English

 الكاتب:

زينب الدرازي

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

المؤسسات التعليمية العربية والمواطنة
القسم : عام

| |
زينب الدرازي 2009-06-06 08:35:18


على الرغم من تكرار القول المأثور: أننا نضع مشاكلنا على المستعمر، عوضا عن إيجاد الحلول لها، إلا أن محاولة تبرئة المستعمر وغض الطرف عن إرثه الثقيل وتأثيره على مفاصل حياتنا مسألة لايمكن تجاهلها. حيث أن المشكلة في مؤسساتنا التعليمية، هي ارثها الاستعماري القديم الذي لم تتخلص منه، مع تغيير مناهجها واتساعها الأفقي.
لقد اوجد المستعمر التعليم في مجتمعاتنا العربية لتسيير مصالحه، وبهذا جعل المدرسة نقطة سيطرة على المجتمع، وهو ما استمر حتى الوقت الراهن، فما رفع الأسوار، وإعادة رفعها، وانتهاك حرمتها من قبل رجال الأمن لقمع الحركات الطلابية، و الحجر على حرية التعبير، ومنعها المعلمين من إبداء الرأي في التعليم بعامة، تحت حد العقاب، والفصل بين الجنسين في التعليم، إلا ظاهرة ناتجة عن وضع المؤسسة التعليمية باعتبارها سيطرة على المجتمع.
كما نجد بعض الجامعات مرمية في الصحاري، ولا علاقة لها بالمجتمع ومشكلاته، ولا تشكل المؤسسة التعليمية في البلاد العربية كافة قيادة للمجتمع نحو التقدم، وإنما تعمل لإبقاء الوضع الراهن على ماهو عليه لأطول فترة ممكنة، لذلك لا نرى جامعة عربية واحدة على قائمة أفضل الجامعات في العالم. ولعل أفقر الجامعات فكرا وإنتاجا هي الجامعة التي تعتمد على التدريس فقط، وتترك مجالات البحوث والتطوير، وهناك حشد منها في جامعاتنا العربية.
وأكثر ما يُعمل على تعميقه في مناهجنا العربية هو الولاء، وليس الانتماء، ويمكن ادراك الفرق بينهما من حيث الاتساع، فالولاء يمكن أن يضيق لحدود الرموز (الاجتماعية، السياسية، الدينية.. الخ) المحلية وغير المحلية ويتجمد عندها. بينما الانتماء يذهب إلى حد الاشتغال العميق على الهوية، ويجعلها قادرة على إذابه كل العناصر المعيقة للولاء في المجتمع، بحيث يكون الانتماء للوطن هو القطب الذي تدور عليه كل فكرة المواطنة القادرة على اختراق الطائفة والقبيلة والعقيدة.
بينما يؤكد التعليم على الولاء باعتباره من الواجبات التي تميز المواطن الصالح، والتي تبدو من بعيد أنها عبارة جميلة تصف الانسان العربي ، إلا أن مصطلح الصالح، يتحدد شكلاً في المواطن القابل للقمع، والمُعمم له، الذي لا يعترض، ولا يفكر بذاته، وهو من يسهل انقياده، كما تغفل مناهجنا ذكر الحقوق التي للمواطن و التي تشكل الكف الأخرى للولاء ، اذ لا ولاء، دون حقوق. 
ظل تعليم الاقتصاد السياسي والقانون مغفلا إلى فترات قريبة في الجامعات، الثقافة الحقوقية في مناهجنا العربية تكاد تكون معدومة في التعليم الاساسي والثانوي، بينما تظل المسألة في الجامعة مغفلة ايضا، ولكن الفرد في المجتمع يصطدم بتلك الحدود كل يوم حين يلجأ للمؤسسات الرسمية، فمناهجنا في هذا الجانب كالأعور الذي لا يرى غير زاوية واحدة محددة في الواجبات النمطية.
وعندما أقرت مناهج للتربية الوطنية، فشلت في تعزيز المواطنه، فالهوية والانتماء للوطن ليس من أولويات الثقافة القبلية التي تصر على نموذج البداوة في أقدم بقاع الدنيا تمدُناً، تلك البداوة و الأمية المعرفية منوطة بالنموذج الايديلوجي السائد، والذي يقدس الثقافة الشفاهية على الكتابية.
وحتى الأغنية السياسية الرسمية لم تستطع أن تكسر السائد كقاعدة، واستمرت بعض اتجاهاتها الجانبية التي تغنت بالوطن دون الطموح، وظلت الأغنية الوطنية التي أنتجتها المعارضة محاربة حتى أنها لم تجد الانتشار والفرصة الكافية لإنعاش الانتماء إلى الأمة والوطن، كانت حركة القوميين العرب قد بدأت بها، وتبنتها الدول ذات النزوع القومي، فظلت بعض الأغاني الخالدة مثل (بلاد العرب، وموطني، ونحن الشباب.. الخ).
تلك الأغنيات التي لم نعد نسمع بها، لسيادة اعتقاد يعمم نموذج الدولة القطرية في مقابل الوحدة العربية، والشعوب العربية مقابل الأمة الواحدة، كما إن انتشار تيار الإسلام السياسي مسئول مسؤولية هائلة في ضعف الانتماء إلى الوطن، حيث أنه في التنظير السياسي الإسلاموي لا وجود للوطن، فوطن المؤمن عقيدته، تلك العقيدة الصافية والنقية والأصيلة، التي تقبل الاحتلال التركي والفارسي وربما الباكستاني باسم الإسلام، ولا تشير إليه باعتباره كذلك، بل تريد تبعية مباشرة بمحاولة إحياء الخلافة الإسلامية، وهي تتبني كل قضايا الدنيا، وترسل مجاهديها عبر الآفاق، وتترك قضية المظلومين في خاصرتها، تحت حد إطاعة أولي الأمر، وهو ما يساهم مع الانتماءات التي تتولد ضمن دوائر القبيلة والطائفة في التفتت الاجتماعي. وكم سيكون مفيدا لوقامت الجرائد الرائدة في الوطن العربي بعمل مسح ميداني فيما يعني الوطن بالنسبة للمواطن، لنتأكد من شكل الصورة المتكونة لدى الفرد عن الوطن ومدى انتمائه إليه.

البلاد - 6 يونيو 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro