English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

ترزية القوانين
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-06-02 08:26:42


صرتُ الآن أصدِّق أن كثيراً من المسؤولين لا يروْن ما يراه أكثر الناس. وأقصدُ خصوصاً أولئك المسؤولين الذين يلوّحون بالقانون في مواجهة احتجاج في شارع أو لتفنيد مطلبٍ أو اعتراض طُرِحافي ندوة أو مقالٍ أو جلسة برلمانية. وصرت أصدِّق أن هذا المسؤول أو ذاك يظّن أنه كسب «معركة» حين أحال المحتجين والمعترضين والمتسائلين إلى «القانون». بل ربما كان المسؤول مقتنعاً بأنه حين يفعل ما يفعل فإنه لا يبرئ ذمته فحسب، بل يساهم في تحويل البلاد إلى «دولة قانون». وإلا لماذا يتمسك وزراء لا يقلل أحدٌ من قدراتهم على الاكتفاء بقول إن ما يقومون بهم قانوني؟ ومعلومٌ أن لا اختلاف في هذا بين كبار المسؤولين وصغارهم. كما لا تختلف الكلمات سواء تعلق الأمر بواحدٍ من الخطوط الحُمر المعروفة أو بمسألة إجرائية وربما شكلية. ألا يرى المسؤولون فشل هذا الأسلوب في إقناع الناس بما تعتقده السلطة أو ما تتمناه؟ متى ستقتنع السلطة بأن مجرد إصدار القوانين والتكثير منها لا يضمن شَرْعَنَتَها؟
يرتبط جواب أيٍ من السؤاليْن وما يتفرع منهما بتداعيات الموضوعة الرئيسة التي رددتها على هذه الصفحة. والتي تتلخص في أن ليس لقانونٍ حتى ولو ظنّه واضعوه عادلاً أية شرعية اجتماعية من دون قبول الناس طوعاً به وخضوعهم طوعاً لما يفرضه من إجراءات والتزامات. فلابد من طوعية القبول لتأسيس الشرعية الاجتماعية اللازمة. أقولُ لا يكفي صاحب سلطان أن يلوّح بقانون أوحتى بمجلدات قوانين ما لم يقنع الناس بأن في تطبيق تلك القوانين عدالةً وإنصافاً. فعلى أساس القول البليغ «من ضاق عليه العدْل فالجورُ عليه أضْيَق» يمكن الاستطراد إلى أن فرض القوانين فرضاً لا يولِّد طاعة لها حتى وإن خضعت الناس لتلك القوانين خوفاً أو تقية. فانتفاء عنصر الطوعية في طاعة القوانين يعني انتفاء أحد أهم الأسس التي تقوم عليها دولة القانون. ومعلومٌ أن دولة القانون لا تقوم لمجرد تكثير القوانين فيها، بل لابد من اقتناع الناس بأنهم يعيشون في ظل دولة قانون. لهذا أتساءل في كل مرة يلوّح فيها وزيرٌ أو موظفٌ ذو نفوذ بالقانون لتبرير إجراءٍ خلافي أو قرارٍ مفترٍ ماذا يحتاج ذلك المسؤول ليرى ما يراه الناس عبر تراثهم وعبر تعاملاتهم اليومية؟ فلا شك لديّ في أن من بين المسؤولين الكبار والصغار من يعرف ما جاء في الأثر من «إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة».
ما يزيد الأمور تعقيداً ما ألاحظه بشأن تزايد لجوء المسؤولين في السنوات السبع أو الثماني الأخيرة إلى التلويح براية القانون لإسكات الناس. لا أملك إحصاءً لتمحيص هذه الملاحظة التي أسندها إلى متابعة ما تنشره الصحف المحلية من تصريحات لكبار المسؤولين وصغارهم. لا أعرف تفسيراً لهذه الزيادة إلا أن بالإمكان افتراض ارتباطها بتطوريْن مهميْن حدثا في السنوات الأخيرة ساهما في إعادة تشكيل العلاقة بين الناس والسلطة. ولاشك لديّ في أن بذرتهما تعود إلى الانتفاضة التسعينية التي لم تحظَ للأسف بالتوثيق والتحليل اللذيْن يناسبان أهميتها في تاريخنا الاجتماعي المعاصر. ويتمثل التطور الأول في جرأة الناس المتصاعدة على التعبير عن عدم رضاهم من بعض ممارسات السلطة وإجراءاتها، بل يتخذ التعبير عن عدم الرضا صوراً احتجاجية ذات كلفة عالية. أما التطور الثاني فيتمثل في اتجاه ملحوظ أيضاً لدى السلطة للتخلي شيئاً فشيئاً عن أساليب القمع القديمة والعقيمة التي وصلت إلى أوجها في نهاية السنوات الخمس والثلاثين من سطوة هندرسون.
أقولُ يرتبط تخلي السلطة التدريجي عن أساليبها القديمة بتوجهها نحو تكثير القوانين الذي شهدناه في السنوات العشر الأخيرة. إلا أن السلطة على ما يبدو لا تعير اهتماماً للمحاذير الواضحة في هذا التوجه الجديد. فتكثير القوانين من دون شَرْعَنَتَها اجتماعياً سيؤدي، بحسب بعض علماء اجتماع القانون، إلى قيام نظام «حكم قانون الدولة» بدلاً من نظام «حكم دولة القانون». أسارع للتأكيد أن ليس في الأمر تلاعبٌ بالكلمات. فثمة فرقٌ كبير بين النظاميْن. فحسب ما ذكر كووتر[1] وهو أستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا - بيركلي، لا تُصدر القوانين في «دولة حكم القانون» إلا حين يتم اختبار توافقها مع إرادة أغلبية الناس ويتأكد تناسبها مع قيمهم وتصوراتهم لما هو عدل وحق. فالسيادة في مثل هذه الدولة هي للناس وليس للنصوص على الناس. من جهة أخرى، يشرح كووتر «حكم قانون الدولة» الذي تكون الأولوية فيه لنصوص القوانين حتى ولو لم تتوافق مع القيم السائدة في المجتمع وحتى ولو تعارضت نصوصها مع إرادة أغلب الناس أو شرائح أساسية منهم. وفيظل «حكم قانون الدولة» يطيع الناس القوانين بسبب خوفهم من العقاب ويخالفونها حال أمنوا العقاب. ومعلومٌ أن دولة كهذه تحتاج باستمرار إلى تكثير القوانين الإضافية التي تمكنها من مراقبة الناس وضبطهم وتجريمهم وإيقاع العقاب بهم. ومعلومٌ أيضاً أن تكثير القوانين يتطلب تكثير مؤسسات الرقابة والضبط والتجريم والمعاقبة. ولا حاجة للاستطراد في تفصيل ما تستنزفه هذه الجهود من موارد المجتمع وطاقاته ورأسماله الاجتماعي.
يتطلب استقرار «دولة حكم القانون» اعتراف الناس بقوانينها وطاعتهم الطوعية لها. أما «حكم قانون الدولة» فيحتاج استقراره إلى أمريْن؛ أولهما قدرة على تكثير القوانين، وثانيهما صرامة في التجريم وإيقاع العقاب. ولقد أسست هاتان الحاجتان على التوالي لبروز حرفتيْن هما «ترزية القوانين» و«ترزية القضايا». ولهاتيْن الحرفتيْن توصيفات عدة أقربها لي الآن ما قاله المرحوم نبيل الهلالي، ذلك المناضل اليساري وأحد أعمدة الدفاع عن حقوق الإنسان في منطقتنا. ففي واحدة من مرافعاته التاريخية التي تستحق أن يستعيدها المعنيون بحقوق الإنسان، يتوسع الهلالي في توصيف المهنتيْن حين خاطب رئيس المحكمة قائلاً «لقد اعتدنا القول سيدي الرئيس بأن بلدنا المحبوب منكوب بما نسميه ويسميه كل ديمقراطي في هذا البلد بترزية القوانين، يفصلونها على هوى الحكام، لكن في تقديري أن الآفة الأكبر والأخطر تتمثل في ترزية القضايا. يختلقونها ويلفقونها حسب مزاج الحاكم ويزحمون بها ساحات المحاكم[2]».. حقاً قالَ الهلالي.

الوقت - 2 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro