English

 الكاتب:

عبدالهادي خلف

 
 
 

روابط سريعة

الأخبار      |     التقارير      |     المقالات

 
 

أصناف الولاء
القسم : سياسي

| |
عبدالهادي خلف 2009-08-04 10:18:10


أتاحت الضجة التي تدور الآن حول معهد التنمية السياسية واستدعاء أعضاء مجلس أمنائه للمثول أمام النيابة للشهادة بشأن التهم المنسوبة لمديره التنفيذي، أن أطلع على قائمة أمناء المعهد. وهي قائمة تضم نخبة منتقاة من وجوه الحياة السياسية والثقافية في البلاد. قد تبدو القائمة متنافرة إلا أن من يتمعن فيها يلاحظ أنها بمثابة إعلان عن اصطفاف سياسي جديد مهدت له التغيرات التي شهدتها البلاد بعد العام .2001 ولتوضيح هذا الاصطفاف أبدأ بالسؤال عن الجامع والفارق بين أمناء المعهد الذين كما أشرتُ يغطون مساحة كبيرة من الشارع الثقافي والسياسي والأكاديمي في البلاد. ولا أقصد التعرض للجوانب الشخصية لأيٍ من هؤلاء. فلا أعرف عن أيٍ منهم في هذا الجانب إلا الخير. أما من حيث الفروق السياسية الشكلية فثمة تنوع ملحوظ. ولتوضيح هذا التنوع سأنتقي أربعة منهم: شاعر معتبر وكاتب نشيط ونائب محترم ومحامية متمرسة. لن أقف عند الجوانب الشخصية لأيٍ من هؤلاء. فلا أعرف عن أيٍ منهم في هذا الجانب إلا الخير. أما من حيث الفروق السياسية الشكلية فيمكن الإشارة إلى أن بين الأربعة معارضين، أحدهما رئيسٌ لجمعية سياسية والآخر نائبٌ يمثل جمعية سياسية. ومن بينهم مواليان. أحدهما شاعر لا تخلو المناسبات الرسمية من مدائحه والثانية محامية متمرسة قامت بنجاح بمحاججة المعترضين على دستور .2002 ومع ذلك ليس صعباً تحديد المشترك بين الأربعة. فلقد تداخلت أدوار مثقفي السلطة ومثقفي فصائل منتقاة من المعارضة ، بحيث تماهت أدوار الفئتيْن. فلا فرق بين الأمينيْن الموالييْن وزميليْهما المعارضين.
لسنا أمام ظاهرة فريدة أو جديدة. فمثل كل سلطة سياسية عقلانية تعمل السلطة في بلادنا على احتواء ناشطي المعارضة أو تشجيعهم على الانضواء إليها. وإلا فمن أين لها أن تأتي بالمؤهلين القادرين على تشغيل المؤسسات والإدارات الحكومية؟ علاوة على ذلك فلقد تخيل كثيرون أن باستطاعتهم اجتراح المعجزات عبر التغيير من الداخل. من جهة أخرى كان هناك اتجاه لدى المعارضة بضرورة اختراق السلطة عبر ''زرع'' عناصر حزبية فيها. وكان مطلوباً من العنصر الحزبي المزروع أن يتماهى مع السلطة حتى يصل إلى أعلى المراتب. حتى ولو تطلب ذلك منه أن يتنكر لماضيه وأن يتخلى عن رفاقه. فمهمته الحزبية تتلخص في أن يرتفع في أعين السلطة ليكون بذلك مصدر قوة للتنظيم الذي زرعه. بطبيعة الحال لم يكن الأمر أكثر من مسخرة. فبعد أكثر من عشرين سنة من مشاريع ''اختراق السلطة'' لم تزد مغانم المعارضة على تلك المغانم الشخصية التي حصل عليها كل عنصر ''مزروع''.
أقول لسنا أمام ظاهرة جديدة. فالحالات الكثيرة منذ الخمسينات ظلت حالات فردية. فلا سابق في تاريخ بلادنا لما شهدناه منذ .2001 فطيلة السنوات الثماني الماضية تكرر خلط الأوراق مراراً. ولم تعد الدنيا كما نعرفها بعد أن سار كلٌ في طريق. وبعد أن صار مألوفاً أن يتحول بعض وجوه المعارضة إلى وجهاء في حمى السلطة ورعايتها. بل لقد رأينا تنظيماً يسارياً لا يجد غضاضة في قيام جهة رسمية بتقديم خمسين ألف دينار نقداً لتمويل مشاركته في انتخابات .2002 أقول منذ 2001 رأينا كيف تداخلت السلطة وفصائل منتقاة في المعارضة، أو بكلمات أدق كيف دخلت السلطة في هذه الفصائل، بحيث صار المجال المشترك بين مثقفيهما يتيح تبادل الأدوار أحياناً. أسارع للتأكيد على أن تماهي الأدوار وتبادلها لا يعني علاقة ندِّية بين السلطة ومن تنتقيه من المعارضة. فهؤلاء مهما قربوا من السلطة يبقون على هامشها يربطهم بها خيطٌ رفيع هو رضاها عن أدائهم.
ثمة حاجة لإعادة النظر في استخدامنا لمفردتيْ الموالاة والمعارضة. ولعل من المفيد أن أستعير بعض ما أورده سماح إدريس في دراسته عن الرواية المصرية في الحقبة الناصرية[1]. فلقد فرَّق إدريس بين ثلاثة أصناف من مواقف الولاء للسلطة لدى المثقفين: ''الموالي ولاءً مطلقاً'' و''الموالي التبريري'' وأخيراً ''الموالي بتحفظ''. ورغم أن الدراسة تعتمد على نماذج رسمتها الرواية المصرية في ظل حقبة غنية وحافلة بالتغيرات فإن لها ما يشبهها في راهننا البحريني. بل إن بالإمكان البناء عليها لمقاربة مواقف المثقفين كما تبلورت ''تدريجيا'' في السنوات الثماني الأخيرة.
لابد من ملاحظة أن أصناف الولاء الثلاثة تتداخل فيما بينها بحيث إننا قليلاً ما نجد صنفاً خالصاً. إلا إن من الممكن القول وبشكل عام إن ''الموالي ولاءً مطلقاً'' لا يجد في السلطة عيوباً جدية. فحرام السلطة حرامه وحلالُها حلالُه. نعم قد يرى بعض النواقص والهنات. إلا أن الموالي المطلق يثق في السلطة وفي استعدادها لاستكمال هذه النواقص ومعالجة تلك الهنات حين تعلم بها وحين تتوفر الإمكانات. فلا يجب أن نركض قبل أن نتعلم المشي. وفوق ذلك فثمة مخاطر خارجية وداخلية تستوجب رص الصفوف حول السلطة. أما ''الموالي التبريري'' فإنه لا ينفي أخطاء السلطة ولكنه يبررها أو يفسرها مستنداً إلى حجج تاريخية أو منطقية. فالأخطاء هي من إرث الماضي الذي يرى الموالي التبريري أن السلطة، أو على الأقل جناحها الليبرالي، جادة في تجاوز ذلك الإرث. وحين تفرط أجهزة الأمن في استخدام العنف في مواجهة المحتجين لا يلوم الموالي التبريري تلك الأجهزة. فالخطأ هو خطأ المحتجين وأهاليهم الذين سمحوا لهم بالتواجد في مناطق الاشتباكات. أما الصنف الثالث أي ''الموالي بتحفظ'' فهو الأقل انتشاراً من الصنفيْن السابقيْن. ونجده يبذل جهداً في سبيل خفض مستوى التنازلات التي يقدمها إلى السلطة. بل ويسعى للحفاظ على بعض مواقفه السابقة لكنه يتحاشى تماماً كل موقف يثير حفيظة السلطة أو غضبها. وفي محاولاته الدؤوبة في الاتجاهين نرى الموالي بتحفظ يتذبذب في مواقفه. فحيناً نراه أكثر حماسة للسلطة من زميله الموالي ولاءً تاماً. وحيناً نراه أشد تبريراً للسلطة من زميله التبريري. وقد يفلت لسانُه حيناً فيقول ما تقوله المعارضة إلا أنه سرعان ما يتراجع. أعود للأمناء الأربعة الذين ضربتُ بهم مثلاً لأقول إن الجامع بينهم كبير والفرق قليل حين يتعلق الأمر بالولاء للسلطة. فلقد تغيرت المعايير في البحرين منذ .2001
[1] انظر: سماح إدريس، ''المثقف العربي والسلطة - بحث في روايات التجربة الناصرية''، دار الآداب، بيروت (1992) الصفحات 68 - 96
الوقت – 4 أغسطس 2009

 
 
 
 
 
 

جميع الحقوق محفوظه © 2017
لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد)                       " الآراء المنشورة ليست بالضرورة تعبر عن موقف الجمعية "

Website Intro