English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

تعميم وزارة التربية
القسم : عام

| |
عبدالهادي خلف 2009-04-15 01:41:38


في بداية هذا الشهر أصدرت وزارة التربية والتعليم تعميماً إلى المدارس الحكومية، بشأن ما سماه التعميم «التجاوزات الصادرة عن بعض الطلبة والمرتبطة بمحاولات تعطيل السير الطبيعي للدراسة أو التحريض على ذلك أو اللجوء إلى ممارسة العنف أو القيام بأعمال تخريبية في المدارس وتهديد سلامة الطلبة والممتلكات العامة، ومنع الطلبة من مواصلة الدراسة».
وبحسب صحيفة «الوقت»، فإن لائحة العقوبات التي تنوي الوزارة التشدد في تطبيقها تصل إلى الحرمان النهائي من الدراسة النظامية في المدارس الحكومية. وأشارت «الوقت» أيضاً إلى أن الوزارة بدأت في تشكيل لجان التحقيق واستدعاء بعض الطلبة وأولياء أمورهم. ولم يوضح الخبر ما إذا كانت الوزارة، عبر لجانها، ستكون الطرف المحقق والمدعي والقاضي وقاضي التنفيذ في الوقت نفسه. فهذه المهمات لا تدخل حسب معرفتي في تأهيل المربين والمربيات. بل هي مهمات تنتقص، بحسب خبرتي الشخصية، من دور المربي في تنشئة جيلٍ يعتز بكرامته. فما الوطن من دون كرامة الناس فيه؟
لا شك أن وزارة التربية والتعليم تواجه مشكلة كبيرة تتمثل بعض مظاهرها في قيام بعض الطلبة بتجاوزات تتضمن التحريض على تعطيل الدراسة واللجوء إلى ممارسة العنف. إلا أن التعميم المذكور يتجاهل أن هذه المشكلة ومظاهرها المتعددة ما هي إلا انعكاس لما يحدث خارج المدرسة. فالمدارس ليست جزراً معزولة في أرخبيل تتحكم فيه وزارة التربية والتعليم كيفما تريد. ففي المدرسة ينعكس كل ما يجري خارجها. فكلما كانت الأمور سوية في المجتمع المحيط كلما سارت الأمور في المدارس على ما يرام. فمن المعلوم أن التلاميذ يأتون إلى مدارسهم صبيحة كل يوم وهم يحملون في حقائبهم المدرسية أشياءً أخرى غير الكتب والدفاتر. هم يحملون ما يجري في قراهم وأحيائهم ومناطق سكنهم. ففي مجتمع طبقي مثل مجتمعنا فإن حقائب كثيرين من تلامذة المدارس تحتوي أيضاً على سرديات الفقر والإقصاء والإحساس بالدونية والتمييز. ولهذا لا أعرف كيف يحلم أحدٌ بمدرسة ليست فيها مشكلات قبل أن يتعاطى بجدية مع المشكلات الحقيقية التي يعاني منها المجتمع ككل.
أحمدُ الله على رحمته بجيلنا. فلاشك أننا كنا محظوطين حين التحقنا بالمدارس قبل أن تطغى أساليب الربط والضبط العسكرية على العملية التربوية. فلو طُبقت علينا لائحة الانضباط المدرسي التي تتوعد الوزارة الآن بها أطفالنا لطُرد العشرات منّا قبل أن ننهي دراستنا الابتدائية أو الثانوية. ولو حصل ذلك لما توافر للحكومة في الستينات وسنوات ما بعد الاستقلال الكوادر القادرة التي أدارت جهازها الإداري وتوّلت شؤون وزارات مهمة، بل بَنتْها من الصفر. فالحمد لله على المصادفة الزمنية التي جعلتنا نلتحق بالمدارس في فترة كان يتولى إدارة التعليم شخصٌ في كفاءة المرحوم أحمد العمران ومعاونيه من مديري المدارس وأعضاء الهيئة التدريسية.
سأكتفي بمثال من بين أمثلة عدة. ذات ضُحى، قبل أكثر من خمسين سنة، فوجئنا في المدرسة الغربية الابتدائية بوصول مظاهرة طلبة المدرسة الثانوية إلى سور مدرستنا مطالبين بأن نخرج معهم للتنديد بالعدوان الثلاثي على مصر. فتسلق أغلبنا أسوار المدرسة وخرجنا نهتف كما يهتفون: «بينو بينو يسقط بينو»، «إيدن إيدن يسقط إيدن». وعرفنا بعد ذلك أننا كنا نطالب بإسقاط وزيرَيْ خارجية فرنسا وبريطانيا المتحالفتيْن مع إسرائيل ضد مصر الناصرية. لم يكن بيننا، ونحن دون الثانية عشرة سنة من العمر، من يعرف شيئاً في السياسة سوى ما يتناثر في آذاننا من أحاديث الكبار. إلا أنها كانت مظاهرة ضد الإنجليز الذين تعلمنا أن نكره عنجهيتهم واحتقارهم لأهلنا. وكانت أيضاً فرصة للتهرب من الدروس. بعد ذلك اليوم تعددت المظاهرات التي شارك فيها تلاميذ مدرستنا الابتدائية. لم نكن على وعي بما نفعل ولا بكل عواقبه. إلا أنني أنظر الآن إلى مشاركتنا في تلك الأنشطة باعتبارها جزءاً من محاولاتنا للتفاعل مع محيطنا الاجتماعي وللتموضع فيه. ولذلك لم تتوقف الأمور عند الهتافات. بل سرعان ما قام بعضنا بالتواجد حيث يقوم الصبية الكبار بما كان يُسمى وقتها «أعمال احتجاجية وطنية» وما قد يُسمى بلغة هذه الأيام «أعمال تخريبية». ومن بين تلك الأعمال كانت محاولات لحرق مكاتب تابعة لشركات بريطانية مثل «غري مكنزي» و«الشركة الشرقية الإفريقية». ولا أتذكر الآن غيرهما. ولم تتوقف المظاهرات حتى بعد أن قامت السلطات باعتقال مدير مدرستنا المرحوم حسن الجشي. إلا أن أحداً لم يقم بصوغ لائحة عقوبات ولم تتشكل لجان تحقيق وزارية لمعاقبة طلبة المدرسة الثانوية الذين أتوا لتحريضنا على ترك صفوفنا. وبطبيعة الحال، لم يصفنا أحدٌ بالمخربين حتى بعد أن قام مجهولون بكسر سور حديقة المدرسة وإحراق صندوق للقمامة في فنائها.
أخلص من هذا المثال إلى أن الاهتمام بالشأن العام بما في ذلك المشاركة في المظاهرات والاحتجاجات السلمية لا تعوق التحصيل المدرسي. بل هي وسيلة فعالة للتنشئة الاجتماعية وبذر روح الانتماء الوطني، علاوة على أنها توفر مجالات رحبة لتنمية رأس المال الاجتماعي. ولهذا لم يتخلف أحدٌ عن موعد الامتحانات النهائية في آخر السنة الدراسية ولم يمنع أحدٌ من تقديمها عقاباً له على المشاركة في التظاهرات وأعمال «التخريب». ونجح أكثرنا ليلتحق من استطاع بالمدرسة الثانوية أو بمدرسة التدريب التابعة لشركة بابكو. أسارع للإشارة إلى أن من بين تلاميذ مدرستي الابتدائية من صار مرموقاً في الحكومة أو القطاع الخاص. وبطبيعة الحال فمن بينهم نرى الموالي حتى الآن كما نرى المعارض حتى الآن.
لا جدوى تُرجى من التعاطي مع مشكلات الانضباط في المدارس بالاعتماد على تعميمات إدارية تتعامى عما يحدث خارج أسوار المدرسة. فلا يمكن التعاطي مع صبية وصبايا في مقتبل أعمارهم بأساليب الضبط والربط العسكرية. فهذه أساليب بالية لم تعد تصلح للتطبيق حسب الممارسات الحديثة حتى على معتادي الإجرام وعتاة المجرمين. وفوق ذلك فإن للتهديد مردودات عكسية أخطرها قطع حبال التواصل بين الطرفيْن المعنييْن بتفعيل التحصيل المدرسي، وهما المعلم والتلميذ. فهذه التعميمات تتجاهل أن ما يعوق التحصيل المدرسي ليس اهتمام صغار السن بالشأن العام ولا مشاركتهم في أعمال الاحتجاج السلمية والمظاهرات. بل هي عوامل أخرى يرتبط أغلبها بما يحدث خارج سور المدرسة بما في ذلك ما يسببه الفقر والإقصاء من معاناة وإحساس بالظلم والتمييز.

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro