالية، ونكران الذات وإخفاء الأسماء الحقيقية، إلى عالم الثورة والكفاح المسلح، والإصرار على ترسيخ قيم العدالة والمساواة، وما يتطلبه ذلك من الصراع ضد قوى الشر، ومغادرة كل نزوات النفس والمال، والعيش مع الفقراء في طموحاتهم.. ' '
عبدالرحمن النعيمي
***
هكذا تصف في مذكراتك حال الفتى السبعيني، ذلك الذي يتمرد مثلما يتنفس. الممعن في ذهاباته الطويلة البعيدة. ثلاثة وثلاثون عاماً من الحلم والنفي. هكذا هم الحالمون، من ذهاب إلى آخر يعبرون، من طبيعة نضال إلى أخرى. من ذهاب ثوري مسلّح، إلى آخر معارض سلمي. من ذهاب لا يعلم أينه حتى أقرب الناس إليك، إلى آخر يصلك بأبعد الناس عنك. من ذهاب يقرِّب منافيك المتباعدة، إلى آخر ينفيك خارج حضوراتك القريبة. من ذهاب لا يُمهلك أن تجلس، إلى مريم التي وضعت للتو مولودها (وليد) في صبر غربتك، إلى آخر يجبرك على راحة بليدة طويلة، لم تكلك إليها يوماً، مريم.. طويل ذهابك الأخير وبعيد. وحلمك لايزال غير مكتمل وغير منجز. لاتزال ذهاباتك فجائية وغير متوقعة حتى عند أقرب الناس إليك. سريعة وحازمة وفورية ونافذة. لازلت لا تمهل الآخرين أن يستوعبوا ذهاباتك العميقة، بقدر ما تعلمهم كيف يتعاملوا معها. هكذا أنت، لا تتساوى لحظتاك طالما قلبك قادر على تمرده الجميل. سريعاً ما تترك كل شيء وراءك (الشهادة والمنصب والعلاقات والإغراءات المادية والأسماء والحظوات والحضورات والالتماعات و و و)، وتمضي نحو ذهاب آخر، لا لشيء سوى أن ثمة واجب آخر ينتظرك هناك.
يكفيك حتى تذهب، أن تحمل معك حلمك الشفيف وتمضي، أن تحمل معك ما تحب أن تسميه ' ' طموح الفقراء في العيش بكرامة ' ' وتمضي. فأين يأخذك ذهابك هذه المرة؟
***
لم تشأ لي الأيام، أن ألتقيه إلا في حضورات عامة، ولم أتعرف عائلة الأمل، إلا بعد أن قررت جسارة المرض، أن تستلّه من تعبه الشقي. ذلك الشقاء، الذي ما كان لغير قهر مُحترِف أن يذهب به عنه. تُسمِّينا أمل أصدقاء المحنة؛ من عرَّفتها بهم تلك الجسارة المؤلمة، وجمعتنا، رغم مرارتها، في صداقة حميمة وحُب. كان بروفايل ' ' سنديانة الأمل ' ' الذي أعدته الوقت عن عبدالرحمن النعيمي، مفتاح تعرفنا (البروفايليون) إلى أمل. وكانت أمل بوصلها القريب رغم بعدها الجغرافي، مفتاحنا لكل عائلة الأمل وأصدقائها. وحين يفتحك على هذه العائلة سبب ما، فإن السبب يزول سريعاً، يمر مرناً وسلساً، لكنك سرعان ما تقع في سبب آخر لا يزول؛ تتورط بالوقوع في حب عائلة كاملة، لا فرد واحد فقط، علاقة عفوية حميمة وفياضة، تلبسك سريعاً. ينساب الجميع ليقعوا في داخلك برهافة واحدة، بكياسة وذوق واحد، بخفة روح واحدة، لكن بتمايزات عدة، وفرادات. هي تمايزات بعدد أفراد هذه الاسرة. يتشابهون في الحب والوجه، ويختلفون فيما سوى ذلك. الكثير.
***
ها هو الفتى الشقي، بعد أن أعيت فتوته الشقاوة، يحط في مستشفى السلمانية في البحرين، في 31 يناير 2008 بعد رقاد طويل بمستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض، وقبلها الرباط التي شهدت سقوط الحصان المباغت في مؤتمر هناك .2007
يعود عبدالرحمن النعيمي، تهدهده بين أهداب عيونها مريم. تحمله فوق راحة جفنيها المثقلين. تلك المرأة التي جاءت إلى العالم، كي تكون جبلاً على هيئة حضن.
في الرباط، حيث الصدمة لاتزال غير قادرة على حمل نفسها، وحيث الأبناء مجتمعون في ثوب دهشتهم، يترنحون في بكاء المنذهل، يجتمعون بعد أن تكون الجغرافيا تفرقت بهم، أو قست، تأتي أمل من دبي ويأتي خالد من كندا ووليد من الشارقة وسلوى من الرياض وعائشة من البحرين، ويجتمعون. تتنكس رؤوسهم خلف نافذة غرفة الحصان. يحتضن أحدهم قلب الآخر، ويهبّون في البكاء. لا يغادرون. يكاد الحزن يستسلم بهم: أيكف المتمرد أبداً عن تمرده الجميل؟ أيتنفس شيئاً آخر غير التمرد؟ هيا قم تمرد على النوم. النوم ليس قنديلك. تجيئهم مريم: لم يقف المرض يوماً أمام برامج والدكم اليومية. هل ستجعلون مرضه يقف دون برامجكم أنتم وحياتكم؟ اذهبوا، ودعوا الوقت يأخذ دوره في مسح أحزانكم، وإن وقع بنا فاجع لا قدّر الله، فهي سنة الحياة، وعلينا أن نستمر في المضي ' ' .
هكذا مريم، تفرض عليك، إما أن تكون جبلاً بقدر هامتها، أو مستمداً منها قوة تشدد بها ضعفك وانهيارك ومفاجئتك.
***
كان شعوري مرتبكاً ووجلاً وأنا أهم بالزيارة الأولى لأبي أمل. بعد تسعة أشهر من الرقاد الطويل في الخارج. هو الآن هنا. أحمل في يدي باقة ورد بيضاء، لا شية تشاغب حليبيتها. وبطاقة مكتوب عليها: ' ' نحتاج إلى حكيم واحد بين الناس لتسود الحكمة، فعدواها سريعة للغاية. نفتقد بياض حكمتك بين هذه الجموع، التي يلف وطنها سواد غير حكيم ' ' . ما أحوجنا إلى لف الحكمة، حين تدور بنا متاهات الوطن وخناقاته واختلافاته وظلاماته. ما أحوجنا إلى بياض لا يشوبه سواد تكالب رخيص يلمع، لكن هل تمرض الحكمة؟
أسترجع هذه العبارة الآن، فيما نحن في حاجة أكثر، واختناق أكثر، وخناق أكثر، وشيء يشبه اليأس وأكثر. لا تبدو الحكمة عدوى سريعة إذا ما اشتعلت الغازات الخانقة. ليس أسرع من عدوى انتشار الغازات الخانقة، القابلة للاشتعال. حينها تختنق الحكمة وتموت واقفة.
عند الممر المؤدي إلى غرفته، كانت تستقبل الزائرين مريم، كان لقائي الأول (بشخصها) بعد أن التقيت (روحها) كثيراً عبر حديث أمل الأثير عنها، احتضنتني بحرارة قريب لمحب وراحت كما هي عادتها مع أي داخل إليها، تعرفني بالحاضرين واحداً واحداً، تاريخاً تاريخاً، نسباً نسباً. كانت ابتسامتها مرهَقَة، وصوتها متكسر، وحزنها مخبوء تحت سواد أسفل عينيها. أما حضنها فمتسع كالبحر، دافئ كخيمة. تبادلنا كلمات قليلة، وبعض مشاعر، قبل أن تأخذني أمل إلى ناحية الغرفة.
***
هناك. في تلك الغرفة الصغيرة، رأيته للمرة الأولى بعد المرض. يغط في بياض وديع. كان وجهه يشع هدوءاً، وابتسامته (التي لا تفارقه في العادة)، لايزال أثرها باقياً على ترسيمة وجهه، كأنها ترنيمته. أما التعب فلايزال أثراً بادياً، لكنه لا يبدو باقياً. كأن بياضه الحكيم قد قرر له أن يرتاح قليلاً. كأنه سأم ذلك السواد العابث في كل شيء في هذا الوطن. كان نائماً مستودعاً بياضه الحلم. أليس الحلم رفيقه الأبدي؟ ممعن في ذهابه إليه كما هي عادته مع كل الذهابات الأخرى التي سحبته إليها أكثر من 33 سنة.
إلى أين يأخذك حلمك الآن؟ وماذا يقول لك عن وطنك الذي ناضلت من أجل بياضه طيلة ما أنت أنت؟ هل أنت حقاً نائم؟ أم أخذك اليأس إلى حلم آخر؟ ربما أكثر حكمة، وربما أكثر بياضاً، وربما أقل قسوة؟ كأني كنت أسأله بصمت. لكنه لا يجيب. أشتد اهتزازاً، ويشتد سلاماً. هو ليس في المكان حيث أنا أقف. وليس في اللون حيث أرتدي. أنا هنا في السواد أقف، موشِّح كُلِّي به، وهو هناك يطل على شرفة من بياض، يشف بها كلّه. بيننا مسافة قصيرة لكنها ليست تصل. بيننا وطن لا يتحقق وحلم لا يكون.
عند طرف سريره، كانت تجلس أخته مريم عبدالرحمن النعيمي، تجيء كل قريب لزيارة أخيها من دولة قطر. كانت تقرأ القرآن بهمس تكاد لا تسمعه إلا أذن مرهفة بحسّ الذهاب، كأنها بقراءتها تباشر ذاك الحلم، وتبعث السلام في قلب ذلك الحالم، تبارك روحه التي ذهبت تستجدي لنا بعض البياض، أو تستعير لنا بعض الحكمة، وستعود..
 
 
غداً.. ربما ندخل البيت

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro